مقال: عندما تنهش الضباع لحوم بعضها، وتتصدع منظومتها، وتسقط أصنامها… فمن لها غيركم؟!
عندما تنهش الضباع لحوم بعضها، وتتصدع منظومتها، وتسقط أصنامها… فمن لها غيركم؟!
«نحن الأقوى في العالم، والأكثر فتكاً، والأكثر رعباً، لا أحد يستطيع الوقوف في وجهنا، ونحن الأكثر هيبة على وجه الكرة الأرضية، لا أحد لديه مثل أسلحتنا، ولا أحد لديه مثل قوتنا، نحن لا نُقارن». بهذه العبارات صرّح «علج أمريكا» ترامب، معتبراً القوة حقاً بحد ذاتها، والنفط غنيمة اقتضتها الغلبة، موجهاً خطابه إلى الحلفاء قبل الخصوم، ضارباً بعرض الحائط ما تغنى به الغرب من قوانين ومواثيق دولية وديمقراطية مزيفة وحقوق إنسان… تصريحاً دفع أوروبا وغيرها للاستنفار، حتى أقرّ رئيس فرنسا «ماكرون» بأن واشنطن تتجاهل النظام العالمي القائم على القواعد، داعياً أوروبا لتعزيز استقلاليتها.
هي الغطرسة والبغي في أحط صورها، يقودها ترامب المغرور بقوته، فأعماه الكِبر فراح يقرر في هذه الدنيا قرارات يدوس بها على دستور بلاده وأعراف السياسة والقانون الدولي، ويتكلم بكل غرور أنه سيأخذ نفط فنزويلا ومضيق بنما وجزيرة غرينلاند وكندا، ويتبرع بأرض الشام لربيبته «يهود»، ويظهر عزمه على استثمار غزة وترحيل أهلها.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ الروم: 9.
إن ما قام به ترامب في فنزويلا وتهديد غيرها ما هو إلا انعكاس لأزمات استفحلت لا تملك أمريكا لها حلاً، وانقسامات وصراعات داخلية أنبأت عن إفلاس حضاري واحتقان داخلي وقحط سياسي، وأظهرت خللاً في البنية السياسية والفكرية والمجتمعية التي أفرزته؛ فالمؤسسات التي قُدِّمت طويلاً بوصفها صمامات أمان تآكلت من الداخل، وتحولت إلى أدوات لإدارة صراع داخلي لا لحراسة النظام الأمريكي ومكتسباته ومتطلباته، وما اقتحام «الكونجرس» منذ سنوات إلا أحد الأمثلة على ذلك، مما يؤكد انتقال أمريكا إلى العزلة بخسارتها لصورتها وموقعها الأخلاقي وقدرتها على ادعاء تمثيل النظام الدولي.
واللافت في زماننا اليوم، بما لا يخفى على كل ذي بصيرة، أننا نشاهد أفول نجمٍ طغت قوته وسطوته على مشارق الأرض ومغاربها ردحاً من الزمن، تجبّر في البلاد وأكثر فيها الفساد، مما دفع الكثير من مفكري الغرب للتصريح بحتمية السقوط. فالمفكر الفرنسي إيمانويل تود يقول في كتابه (ما بعد الإمبراطورية 2001): «إن التفكك الاقتصادي والاجتماعي في الداخل هو علامة على الأفول، وإن أمريكا تستخدم العنف لإخفاء ضعفها، وليس للتعبير عن قوتها». وهذا نعوم تشومسكي يقول: «أمريكا تنهار من الداخل، وليس هناك حاجة لعدو خارجي لإسقاطها».
إن ما نراه اليوم ليس «نهاية التاريخ» كما زعموا، بل مرحلة انكشاف لوجه الرأسمالية المتوحش، وانكشاف لفراغ قيمي عميق. وهنا تبرز الأمة الإسلامية بوصفها خير أمة أُخرجت للناس، مؤكدة أن قوة الإسلام لم تكن يوماً مجرد سيوف أو جيوش، بل كانت سلطان فكرة، وهيبة مبدأ، ودولة تحمل رسالة المسؤولية أمام الله تعالى؛ فهي الوحيدة التي تملك مشروعاً حضارياً عالمياً متكاملاً، له قاعدة راسخة تتمثل في نظام حكم فعّال، تُجسّده دولة خلافة راشدة قادمة بإذن الله جل جلاله، فهي وعده تعالى وبشرى نبيه صلوات ربي وسلامه عليه.
فهلمي يا أمة الإسلام لقيادة العالم كما كنتِ، تنشرين العدل والطمأنينة وتخرجين الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ولتكن الذكرى الخامسة بعد المئة (105) لإلغائها في مثل هذه الأيام من رجب عام 1342هـ على يد المجرم مصطفى كمال وخونة الترك والعرب، دافعاً لأبنائنا وإخواننا في جيوش المسلمين لإعطاء النصرة لِيُعلنها خلافة راشدة على منهاج النبوة تُنسي أمريكا والغرب وساوس الشيطان، وما ذلك على الله بعزيز. عسى الله أن يكحل أعيننا برؤية نور شمسها ورحمة عدلها وسنا مجدها، اللهم آمين.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) آل عمران: 140.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
د. عبد الإله محمد