مقال: الوساطة السياسية عندما تتخذ دور التبعية وإنقاذ العدو (ج3)
الوساطة السياسية عندما تتخذ دور التبعية وإنقاذ العدو
سعي عاصم منير لإنقاذ أمريكا من مستنقع حربها على إيران
ج (3) والأخير
هذه هي الخلفية التي أُدخلت بها باكستان وسيطاً لوقف الحرب على إيران، وما تبعها من مفاوضات وزيارات مكوكية. فالذي يجعل ترامب متلهفاً على المفاوضات هو رغبته في توقيع اتفاق مع إيران يُظهره بمظهر المنتصر، كما يريد استسلام إيران لتكون دولة تابعة له كبقية دول المنطقة، لا دولة تدور في فلكها؛ وذلك حتى يعزز مواقفه كرجل صفقات، ويدعم موقف حزبه بعد أن تدنت شعبيته في الداخل، إذ يخشى خسارة حزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني القادم، وهو ما سيؤثر حتماً على الانتخابات الرئاسية العامة التي ستجري بعد سنتين.
ولكن إيران تتشدد وهي تشاهد خسائر ترامب إقليمياً وعالمياً ومحلياً، والتي كان آخرها تصويت مجلس النواب الأمريكي بمنعه من شن حرب على إيران دون موافقته، بعد فشل النواب في تمرير الاقتراح ثلاث مرات، مما يدفع بمزيد من التشدد الإيراني، ويؤدي إلى انحسار قوة تأثير الوساطة الباكستانية لصالح ترامب.
وبينما ترى واشنطن في عاصم منير وسيطاً فعالاً قادراً على الضغط، تراه طهران بشكل متزايد -وبلغة دبلوماسية- طرفاً يسعى لفرض “اتفاق إذعان” بين أمريكا وإيران لاتفاق شامل، في حين يقول هو إنه لم يذق طعم النوم في سعيه بهذه الوساطة. وربما يخفي من أسباب وساطته -غير تنفيذ المطالب الأمريكية- سعيه ونجاحه في جذب انتباه ترامب لفرص استثمارية تحت مسمى (3Cs)، في قطاعات: العملات الرقمية (Crypto)، والمعادن الحيوية (Critical\ Minerals)، ومكافحة الإرهاب (Counterterrorism)؛ لفتح أبواب التمويل للمؤسسة العسكرية الباكستانية.
ويبدو أن إيران تدرك ذلك، كما تفهم حاجة أمريكا للاتفاق للخروج من مأزقها، فتتشدد في شروطها ومطالبها وتعزز مواقفها، ولا تزال المفاوضات تراوح مكانها منذ وقف إطلاق النار، بانتظار إحدى انفراجات ثلاث:
- الأول: رهان أمريكا الضعيف على تغلب الفريق البراغماتي المرن المتبقي في منظومة الحكم الإيرانية، والمتمثل برئيس الحكومة ووزير الخارجية رئيس البرلمان، في مواجهة رجال المجلس الثوري الإيراني (مثل رئيسه الحالي أحمد وحيدي ورئيسه السابق محمد الجعفري الذي يبدو أنه ما زال يسيطر على قرارات المفاوضات)، وفهم هذا الصراع من تراشق الاتهامات حول صلاحيات كل طرف بين الحرس الثوري وبزشكيان.
- والثاني:
- هو تكثيف جهود الوساطة الباكستانية وكسر الجمود الإيراني في ظل الحصار الأمريكي في مضيق هرمز، والوضع الاقتصادي المتردي، وحاجة إيران للإفراج عن بعض أصولها المجمدة.
- والثالث: هو القبول بصياغة اتفاق تسمح لكل طرف بادعاء تحقيق مكاسب من جهته، وتجسير الهوة في نقاط الاختلاف عبر تمييعها وتأجيلها زمنياً بتمديد وقف إطلاق النار، والتنازل عن بنود هامشية، أو حتى تأجيل الملف النووي.
إن نتائج النزاع الأمريكي-الإيراني أعادت صياغة موازين القوى الإقليمية لمصلحة طهران سياسياً، رغم التفوق العسكري الكاسح لواشنطن؛ فالقبول بالجلوس على طاولة المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني هو اعتراف ضمني بفشل أداة العقوبات والترهيب العسكري في تغيير سلوك طهران بالقوة. كما أظهرت هذه النتائج تآكل هيبة الدولة الأولى في العالم عندما عجزت القوة العظمى عن حسم صراع عسكري مع دولة تخضع للحصار منذ عقود، ويتخلى عنها حلفاؤها في الناتو، وتضطر لطلب وساطة قادة عسكريين مثل عاصم منير لتأمين ممرات التجارة في مضيق هرمز.
في المقابل، خرجت إيران من هذه المواجهة بصورة الدولة التي استطاعت الصمود أمام أعتى آلة عسكرية في العالم، مما يمنحها مكانة سياسية مستقلة إن أرادت، بدلاً من الدوران في الفلك. فقد تمكن بعض قادة الجيش في إيران من تدمير منشآت وقواعد أمريكية في المنطقة، وإسقاط أحدث القطع العسكرية، وإرغام كيان يهود على الانكفاء، وإجبار الأساطيل الأمريكية على الانسحاب، وتدمير أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، واستطاعت استثمار أوراق القوة الجيوسياسية لديها لتحويل صمودها العسكري إلى انتصار سياسي.
تُدرك الأمة الإسلامية أنّ جميع المفاوضات التي جرت في القرن الماضي، والتي جمعت حكامها بالقوى الغربية الاستعمارية وربيبتها كيان يهود، لم تكن يوماً في مصلحتها؛ إذ تشترك جميع محاولات صنع السلام السابقة المزعومة في سمة واحدة وهي التبعية والخيانة، كانت فيها قوى الغرب طرفاً منحازاً ولم تكن وسيطاً نزيهاً ولن تكون. وكيف تكون كذلك وحكام بلاد المسلمين يدينون لها بالعمالة؟ سواء أكانت اتفاقيات كامب ديفيد، أو اتفاقيات أوسلو ووادي عربة، أو مجلس سلام غزة، وصولاً للمفاوضات اللبنانية مع كيان يهود التي تجري اليوم بأوامر أمريكية، وعلى هذا الدرب نفسه يسير عاصم منير ويتولى دور المفاوض والوسيط.
فلو كان دور باكستان قائماً على أساس الأخوة والوحدة الإسلامية، لوقفت بحزم إلى جانب شقيقتها المسلمة إيران، ولو اختلفت مآرب الأنظمة الحاكمة؛ مصداقاً لقول رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ». وكان يجب على باكستان أن تقف عسكرياً بجانب إيران، كما بيّن ذلك وكتبه رسول الله ﷺ في وثيقة المدينة: «وَإِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ؛ لَا يُسَالِمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ»، وهذا يتناقض تماماً مع دور الوساطة الذي تقوم به باكستان بأمر أمريكا ولصالحها، بل ومشاركتها لها في حربها على إيران عندما ترسل قواتها إلى بلاد الحرمين لتدافع عن القوات الأمريكية هناك. وكان الأحرى بها أن تستغل عجز أمريكا عن تحقيق النصر العسكري لتنصر إخوانها في إيران، وتُغرق أمريكا وأساطيلها في مياه الخليج.
وينطبق الأمر نفسه على إيران؛ فلو فكرت في مسؤوليتها تجاه الأمة الإسلامية لرفضت الجلوس إلى طاولة الحوار مع أمريكا، واستنصرت قوى الأمة الإسلامية في بلاد المسلمين، واستنجدت بها إعلامياً وخطابياً على الأقل.
إن فكرة إقامة كيان سياسي فاعل ومؤثر على الساحة الدولية ليمثل نظاماً عالمياً جديداً مغايراً لنظام الشر الذي تعاني منه البشرية، هي في الحقيقة مشروع الأمة الإسلامية التي تسعى لإقامته منذ أن هُدمت دولتها قبل أكثر من قرن، وهو المشروع الذي كرس العمل له حزب التحرير في كل بلاد المسلمين وفي جميع الأوقات. وتلوح في الأفق اليوم فرص ذهبية لإقامة دولة الخلافة، خاصة عند حدوث تحولات في موازين القوى العالمية، أو تراجع نسبي في الهيمنة القطبية الواحدة وظهور التعددية القطبية، وعندما يظهر ضعف ووهن قوى الاستعمار المدمرة المتوحشة الطاغية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي اهتزت مكانتها العالمية وانحسرت هيبتها كقوة عالمية لا تُهزم؛ مما يجعل من هذه الأوضاع فرصة سانحة لأهل النصرة تُستغل في تحقيق التغيير الجذري الذي يخلق نظاماً عالمياً جديداً يماثل النظام الذي أوجدته الخلافة الراشدة الأولى.
فحري بالقوى الإسلامية من جيوش وضباط وجنود مخلصين واعين، يطمحون إلى عز الدنيا ونعيم الآخرة، أن تعمل لإقامة دولة الخلافة الإسلامية؛ فهي علاوة على أن إقامتها فرض شرعي، فهي الدولة التي ستقضي على قوى الشر التي طال طغيانها في العالم، وهي الدولة التي سيستعيد بها المسلمون مكانتهم العالمية وموقعهم السياسي كقيادة عالمية، وكدولة عدل ورحمة مارست فكرة عقيدتها ونظامها عملياً.
وبعض الأمثلة التاريخية تشهد بذلك؛ فدولة الخلافة هذه هي التي أنقذت شعب أيرلندا من المجاعة حين خذلتهم بريطانيا، واستقبلت المضطهدين من غير المسلمين الفارين من بطش حكام إسبانيا، وأنقذت الملك فرانسوا الأول ملك فرنسا عندما وقع في أسر القوى الأوروبية المتطاحنة، حيث استنجد بالخليفة سليمان القانوني برسالة خاطبه فيها بما يليق بمقامه الدولي بـ”سلطان العالم”، فكانت وساطتها على الدوام تُحترم وتُهاب وتُقدّر، حتى إن أمريكا كانت تدفع لها الجزية لمجرد مرور سفنها في البحر الأبيض المتوسط من أمام طرابلس والجزائر. وها هي أمريكا اليوم تظهر عليها علامات الانكسار والهزيمة، لولا نفر من أشياعها في بلاد المسلمين من حكام وقادة جيوش قارب وقت رحيلهم، يعملون تحت ستار الوساطة لإنقاذها من مستنقع إيران.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً).
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
د. خالد الحكيم