مقال: لا ثقة في الأعداء!
لا ثقة في الأعداء!
صرح القادة في إيران غير مرة بأنهم أصبحوا لا يثقون في أمريكا، وجاءت آخر تصريحاتهم بأنّ طهران لن تدخل الجولة الثانية من المفاوضات مع واشنطن دون تنفيذ خمسة شروط لبناء الثقة مع الولايات المتحدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: هل يمكن الثقة بأمريكا؟
لقد انسحب ترامب في ولايته الأولى من الاتفاق الذي تم بين أمريكا وإيران، ذلك الاتفاق الذي أشرف عليه الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما، ثم دخل ترامب في ولايته الثانية في مفاوضات مع إيران لعقد اتفاق جديد في عُمان، وبعد خمس جولات من المفاوضات قامت أمريكا مع كيان يهود بشن حرب على إيران في حزيران 2025، سميت بحرب الاثني عشر يوماً، وفي مطلع هذا العام 2026 بدأت مفاوضات جديدة بوساطة عُمانية في جنيف، وبعد الجولة الثالثة التي وصفها الجانبان الأمريكي والإيراني وكذلك الوسيط العُماني بأنها إيجابية- بعدها بيومين قامت أمريكا وكيان يهود بشن حرب على إيران دامت أكثر من خمسة أسابيع، ويبدو أن أفعال أمريكا هذه تأتي في سياق الشعار الذي يرفعه ترامب: “السلام من خلال القوة”، وهو يعني فرض الشروط التي تريدها أمريكا على إيران بالقوة، بمعنى إما أن تفاوض وتوافق على شروطنا وإما الحرب، وقد فعلت أمريكا ذلك مرتين في العامين الأخيرين كما ذكرنا.
وعندما وافق ترامب على إيقاف هذه الحرب الأخيرة كان بموافقته على الشروط الإيرانية العشرة، التي وصفها المراقبون بأنها شروط مُذِلّة لأمريكا، وافق ترامب عليها لا ليلتزم بها؛ بل لأنها أوجدت له مخرجاً من تلك الحرب، فأعلن إيقاف الحرب يوم السابع من إبريل 2026، وبدأ وقفها في اليوم التالي 8/4/2026، ولكنه قام بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، فلا عهد له ولا ذمة، ثم بدا له تنفيذ ما أسماه “مشروع الحرية” الذي يعني مرافقة السفن الحربية للسفن التجارية، وقام بتعليقه في اليوم التالي، ثم بدت له فكرة “مشروع الحرية بْلَسّ” مع تعديلات على المشروع الأول، فكل هذا يعني أنه ليس موضع ثقة ولا أهلاً لها.
فهل كان القادة في إيران مضطرين للمرور بكل تلك التجارب ليكتشفوا أنّ أمريكا ليست موضع ثقة؟ وأن ترامب لا عهد له ولا ذمة، وأنه يتصرف بغطرسة وغرور، مع وضوح ذلك من بداية ولايته الحالية بل من قبلها، وأفعاله وتصريحاته أكبر دليل على هذا؛ فهو من قام باختطاف رئيس فنزويلا والسيطرة على نفطها، وقام بتهديد غرينلاند وكندا والمكسيك وكوبا، وقام بفرض الرسوم الجمركية على جميع دول العالم، فهو يتصرف باستعلائية وفوقيّة، يرى نفسه وجيشه فوق الجميع، وأنه يملك أكبر قوة في العالم. فالمفاوضات التي يريدها من إيران ما هي إلا فرض استسلام وخنوع.
إنّ علاقة المسلمين بالكفار تضبطها أحكام السياسة الخارجية، وتشمل علاقات السلم والحرب والمعاهدات والمفاوضات وغيرها، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن أئمة الكفر بأنهم لا أَيمان لهم، فقال سبحانه: ]وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ[ [التوبة/12]، أي: لا عهد لهم ولا ذمة بسبب كفرهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في علاقاته مع الكفار سواء قبل الهجرة أو بعدها، وهو القدوة والأسوة الحسنة الواجبة الاتباع، فلقد حاولت قريش غير مرة مفاوضته في مكة قبل الهجرة ليتخلى عن دعوته، أو يتنازل عن جزء منها، فرفض وبقي ثابتاً على موقفه، وكذلك فاوضته القبائل التي ذهب ليطلب النصرة منها ليتنازل عن شيء من دعوته، فلم يقبل حتى أيّده الله سبحانه وتعالى بالأنصار، فأقام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، ثم فاوض قريشاً في صلح الحديبية لإيجاد حالة من السلم بتحييد قريش ووقف الحرب معها لمدة عشر سنوات، ليتفرغ ليهود خيبر بعدما بلغه عن مواطأة بينهم وبين قريش لغزو المسلمين، فرسم خطة يصل بها إلى موادعة مع أهل مكة ينتج عنها أن يُخَلَّى بينه وبين العرب لتسهيل نشر الدعوة في الجزيرة، وأن يعزل بها خيبر عن قريش، فلما فاوضها وافق على شروطهم الجزئية التي لا تتناقض مع الأحكام الشرعية مقابل موافقتهم على وقف الحرب لتنفيذ خطة السلم التي رسمها صلى الله عليه وسلم، لكنهم حين نقضوا العهد لم يقبل أن يتفاوض معهم، وأرسل إليهم جيشاً لجباً وقام بفتح مكة.
وعلى هذا سار الخلفاء والقادة من بعده حتى أواخر دولة الخلافة، فهذا ربعي بن عامر التميمي يذهب وحده لمفاوضة قائد قوات جيش الفرس بالقادسية تقليلاً من شأنهم، ويصرّ على شروطه التي عرضها على رستم دون تنازل عن شيء منها رغم العروض التي قدمها له قائد جيش الفرس. وهذا معاذ بن جبل في مفاوضاته مع الروم قبل موقعه بيسان، رفض كل العروض التي عرضها عليه الروم، وبقي مصرّاً على شروط المسلمين في الفتح: الإسلام أو الجزية أو الحرب، وهذا عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت في مفاوضاتهم مع المقوقس ضربوا أروع الأمثلة في المفاوضات دون أي تنازل أو استسلام. والأمثلة والشواهد في تاريخ الخلافة الإسلامية على هذا كثيرةٌ كثرةً لا تُحصى.
فليحذر المسلمون بعامة والقادة في إيران بخاصة من غدر أعدائهم، وليكن هذا الحذر هو الأصل وليس الاستثناء، ولعلّه قد تأكد لهم من أفعال الأعداء وتصريحاتهم ما ذكرناه من الغدر وخيانة العهد، فلا ينصاعون لدعواتهم إلى المفاوضات ولا ينجرّون إليها، وليعلموا أن عدوّهم قد يوافق على شيء في ظرف ما ثمّ يتخلّى عنه، كما فعلوا حين اضطروا لوقف حرب الأسابيع الخمسة الأخيرة بالموافقة على الشروط الإيرانية العشرة ثم نقضوها.
بل إنّ على القادة في إيران أن يحسنوا الاختيار فيتحيّزوا إلى أمتهم الإسلامية فهم جزء منها، بل إنهم جزء فاعل وقوي وقادر، يستطيعون أن يتخذوا القرار الحاسم لمصلحة الإسلام والمسلمين، فيعلنوها خلافة على منهاج النبوة بنصرة حزب التحرير ومبايعته على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه، -فهو الذي يتبنى فكرة نهضة الأمة، ويملك المشروع الحقيقي لتحقيق هذه النهضة، وهو الرائد الذي لا يكذب أهله-، ثم يدعوا بقية المسلمين في العالم للانضمام إلى دولة الخلافة، ويتلبّسوا بتنفيذ الخطوات العملية لانضمام بلاد المسلمين بإزالة الحدود التي تفصل بعضهم عن بعض، واعتبار رعاياها رعايا في دولة الخلافة، ويبدأوا بتطبيق الإسلام تطبيقاً شاملاً، وتهيئة الجيش ليكون جيشاً مناسباً لدولة الخلافة ليحمل الإسلام إلى الناس كافة، واعتبار كل مسلم قادر على حمل السلاح جندياً احتياطياً في جيش دولة الخلافة. وحينها يكون إزالة كيان يهود من الوجود أقرب من ردّ الطرْف، ويكون إخراج أمريكا من المنطقة وإعادتها إلى قارّتها أيسر من اليسر نفسه!
(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية الأردن
عبد الله أحمد