بدر الكبرى.. ذكرى النصر في زمن الاستباحة
بدر الكبرى.. ذكرى النصر في زمن الاستباحة
غزوة بدر: أول معركة في الإسلام بين الحق والباطل؛ لذلك سميت “يوم الفرقان”، وكانت في شهر رمضان المبارك، ووقعت في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة؛ حيث أراد الله للمسلمين النصر والعزة، ولاستئصال شوكة الكفر.
وفي ظلال هذه الذكرى العطرة، يتفطر القلب على حال المسلمين اليوم؛ فبلادهم مستباحة لدول الكفر، بدءاً بفلسطين المحتلة التي لا تزال تعاني تجبر كيان يهود، واستمرار قتله لأهلها سواء في غزة هاشم أو في الضفة المحتلة، وصولاً إلى تغوله على أهل لبنان واستباحته للجولان وتغول طيرانه فوق الشام كلها. وها هي أمريكا وكيان يهود يقصفون اليوم جزءاً من بلاد المسلمين (إيران)، مستبيحين ما يسمى زوراً وبهتاناً “سيادة الدول” على أراضي المسلمين التي قُسمت حسب رؤية “سايكس بيكو”، وجُعلت مرتعاً للقوات الأجنبية من أمريكية وبريطانية وفرنسية وألمانية وغيرها، ونُشرت فيها القواعد الحربية لتنطلق الجيوش لقتل وقصف المسلمين وقتما شاؤوا وحيثما شاؤوا.
فما ذنب 165 فتاة قُتلن في 28/2/2026 في قصف أمريكي-صهيوني استهدف مدرسة ابتدائية للبنات تحمل اسم “شجرة طيبة” في مدينة ميناب جنوب إيران؟ ورغم أن إيران، من خلال نظامها الحاكم، قدمت لأمريكا خدمات في حربها على العراق وفي أفغانستان وفي أجزاء كثيرة من المنطقة، إلا أن هذه الخدمات التي زادت نفوذ أمريكا في بلاد المسلمين لم تشفع للنظام هناك، ولم تمنع ضربه رغم ما قدمه من خدمات جليلة.
إن مما يدمي القلب أيضاً هو انصياع حكام المنطقة لإملاءات أمريكا والدفاع عن كيان يهود؛ فها هم يصدون الصواريخ المتجهة للقواعد الأمريكية في بلادنا، ويسقطون الصواريخ المتجهة للكيان بحجة الحفاظ على السيادة، بينما لا تعمل مضاداتهم عندما يكون المستهدف بلاد المسلمين! بل وصل الأمر إلى تهديد الناس ومحاسبة من ينشر صوراً أو مقاطع تثبت تصدي قوات البلاد للصواريخ المتجهة نحو كيان يهود.
في هذه الذكرى العطرة، يعتصر القلب ألماً حين يرى حالنا الآن مقارنة بحال أمة الإسلام سابقاً، عندما كان شهر رمضان شهر رحمة وفتوحات لنشر العدل والخير؛ فقد كان شهر فتوحات حين كان للمسلمين دولة واحدة وإمام واحد يحكم بالإسلام، بينما حكام اليوم يوالون أعداء المسلمين ويسيرون في خدمتهم، بل ربطوا بقاءهم بمدى رضا أسيادهم في بلاد الغرب عنهم.
إن الحكام في بلاد المسلمين لم يدركوا خطورة الولاء للكفار، وأنه خزي في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾. ولا يدركون أن الدول الكافرة تهمها مصالحها أولاً، وهي تضمر العداوة للإسلام والمسلمين؛ فإذا أظهرت شيئاً من الرضا عن دولة ما أو عملائها، فهي لا تريد خيراً بل تبطن الشر. ولو أدرك هؤلاء الحكام أن أمريكا لا تقيم لهم وزناً إذا اقتضت مصالحها زوالهم، لاتعظوا من وقائع التاريخ؛ فكم من عميل أسقطته بعد أن استنفد دوره! ولو كانوا يعقلون للفظوا الكفار لفظ النواة، ولكنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. لقد وصل بهم الولاء للمستعمرين إلى حد أن يُعتدى على القطر المسلم فلا يتحرك الآخرون لنجدته، بل إن “أمثلهم طريقة” هو من يكتفي بعدّ القتلى والجرحى، كما يحدث اليوم في الهجوم على إيران.
وأخيراً: إن القلب ليتفطر حزناً على عدم تحرك أهل القوة والجيوش في بلاد المسلمين لنصرة دينهم والذود عن أعراضهم ومقدساتهم. ولكن أملنا بالله كبير؛ فكما أيد رسولنا الكريم بأنصار نصروه وأقاموا معه دولة الإسلام، فنحن نعمل كما عمل -صلى الله عليه وسلم- في إقامة الدولة الأولى بطلب النصرة من أهل القوة والمنعة، ولن نكلّ أو نملّ لأن هذه هي طريقة الرسول. ونذكر أهل القوة بأن الله أيد عباده بملائكة تنصرهم يوم الفرقان، ووعدهم بالنصر في الحياة الدنيا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.
فيا أهل القوة في بلادنا، هلا كنتم أنصار هذا الدين في هذا الزمان كما كان أنصار نبيكم الكريم؟ فتفوزوا فوزاً عظيماً في الدنيا والآخرة، وتوجهوا قواتكم نحو أعداء الأمة لا نحو صدور أبنائها.
أ. محمد الأحمد