حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: نظرة في “الجيوسياسية” (ج1)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقال: نظرة في “الجيوسياسية (ج1)

 

قبل الخوض في صلب موضوع “الجيوسياسية” وتعريفها واستخداماتها في التحليلات السياسية والعلاقات الدولية، كان لا بد في هذا الجزء الأول من إعطاء لمحة عن مدى انتشار هذه الأداة التحليلية، ومدى استخدامها في معترك السياسة الدولية، ومطابقتها أو انحرافها عن الواقع.

شهد مصطلح “الجيوسياسية (Geopolitics)”حديثاً ذروة انتشار تاريخية غير مسبوقة؛ إذ تحول من مجرد مفهوم أكاديمي نخبوي إلى اللغة اليومية الحاكمة للسياسة والعلاقات الدولية، والتغطيات الإعلامية، وتحليلات مراكز الفكر.

تكمن أهمية مصطلح “الجيوسياسية” (أو الجيوبوليتيك) في الإعلام في قدرته على تفسير الصراعات الدولية عبر ربط السياسة بالجغرافيا والموارد. وتتمثل أبرز أبعاد هذه الأهمية في: تفسير الصراعات على مناطق النفوذ، والتحكم في خطوط الطاقة والممرات البحرية، وفهم تأثير المواقع الاستراتيجية للدول.

ولم يعد هذا المصطلح مقتصرًا على حركة الجيوش والموقع الجغرافي التقليدي، بل توسعت أبعاده ليقود المشهد العالمي عبر ثلاثة مستويات أساسية:

  1. العمل السياسي والممارسات الحكومية

تحول المصطلح من التنظير إلى أداة تنفيذية ومبرر أساسي لصياغة السياسات الاستراتيجية؛ إذ تستخدمه الدول الكبرى لتأطير صراعاتها بين الدول. كما انتقل المصطلح بقوة إلى المجال الاقتصادي، حيث يتحدث القادة اليوم علناً عن “الجيوسياسية الاقتصادية”، فتُفرض العقوبات، وتُقيد صناعة أشباه الموصلات، وتُعاد صياغة سلاسل التوريد بناءً على اعتبارات جيوسياسية بحتة (مثل سياسات الحمائية والتوطين الاقتصادي القريب) تأميناً للأمن القومي.

ودخل المفهوم كذلك إلى لغة التكنولوجيا، إذ تتسابق الحكومات الآن على ما يُعرف بـ “السيادة الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي“، والسيطرة على البنية التحتية السحابية ومراكز البيانات كأدوات نفوذ دولي جديدة.

  1. تحليلات مراكز الفكر والبحوث (Think Tanks)

تمثل مراكز الفكر “المطبخ الفكري” الذي يضخ هذا المصطلح في عروق السياسة العالمية. ويظهر انتشاره لديهم من خلال “إعادة صياغة العناوين الاستراتيجية“؛ حيث تُصدر مراكز الفكر المرموقة -مثل مؤسسة كارنيغي ومعهد بروكينغز- تقاريرها الدورية تحت مسميات ثابتة مثل الآفاق الجيوسياسية” أو “المخاطر الجيوسياسية.

ويأتي ذلك أمام تراجع استخدام مصطلحات مثل “العولمة” والتكامل لصالح مصطلحات مثل “التشرذم الجيوسياسي” و”العالم متعدد الأقطاب”. فبعد أن كان الخطاب السائد نهاية القرن العشرين يدور حول “القرية الكونية الواحدة”، وإزالة الحدود، وتكامل الاقتصاد العالمي والتجارة الحرة، تراجعت هذه النبرة اليوم صوب التشرذم الجيوسياسي بمعنى انقسام العالم إلى تكتلات ومعسكرات اقتصادية وتكنولوجية وسياسية منفصلة (كما في التنافس الأمريكي الصيني، أو الانقسام الناجم عن الحـ رب في أوكرانيا)؛ حيث تُعطى الأولوية للأمن القومي والاكتفاء الذاتي على حساب التجارة المفتوحة. كما يترسخ الاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب ونهاية فترة الهيمنة الأحادية (لقطب واحد) التي مثلتها الولايات المتحدة بعد الحـ رب الباردة، مع بروز قوى صاعدة جديدة تؤثر في القرار العالمي وتتنافس فيما بينها مثل الصين، وروسيا، والهند، والاتحاد الأوروبي.

وتدرس مراكز الفكر حالياً جيوسياسية التحول الأخضر؛ إذ لم يعد المناخ ملفاً بيئياً فحسب، بل أصبح ساحة صراع جيوسياسي لتأمين المعادن النادرة كالليثيوم والكوبالت اللازمة للصناعات الحديثة (مثل أشباه الموصلات والرقائق)، مما ربط التغير المناخي والطاقة بالجيوسياسية.

كما تلعب هذه المراكز دور الوساطة المعرفية كمترجم لأحداث العالم؛ فهي تأخذ الصراعات الإقليمية المشتتة وتقدمها لصنّاع القرار عبر “مصفوفات خطر جيوسياسي” لتُظهر كيف يمكن لحدث في منطقة ما أن يزعزع استقرار سلاسل التوريد أو الطاقة عالمياً.

  1. التغطية الإعلامية والعلاقات العامة

تحول مصطلح الجيوسياسية في الفضاء الإعلامي إلى “العلامة التجارية(Brand)” الأبرز لتفسير الأحداث المعقدة وتبسيطها للجمهور، أو للتلاعب بالعقول الجماهيرية.

تستخدم وسائل الإعلام العالمية الكبرى المصطلح لتأطير النزاعات في قوالب جاهزة؛ لتفسير الحروب والأزمات. فبدلاً من تقديم النزاعات كخلافات محلية، يتم تغليفها دائماً بأبعاد صراع القوى الكبرى والجيوسياسية. وعلى سبيل المثال، فإن المنظورات الجيوسياسية التي يطرحها أهم مركز أبحاث في العالم، وهو مجلس العلاقات الخارجية عبر مجلته الفصلية “الشؤون الخارجية” (Foreign Affairs)، تُساهم في توجيه الخطاب الإعلامي نحو إضفاء الشرعية على المواقف الجيوسياسية للولايات المتحدة وحلفائها.

وقد ساهم الإعلام في جعل “المخيلة الجيوسياسية” جزءاً من ثقافة المتابع العادي -وعياً أو تضليلاً- فالحديث عن جغرافيا الممرات المائية مثل باب المندب أو مضيق ملقا بات مادة يومية في نشرات الأخبار لشرح كيف تتأثر أسعار السلع المحلية في المتاجر بحدث يقع في الجانب الآخر من الكوكب.

تُعد صياغة وتوجيه الوعي العام السياسي إحدى أهم أدوات “الجيوسياسية الحديثة”. وفي الواقع السياسي الحالي، تعتبر الجيوسياسية أداة تستخدمها القوى الدولية لتوجيه الوعي العام عبر آليات استراتيجية محددة؛ إذ لم يعد كسب الحروب والنفوذ مقتصراً على احتلال الأرض بالدبابات، بل أصبح يرتكز على “احتلال العقول” وتوجيه الإدراك الشعبي، وهو ما يُعرف في العقائد الاستراتيجية بـ “حـ رب السرديات” أو “الحـ رب الإدراكية.

وفي الواقع السياسي الحالي تستخدم القوى الدولية عدة آليات استراتيجية محددة لتوجيه الوعي، ومنها:

  • إعادة هندسة المصطلحات وصناعة الإطار التفسيري: لا تقدم الدول الأحداث للجمهور كحقائق مجردة، بل تضعها داخل “إطار جيوسياسي” يخدم مصالحها ويجعل الشعوب تتبنى مواقف سياسية معينة تلقائياً.
  • مثال: لا تُقدم واشنطن التنافس مع بكين للجمهور الأمريكي على أنه صراع تجاري على الأسواق، بل يتم تأطيره جيوسياسيا في الإعلام ومراكز الفكر كصراع بين “الديمقراطية والسلطوية”، مما جعل المواطن الغربي يتقبل طواعية دفع أسعار أعلى للسلع (بسبب العقوبات والتعريفات الجمركية) حماية للوعي القومي.
  • مثال آخر: في حـ رب أوكرانيا، يتم توجيه الوعي العام الأوروبي عبر سردية جيوسياسية مفادها أن “الدفاع عن كييف هو دفاع عن حدود برلين وباريس”، مما أقنع دافع الضرائب الأوروبي بجدوى إرسال مليارات الدولارات كمساعدات عسكرية في ظل أزمات التضخم المحلية، ومقاطعة الغاز الروسي الأقرب والأرخص واستبداله بالغاز الأمريكي.
  • أداة “الاضطرار الجيوسياسي” وصناعة القبول الشعبي: حيث تُستخدم التهديدات الجيوسياسية كذريعة لتمرير سياسات داخلية أو خارجية لم تكن مقبولة شعبيًا في ظروف السلم. يظهر ذلك في “التحول الألماني”؛ إذ كان الرأي العام يرفض بشدة تسليح الجيش أو إرسال السلاح لمناطق النزاع بسبب عقدة الحـ رب العالمية الثانية، لكن بفضل التوظيف الجيوسياسي لتهديدات الطاقة والحدود بعد عام 2022، تبدل الوعي العام الألماني تماماً، وأصبح الشعب يؤيد أضخم ميزانية تسليح في تاريخ ألمانيا الحديث والاعتماد الكامل على الغاز المسال الأمريكي الأكثر تكلفة.
  • الجيوسياسية الرقمية واختراق الفضاء الإدراكي: تستغل الدول منصات التواصل الاجتماعي لشن حملات تأثير موجهة لتفتيت وعي المجتمعات المعادية (مثل التدخلات الروسية والصينية في الانتخابات الغربية)، وكما في ملف تطبيق “تيك توك” حيث تخشى واشنطن من قدرة بكين على توجيه خوارزمياته لصياغة وعي سياسي مشوه أو محبط لدى الجيل الجديد في أمريكا.
  • جيوسياسية الوعي البيئي / صراع الطاقة والتحول الأخضر: فمثلا يسوق الاتحاد الأوروبي لخطط “التحول الأخضر” باعتبارها معركة أمن قومي لقطع النفوذ الجيوسياسي لروسيا ودول الشرق الأوسط عن القارة العجوز، هذا التوجيه جعل المواطن الأوروبي يتحمل طواعية الضرائب الكربونية المرتفعة استجابةً للوعي الجيوسياسي الجديد.

نختم هذا الجزء من البحث بالقول: إن الجيوسياسية اليوم لم تعد خريطة صامتة معلقة في غرف العمليات العسكرية، بل أصبحت مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من نوع القمح الذي نتناوله بسبب أزمات سلاسل الإمداد، مروراً بأسعار الطاقة والوقود، ووصولاً إلى التطبيقات التكنولوجية التي نستخدمها. فتداعيات الصراعات الجيوسياسية تصل لكل فرد على شكل غلاء أسعار، أو أزمات اقتصادية، أو أخبار ورسائل إعلامية مكثفة تدفعه لتبني موقف معين تجاه قضايا العالم، سواء عن قناعة مختارة أو مرغمة بسبب التأثير الإعلامي المتواصل.

باختصار، يمر مصطلح “الجيوسياسية” حالياً بأعلى مستويات الهيمنة اللغوية والعملية في التاريخ الحديث؛ إذ يُستخدم كعدسة تركيز أساسية لتفسير أي قرار سياسي، أو صفقة تجارية ضخمة، أو تحرك عسكري، أو ابتكار تكنولوجي ضمن محددات العلاقات السياسية.

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

د. خالد الحكيم