مقال: أيعقل ألا تدرك الأمة الإسلامية أهمية إقامة دولة الخلافة
مقال
أيعقل ألا تدرك الأمة الإسلامية أهمية إقامة دولة الخلافة
بينما تجعلها الاستخبارات الوطنية الأمريكية على رأس أولوياتها؟
يدرك الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، الأخطار التي تهدد مكانتها كدولة أولى في الموقف الدولي والهيمنة العالمية من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية، وترصد هذه الأخطار ضمن أولوياتها من أجل منع حدوثها والتصدي لها بكافة الأساليب والوسائل المتاحة في ترسانتها السياسية، كما ورد في وثيقة استراتيجية الأمن القومي، ومن خلال الجهود الاستخباراتية الأمنية عبر جهاز الاستخبارات الوطنية الذي يتجاوز مهامه ليضطلع بحرب أيديولوجية على الإسلام بالتضليل والتشويه، إذ ليس له ندٌّ أيديولوجي غيره.
والحديث هنا ومناسبته هي مهام جهاز الاستخبارات الوطنية في أمريكا التي أفصح عنها مؤخراً، بينما تقوم وظيفته على جمع وتحليل ونشر المعلومات المتعلقة بأمن الدولة وتهديداتها ومصالحها، والتي يديرها تحالف من الوكالات بقيادة مديرة الاستخبارات الوطنية في الولايات المتحدة التي تشرف على مجمع الاستخبارات الأمريكي، الذي يضم 18 وكالة تابعة للسلطة التنفيذية، ويدعي أن على رأس أولوياته مكافحة الإرهاب؛ لتوفير رؤى للقادة الوطنيين المستفيدين من خدماته، ومن بينهم الرئيس، ومجلس الأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وكبار القادة العسكريين، والكونغرس.
ترأس مديرة الاستخبارات الوطنية مجمع الاستخبارات وتقدم المشورة للرئيس بشأن المسائل الاستخباراتية، ويقوم مكتبها بالإشراف على جميع أجهزة الاستخبارات والتنسيق بينها. وجاء على موقعه بأن مهمته هي قيادة التكامل الاستخباراتي وبناء مجتمع استخباراتي يقدم أكثر المعلومات الاستخباراتية دقة وعمقاً. وكان الرئيس ترامب قد رشح “تولسي غابارد” لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية، وهي سياسية ونائبة سابقة في مجلس النواب الأمريكي عام 2002، وعملت ممثلة لهاواي في الكونجرس الأمريكي عام 2013. وكانت غابارد قد انضمت إلى الجيش الأمريكي عام 2003 على إثر أحداث سبتمبر، وشاركت في ثلاث مهام قتالية في الشرق الأوسط وأفريقيا ضمن مهمة عمليات خاصة لمكافحة الإرهاب، منها العراق عام 2005 والكويت عام 2008، وحصلت على وسام تقدير من الجيش الكويتي، وكانت نائبة رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية من عام 2013 حتى عام 2016، وتخدم حالياً في احتياط الجيش الأمريكي برتبة قائدة كتيبة، وكانت قد انتقلت من الحزب الديمقراطي لتصبح مستقلة عام 2022، ثم انضمت للحزب الجمهوري عام 2024.
وفي مراسم أداء اليمين لمديرة المخابرات الوطنية في 13/2/2025، وبعد ما حازت على موافقة الكونغرس، أثنى عليها الرئيس ترامب وكال لها المديح، وجاء في حديثه: “لقد شغلت منصب نائب رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي سابقاً، ولكنها لم تكن ديمقراطية؛ لأنها كانت جمهورية في أعماقها، وكانت مرشحة ديمقراطية لانتخابات 2020 للرئاسة الأمريكية، وأثبتت خلال خدمتها أنها قائدة رفيعة المستوى، وحازت على احترام وإعجاب الأمريكيين من كلا الجانبين، وأنا على يقين أن تولسي كمديرة للاستخبارات الوطنية لن تألو جهداً في حفظ الأمن الأمريكي، وستكون بعيدة النظر وتولي عناية فائقة واهتماماً بالغاً بالتغييرات والمخاطر وتهديدات الإرهاب الإسلامي المتطرف”. (انتهى كلام ترامب).
كان لا بد من هذه المقدمة عن مديرة الاستخبارات الأمريكية لإدراك أهمية التصريحات التي أدلت بها فيما يتعلق بالأيديولوجية الإسلامية وبدولة الخلافة الإسلامية تحديداً، والدور الذي تلعبه في هذا الشأن، والذي سنأتي عليه تباعاً.
في مقابلة حصرية مع قناة (NDTV World) الهندية بتاريخ 17/3/2025 فيما يتعلق بأحداث بنغلاديش، تحدثت في كلمتها عن أيديولوجية “الخلافة الإسلامية” وكيف تسعى العناصر المتطرفة والجماعات الإرهابية عالمياً إلى تحقيق هذا الهدف، وقالت: “إن خطر الإرهابيين الإسلاميين والجهود العالمية التي تبذلها مختلف الجماعات الإرهابية تنبع من الأيديولوجية والهدف نفسه، ألا وهو الحكم من خلال خلافة إسلامية”. وتابعت غابارد قائلة إن دونالد ترامب عازم على إنهاء صعود ما يسميه “الإرهاب الإسلامي المتطرف”. وفي حين لم تعرب تولسي غابارد عن قلقها بشأن تعرض المسلمين في الهند للاضطهاد المستمر بدعم من الدولة، فقد شهد العالم كيف يتعرض المسلمون هناك لاضطهاد المتطرفين الهندوس في الوقت الذي كانت تتواجد فيه بالهند.
وجاءت تصريحاتها الأهم بتاريخ 21/12/2025، حيث أكدت تولسي غابارد، أن “الأيديولوجية الإسلامية“ تُمثل “أكبر تهديد قريب وبعيد المدى” للحرية والأمن الأمريكيين. وفي كلمة ألقتها في مهرجان “أمريكا فست” الذي نظمته منظمة “ترنينج بوينت يو إس إيه”، جادلت غابارد بأن هذه “الأيديولوجية السياسية” تتعارض جوهرياً مع الدستور الأمريكي؛ لأنها تسعى إلى إقامة “خلافة عالمية” وفرض “الحكم بالشريعة الإسلامية”. وأضافت: “عندما نتحدث عن هذه الأيديولوجية الإسلامية، نعم، إنها الأيديولوجية التي تغذي جماعات إرهابية مثل القاعدة وداعش وحركة الشباب وحماس وبوكو حرام وغيرها، ويجب هزيمتها عسكرياً؛ لأنها تُشكّل تهديداً مباشراً لحريتنا، ولأنها في جوهرها أيديولوجية سياسية تسعى لإقامة خلافة عالمية تحكمنا هنا في أمريكا، مهددة الحضارة الغربية، والحكم بالشريعة الإسلامية، والحكم بما يسمونه مبادئهم الإسلامية”.
نعلم تماماً مواقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الإسلام وأعمالها الحربية والاستخباراتية في منع الخلافة الإسلامية والترويج ضد العقيدة الإسلامية، وهي تتفق في هذا الهدف مع أوروبا وروسيا والصين، ولكن يجدر هنا ذكر التضليل والتناقض والتشويه الذي مارسته تولسي غابارد؛ ففي عام 2017 كشفت أنها التقت برئيس النظام السوري بشار الأسد خلال زياراتها إلى سوريا، وقالت إن الأسد “ليس عدواً للولايات المتحدة”، وأرجعت السبب إلى أن سوريا لا تشكل “تهديداً مباشراً” للولايات المتحدة، ورفضت حينها وصف الأسد بمجرم حرب، على نقيض حديثها في أوقات لاحقة بأنه “ديكتاتور”.
وكانت غابارد قد اتهمت في عام 2019 وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بالعمل “سراً” منذ عام 2011 لتغيير النظام السوري من خلال مشروع تيمبر سيكامور، وقالت إن أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة كانت تُستخدم “لتوفير الدعم المباشر وغير المباشر للجماعات الإرهابية في سوريا، مثل القاعدة للإطاحة بنظام الأسد”، وهو الأمر الذي يتناقض مع تصريحاتها الأخيرة حول نوايا ما تسميه الجماعات الإرهابية لفرض العقيدة الإسلامية على المدن الأمريكية، بينما تتهم وكالة الاستخبارات بالعمل سراً مع هذه الجماعات عندما تقتضي المصالح الأمريكية تدوير الأنظمة الساقطة كنظام بشار بأنظمة خلفيتها نفس الجماعات التي كانت تصفها بالإرهاب، كالنظام الجديد في سوريا، وهو البديل المزيف الذي استطاعت أمريكا من خلاله إبعاد مطالب الثورة السورية بدولة إسلامية تطبق أحكام الشريعة، واستبدلته بنظام يتوافق مع استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي الذي أشاد به -وما برح- الرئيس ترامب منذ استلامه الحكم.
إن هذا التخويف من الإسلام وعقيدته والسعي لإقامة دولة الخلافة، وتعظيم ما يسمى بـ”الإسلاموفوبيا”، ينحو منحيين: الأول منهما تشويه صورة الإسلام النقية لدى الشعوب الغربية وبث الرعب من إقامة دولة الخلافة، فالمسلمون يسعون لإقامة الخلافة في بلادهم وليس في أمريكا. والمنحى الآخر هو حشد العالم، وتحديداً حشد العلمانيين وأشياعهم في بلاد المسلمين وبعض المرجفين ضد مشروع إقامة دولة الخلافة، وهو المشروع الوحيد الذي ينقذ الأمة الإسلامية ويعيد سيرتها الأولى كقيادة سياسية للعالم حكمت بالعدل والرحمة، وهو المشروع الوحيد الذي يمكن أن يلجأ إليه العالم للتخلص من دولة الشر الأمريكية ومن لف لفيفها، وهي تدوس على ما يسمى بالقانون الدولي الذي صنعوه، ويشكل رئيسها مجلس سلام بديلاً عن هيئة الأمم وصفته “الغارديان” بأنه مشروع استعماري سافر، وليست أوروبا بريئة، فهي قبل ترامب كانت هي من يستعمر ويستعبد البلاد وينهب ثرواتها باسم صنم القانون الدولي.
نعم أيها المسلمون، فدولة الخلافة هي الدولة التي قام بهدمها في مثل هذه الأيام قبل 105 أعوام المستعمر الغربي والعدو الحاقد على الإسلام والمسلمين، وهم اليوم يجتهدون لمنع عودتها ويقاتلون بكل ما أوتوا من قوة ومكر وتضليل، وعلى رأسهم أمريكا، عبر وضع العراقيل والعوائق في سبيل منع إقامتها؛ لأن ذلك يعني بداية نهايتهم، وهو ما تتساءل عنه تولسي غابارد في نهاية حديثها السابق: “هل اليوم هو اليوم المنتظر؟”، وهو السؤال الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسلم من أبناء الأمة الإسلامية لا هم. فلا يعقل ولا يجوز ألا ندرك أهمية ما يحاربوننا من أجله. إنه اليوم الذي يتوق له وينتظره العاملون والأمة الإسلامية بجد وحق من أجل عودة الخلافة الإسلامية؛ فهي العز والمنعة، بها تقام الأحكام، وتُحدُّ الحدود، وتُفتح الفتوح، وتُرفع الرؤوس بالحق، وهي التي ستعيد الإسلام كما أراده رب العالمين عملياً لمعترك الحياة؛ لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وتطبيق شريعته وحمل رسالته هدى ورحمة لكل الناس، ومنهم الشعوب الأوروبية والأمريكية.
(وَقَالُوا۟ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةࣰۖ)
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
د. خالد الحكيم