مقال: الفرص السانحة للأمة الإسلامية (ج1)
مقال: الفرص السانحة للأمة الإسلامية (ج1)
نشهد اليوم أزماتٍ دولية كبرى ومتسارعة، وانقسامات سياسية عميقة داخل الدولة الواحدة وبين دول الغرب، مع أزمة ثقة متزايدة وشحن سياسي كبير، فضلاً عن اندلاع حروب كشفت عن ضعف الغرب، وأثبتت أن الصورة التي رسمها لنفسه كقوة لا تُغلب ولا تُنازع لم تكن سوى تضليل وخداع.
ثم جاءت أحداث الربيع العربي كردّ فعلٍ على الظلم والقهر، تلاها «طوفان الأقصى» المبارك الذي كان هبةً من الله للأمة، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على المنطقة في كافة المجالات؛ ناهيك عن ظهور شخصيات عبثية وقادة دول يفتقرون إلى الفهم السياسي بسبب فقر “التربة السياسية” لدى الغرب، والتخلي المسبق عن المبدأ وطريقته، حتى صار الاستعمار غايةً بحد ذاته لا وسيلة لمبدأ…
وقد ألقت كل هذه الأحداث بظلالها على الداخل الغربي عامة، والأمريكي خاصة، بل وعلى العالم أجمع. وعلى الرغم من أن هذه الأحداث صدمت الأمة صدمةً عميقة وقوية، إلا أنها أحيت في وجدانها الثقة بنفسها، وقدرتها على التغيير، وامتلاكها لمقوماته.
لقد أيقظت هذه الأحداث المتسارعة روح التغيير؛ إذ رأت الأمة ما أحدثه بعض أفرادها وقواها من أحداث هزت أركان العالم — دولاً ومنظمات وأفكاراً ومفاهيم — وأسقطت صنم الهيبة الغربية بكافة أبعادها المبدئية والسياسية والاقتصادية؛ فكيف لو اجتمعت طاقات الأمة وقواها كافة في دولةٍ وكيانٍ واحدٍ ورايةٍ واحدة؟!
وحتى لا تكون قراءتنا مجرد كلام في الخيال أو سباحة في مستنقع من الرمال، نذكر أبرز النقاط التي توضح ما آلت إليه الأوضاع العالمية:
• ورد في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقال رأي بعنوان “أمريكا رسمياً إمبراطورية في طور الانحدار” بقلم «كريستوفر كالدويل»، يبيّن فيه أن الهجوم الأمريكي (الإسرائيلي) على إيران كان أكثر من مجرد فكرة سيئة، بل تحوّل إلى علامة فارقة في تراجع الإمبراطورية الأمريكية.
• في تحليل بعنوان “كيف تنتهي الهيمنة؟.. تفكك قوة أمريكا” للكاتبين “ألكسندر كولي” و”دانييل نكسون”، أشار المقال إلى ثلاثة عوامل مكّنت من تشكيل نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة:
1. عدم مواجهة واشنطن لأي مشروع أيديولوجي عالمي منافس بعد هزيمة الشيوعية.
2. تفكك الاتحاد السوفيتي وبنيته التحتية، مما جعل الولايات المتحدة وحلفاءها البديل الوحيد أمام الدول الضعيفة لتأمين الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي.
3. وجود الحركات والناشطين الذين يروجون للقيم المعززة للنظام الليبرالي.
• ورد في تقرير المركز الألماني (SWP) في الرابع من أبريل 2026: “لم تعد تعاملات ترامب مع أوروبا مجرد معاملات تجارية، بل باتت تشبه الابتزاز بشكل متزايد، حيث يستخدم أدوات متنوعة لإثبات أن القوة هي الأساس”. إلا أن التقرير يوضح أن فك ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة لن يكون أمراً هيناً.
• أوضح الجنرال الفرنسي “كريستوف جومارت” المتقاعد ونائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي أن “الأزمات المستمرة في الشرق الأوسط ستدفع بوضوح نحو إيجاد رئيس أركان دفاعي للاتحاد الأوروبي، يكون مسؤولاً عن تخطيط وتنسيق الاستجابات الأوروبية للأزمات العسكرية بكفاءة وفعالية”.
ولعلّي أنطلق من نقطة جوهرية وردت أعلاه، وهي أن “واشنطن لم تواجه أي مشروع أيديولوجي عالمي كبير يمكن أن ينافسها بعد هزيمة الشيوعية”؛ وهي نقطة تستحق الوقوف عندها. فنعم، لم تواجه أمريكا منافساً لأن الدول القائمة الأخرى لا تحمل مبدأً مغايراً للمبدأ الرأسمالي، وذلك يعود لسببين:
1. إما عدم وجود مبدأ آخر أصلاً.
2. أو وجود المبدأ لكنه بلا دولة أو كـيان يحمله، كالإسلام العظيم.
إن الأمة الإسلامية بلا شك هي صاحبة المشروع السياسي والمبدئي الصحيح الذي أقنع العقل ووافق الفطرة فملأ القلب طمأنينة؛ كيف لا وهو نظامٌ من خالق الكون والإنسان والحياة، الذي أخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظلم العباد إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
هذا المشروع ليس مجرد نظرية فلسفية، بل هو مبدأ شامل لكافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والمالية والجنائية والعلاقات الخارجية والمعاملات. وهو ليس فكرة خيالية، بل نظامٌ طُبِّق عملياً لأكثر من ألف وأربعمئة عام، وجدت فيه البشرية السعادة والرخاء، وخلا من الحروب العالمية الشاملة وأزمات الإبـادة.
يقول الباحث والمؤرخ الإنجليزي مونتغمري وات — وشهادته هذه ثمرة دراساتٍ للإسلام مقارناً بالديانات الأخرى استمرت ثلاثين عاماً—: “إن القرآن الكريم ليس بأي حال من الأحوال كلام محمد ولا هو نتاج تفكيره، إنما هو كلام الله وحده، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره نتاج عبقرية بشرية”.
ويقول المستشرق والعالم الألماني جوزيف شاخت: “من أهم ما أورثه الإسلام للعالم المتحضر قانونه الديني الذي يسمى بالشريعة، وهي تختلف اختلافاً واضحاً عن جميع أشكال القانون؛ إنها قانون فريد. فالشريعة الإسلامية هي جملة الأوامر الإلهية التي تنظم حياة كل مسلم من جميع وجوهها، وبالرغم من أن التشريع الإسلامي قانون ديني فإنه من حيث الجوهر لا يعارض العقل بأي وجه من الوجوه، فهو منهج عقلاني في فهم النصوص وتفسيرها، ويقدم مثالاً لظاهرة فريدة يقوم فيها العلم القانوني — لا الدولة — بدور المشرع، وتكون فيها لمؤلفات العلماء قوة القانون”.
فالإسلام هو المبدأ والنظام الشامل لكافة أفعال الإنسان، وقوته وصحته تنبعان من مصدره الإلهي؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
والبشرية بغير الإسلام في شقاء وذل وعبودية، وما نراه اليوم يؤكد هذه الحقيقة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124].
وعلى الرغم من أن الإسلام اليوم مبدأٌ بلا دولة أو كيان سياسي يمثله — وتحمله الأمة بجهود فردية — إلا أنه لم يُقهر، بل كسب المعركة الفكرية رغم شدة مكر الغرب، وضخامة إمكانياته، وهيمنة دوله على القرار السياسي والاقتصادي والإعلامي. فلم يتمكن الغرب من تحقيق نصر فكري حاسم، بل تبين للعالم أجمع خطأ الفلسفة الغربية، ورأت الشعوب كيف قادتهم إلى النفق المظلم…
يتبع …..
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
أ. حسن حمدان