حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: الفرص السانحة للأمة الإسلامية (ج2)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقال: الفرص السانحة للأمة الإسلامية (ج2)

أمّا النظام الرأسمالي فقد أخفق بشكل بات يدركه الجميع؛ سواء أكان هذا الإدراك من ناحية فكرية عبر بيان فساده لأهل السياسة والرأي، أم من خلال نتائجه المادية التي أدخلت الإنسانية في ضنك العيش وأدّت إلى نفور الشعوب منه. وقد أُلّفت كتب كثيرة تتحدث عن إخفاق النظام الرأسمالي، منها:

  • أوزوالد شبنغلر في كتابه “أفول الغرب”.
  • ألفين توفلر في كتابه “تحوّل السلطة”.
  • زبيغنيو بريجنسكي في كتابه “أميركا بين عصرين”.
  • بول كينيدي في كتابه “نشوء وسقوط القوى العظمى”.
  • أولريش شيفر في كتابه “انهيار الرأسمالية”.
  • باتريك دينين في كتابه “لماذا فشلت الليبرالية”.
  • نعومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث”.

وبعد أن افتتح كلاوس شواب منتدى “دافوس”، قال: ( إن الرأسمالية بشكلها الحالي لم تعد ملائمة لعالمنا المعاصر).

وقد سبقه في ذلك مسؤولون أوروبيون كبار؛ كالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، اللذين دعوا صراحةً إلى ضرورة التخلي عن الرأسمالية المتوحشة والتحول إلى نظام يحقق العدالة الاجتماعية.

أمّا الكاتب ميخائيل عوض، فقد أجاب باختصار مؤكداً سقوط الرأسمالية وحقبها وأدوارها، وأنها لم تعد قادرة على توليد الحلول، قائلاً: ( هي بكل تأكيد أزمة كيانية وأزمة إنتاج…. ).

سقوط النظام الرأسمالي مسألة بدهية قطعية بلا شك؛ فهو نظام من وضع البشر، ومهما تفتقت عقلية الإنسان فإنها لا تصلح للتنظيم الصائب، ويبقى العقل البشري عاجزاً كل العجز عن إيجاد الحلول؛ لأن الإنسان محدود وعاجز وناقص في كل أموره. وفي جانب التشريع يظهر عجزه بشكل أكبر، فضلاً عن أنانيته ونظره لمصلحة فئة دون الكل، يضاف إلى ذلك التناقض والاختلاف بين القوانين في الدول وما يطرأ عليها من تغييرات وتعديل ومراجعة مستمرة، لذا ترى القوانين الوضعية غريبة وغير مستقرة.

والإنسان لا يستطيع أن يُشرّع لأنه لا يدرك حقيقة ذاته وما يصلحها، فهذا الأمر لا يكون إلا للخالق عز وجل فقط؛ قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

إن المبدأ الرأسمالي منذ نشأته نظام فاسد قام على “الحل الوسط” وليس على الحق، وفساده يكمن في أصل فكرته وفي التنظيم الذي خالف فطرة الإنسان (كما ورد في كتاب نظام الإسلام).

وقال الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر: ( إن الحضارات تنشأ عندما تواجه تحدّيات صعبة أو مستعصية، وهي تنهار عندما تفشل في الاستجابة لهذه التحدّيات، لذلك فالحضارة الغربية لم تسقط بعد، لكنّها بحاجة إلى تجديد روحي وإنساني، وليس تقنياً فقط؛ لأن التقدّم المادي لا يعني بالضرورة تقدّماً أخلاقياً أو روحياً).

وأضاف: ( الحضارة الغربية دخلت مرحلة الشيخوخة، وهيمنت عليها العقلانية الباردة والمادية والتكنوقراطية، مع ضعف الإيمان بالأفكار الكبرى واستبدالها بالصيغ الشكلية والتقنية. فالحضارة هنا مثل النباتات والشجر وكائنات الطبيعة الحيوية: تهرم وتسقط).

بعد استعراض هذه الأمور، نرى أن العالم يعيش في أزمة فراغ حضاري مبدئي؛ فقد سقط النظام الاشتراكي، ونحن اليوم نشهد بدايات سقوط النظام الرأسمالي، ولم يبقَ في العالم إلا نظام الإسلام؛ المبدأ الوحيد الصحيح الذي يقنع العقل ويوافق الفطرة فيملأ القلب طمأنينة. هذا النظام طُبّق عملياً وساد الموقف الدولي بلا حروب عالمية ولا حروب إبادة ولا ضنك عيش، بل كان رحمة بالإنسانية.

أما بالنسبة لمبدأ الإسلام، فقد انتصر كمبدأ في أصل فكرته وتشريعه حتى في ظل عدم وجود كيان سياسي يمثله؛ حيث خسر الغرب الحـ رب الفكرية برغم ما بذله من مخططات ومؤامرات ضد الإسلام وأهله، فكيف لو كان للإسلام كيانه السياسي الخاص؟!

إن هذه الحضارة الغربية التي يجوع فيها 95% من البشر لضمان رفاهية 5% منهم، لا تليق بالحيوان فضلاً عن الإنسان؛ لأنها الحضارة التي تصطنع الفقر والجوع فتلقي فائض الحبوب والطعام في البحار، وتتلف الملايين من منتجات اللباس والدواء للحفاظ على أسعار عالية للسلع، في الوقت الذي يموت فيه آلاف البشر في العراء جوعاً وبرداً! إنها حضارة “البقاء للأصلح”، والأصلح في منطقها هو الأقوى، فلا بد من نشر الحروب والكوارث في الأرض، وإثارة القلاقل والفوضى في الدول؛ ليبيد الناس بعضهم بعضاً من أجل تقليل أعداد البشر لكي لا تُنتقص رفاهية الغرب المتخم بما ينهبه من ثروات العالم. إنها الحضارة التي نشرت الرعب في العالم وعمّقت المآسي الإنسانية؛ ففي كل بيت مأساة، وفي كل بلدة مذبحة.

ولعل البعض يجادل في نهضة المبدأ الرأسمالي وأنه أحدث نهضة، والجواب: نعم، إن المبدأ الرأسمالي أحدث نهضة، لكنها نهضة غير صحيحة.

فالنهضة الصحيحة ليست مجرد ارتقاء فكري فحسب، بل هي الارتقاء الفكري القائم على أساس روحي. والمبدأ الرأسمالي افتقر للأساس الروحي الذي يربط الحياة (الوجود) بما قبلها وما بعدها وبالعلاقة بينهما، فضلاً عن اعتماده “الحل الوسط” كأصل فكري له وهو أمر مخالف للعقل والفطرة. ومن كانت هذه طبيعته، فنهضته مؤقتة وزائلة بلا شك؛ لأنه لا يتفق مع طبيعة الإنسان (محل النهضة) عقلاً وفطرة، بل هو في صراع دائم معه، ولا يستمر هذا المبدأ إلا بقوة السـ لاح وانعدام البديل الحضاري.

إن حضارة الإسلام التي كانت لها السيادة في الأرض ثلاثة عشر قرناً هي التي حافظت على الإنسان ووجوده وإنسانيته وكرامته؛ حيث أخرجته من عفن الأفكار وعبادة المادة إلى ربط الحياة الدنيا بما قبلها وما بعدها بأمرين:

  • أنها مخلوقة لله تعالى.
  • أنها مُسيّرة بأمره ونهيه ضمن منظومة فكرية شاملة متكاملة حلت العقدة الكبرى عقلاً ولبت دوافع الفطرة.

ما عرفت البشرية نظاماً فيه العدل والرحمة إلا حين وجد الإسلام كدولة وكيان سياسي، والقتلى طيلة تاريخ الحضارة الإسلامية لم يبلغوا عُشْر من قُتلوا عندما سادت حضارة الغرب في قرن واحد فقط (القرن العشرين)، وإن كانت المقارنة بينهما فيها ظلم كبير، لكن البعض لا يفهم إلا لغة الأرقام.

إذن، البشرية تعيش اليوم في فراغ حضاري، وهي بأشد الحاجة إلى البديل الأصيل: الإسلام الحضاري.

 

(يتبع) ….

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

أ‌. حسن حمدان