حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: ردٌّ على مقال (الدين دين لا دولة)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقال: ردٌّ على مقال (الدين دين لا دولة)

 
في مقالٍ لكاتبٍ في صحيفة “الغد” الأردنية الصادرة قبل أيام، كتب السيد (حسني عايش) مقالاً هاجم فيه فكرة الخلافة تحت عنوان “الدين دين لا دولة“. وبالرغم من أن العنوان يشي بعدم فهمٍ للدلالات والمصطلحات، فلو أن الكاتب كلف نفسه عناء البحث عن معنى كلمة “دين” عند أهل اللغة والاصطلاح، لعلم أن العنوان الذي وضعه لا يخدم النتيجة التي يرغب في الوصول إليها؛ وهي زعمه أن الإسلام لا نظام فيه، وأن الخلافة محض “اختراع حزبي أو طائفي” لا علاقة للدين بها، وبأنها لو كانت من الدين لكانت من أركان الإسلام الخمسة!

على أية حال، سنضرب صفحاً عن هذا العنوان المتناقض، مفترضين أنه خرج من الكاتب على عجل، وسنتناول بعض ما جاء في المقال، راجياً المعذرة إن طال الرد، فالمقام يقتضي التوضيح.

أولاً: أراد الكاتب تقوية موقفه واستمالة القارئ، فادعى أنه كان عضواً في حزب التحرير، وأنه التقى زميلاً سابقاً له في الحزب، ليضفي مسحة من المصداقية على قوله، وكأن حاله يقول إنه وصل إلى هذه النتيجة بعد سبر أغوار هذه الأفكار. ثم يصف جلوسهما في مقهى وحديثهما عن الخلافة وصولاً إلى نتيجة مفادها أنهما أصبحا “يفكران بحرية واستقلالية”، رابطاً نفسه بمفاهيم “الحرية والديمقراطية والعلمانية”. لا يعنينا هذا السيناريو المتخيل، ولكن ما يعنينا هو زعمهما أن الخلافة ليست من الدين لأنها ليست ضمن “الأركان الخمسة”. ونقول للكاتب: إن ما أدركه أبو جهل وأبو لهب من خطاب النبي ﷺ هو عين ما أدركه ورقة بن نوفل والأوس والخزرج؛ وهو أن هذا الدين سياسي ورعوي بامتياز -سواء سميته خلافة أو دولة- وأن انتقال النبي ﷺ من مكة إلى المدينة كان انتقال حاكم ورئيس دولة، وإلا لبقي في مكة يصلي ويصوم، بل لكان الركن الخامس (الحج) أيسر عليه وعلى صحابته هناك.

ثانياً: إن ردنا على هذا المقال ليس لأن صاحبه يستحق الرد لذاته، وإنما لعل قولنا يجد “أُذناً واعية” يستفيد منها القراء. إن الخلافة بوصفها نظام الحكم الوحيد في الإسلام هي حكم شرعي لم “ينتطح فيه عنزان”، ولا يماري فيه إلا مخالف لا يُعتد بخلافه. فقد قُبض النبي ﷺ وتأخر الصحابة في دفنه انشغالاً بالنظر فيمن يخلفه، ولم يكن اجتماعهم في “السقيفة” إلا لإقامة من يحكم بعده، ولم يكن الأمر محل خلاف. وبقيت الخلافة ملء سمع العالم وبصره ثلاثة عشر قرناً، إلى أن تآمر عليها الخونة وهدموها. ولعل الكاتب قد ضاق ذرعاً باكتساح الفكرة الإسلامية لكل الأفكار، ومنها “العلمانية” التي يحملها، فتراه يخبط خبط عشواء جامعاً بين التاريخ والجغرافيا والفتن، ليخرج بنتيجة مفادها أنه “اشترى العلمانية بالإسلام”، زاعماً أن الحزب كان يحجر على (عبقريته الكامنة)؛ وذاك هو الخسران المبين.

ثالثاً: ورط الكاتب نفسه بعبارات ما كان ليذكرها لو تريث قليلاً، كقوله: “لم تكسب الخلافة رضا جميع الناس”. ولا ندري هل عدم رضا البعض عن الحكم الشرعي يُفقدُه شرعيته؟! أو ينفي كونه النظام الذي ارتضاه الله للمسلمين بدلاً من الأنظمة الملكية أو الجمهورية؟ إن “جميع الناس” لم يجمعوا يوماً على نبي أو رسول أو كتاب. كان يكفيك أن تسأل: هل يجب على المسلمين الالتزام بنظام حكم معين أم هم أحرار في وضع أنظمتهم؟ وهل “ادعاء” حزب التحرير -وكل العقلاء قبله- بوجوب تحكيم الإسلام وإقامة الخلافة له أدلة من الكتاب والسنة؟ فإنما شفاء العِيِّ السؤال.

رابعاً: إن التاريخ ليس حجة على النص الشرعي الثابت، واختلاف الناس لا يبطل التشريع. فالقرآن الذي أوجب الصلاة، هو نفسه الذي أوجب الحكم بما أنزل الله. بل إن الفطرة تقضي الإيمان بالخالق المدبر، بينما العلمانية تنكرها الفطرة السليمة. وقولك “الدين دين لا دولة” كمن يقول “الصلاة صلاة لا وضوء”، أو “الحج حج لا مناسك”؛ وهذا عند العقلاء واللغويين لغو لا طائل منه، لأن الكلام ما أفاد معنىً، وليس مجرد رصّ حروف.

خامساً: الخلافة هي التي تجمع تحتها الطوائف كافة، وهي أوجب ما تكون اليوم. وادعاؤك أنها لا تصلح مع تعدد الأديان هو استدلال معكوس؛ فهل كانت دولة المدينة التي أقامها النبي ﷺ خالصة من اليهود والنصارى والمنافقين؟ ومع ذلك لم يجرؤ مستشرق أن ينكر تطبيق الإسلام فيها. إن الخلافة اليوم ضرورة بشرية وحاجة عضوية بعد فشل العلمانية في حل مشاكل العالم. أما اتهام دعاة الخلافة بخلق منظمات تكفيرية، فلا أظنك مقتنعاً به، ولا يخفاك مَن صنع هؤلاء، لكن “للكلام ضريبة” يبدو أنك لا تقوى على تحملها.

ختاماً، الخلافة عائدة كنظام حكم وطريقة عيش، بعمل المخلصين وبشرى رسول الله ﷺ، وهي خلافة على منهاج النبوة، (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا).

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
أ‌. أبو المعتز بالله الأشقر