مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا ودور النظام الأردني
بسم الله الرحمن الرحيم
مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا ودور النظام الأردني
تسهيل مهمة الشرع في تكريس تبعية سوريا للنفوذ الأمريكي
عقدت اجتماعات الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا بتاريخ 12/04/2026 برئاسة وزيري خارجية البلدين، وشهدت توقيع أكثر من 10 اتفاقيات ثنائية ومذكرة تعاون تشمل 21 قطاعا، تتعلق بعدة قطاعات كالمياه والنقل والطاقة، وأهمها ما كشف عنه المؤتمر الصحفي وهو التنسيق الدفاعي الأمني بين الأردن وسوريا، ووصف وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الاجتماع بـ «الأكبر أردنياً وسورياً عبر التاريخ»، ضمّ أكثر من 30 وزيراً، وأكّد الصفدي أن الأردن يقف مع سوريا في عملية إعادة بناء الوطن السوري الحرّ الآمن المستقر، وفي سيادة سوريا على كامل أراضيها، أكّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أنّ بلاده ترى في الأردن «شريكاً استراتيجياً لسوريا»، مؤكداً أن «استقرار سوريا مناعة للأردن، وازدهار الأردن سند لسوريا».
وجاء في الإعلام أن ما يقف وراء تعزيز العلاقة متعددة التخصصات بين الأردن وسوريا مصالح استراتيجية مشتركة أبرزها: تنسيق أمني واسع لمواجهة تهريب المخدرات والسلاح ومكافحة الإرهـ اب، إعادة بناء سوريا ودعم استقرارها، وتعزيز التعاون في 21 قطاعاً، شمل الطاقة، المياه، والسكك الحديدية.
إن العلاقات بين الدول العربية منذ استقلالها الوهمي تحكمها تبعية الأنظمة للصراع الدائر بين القوى المتنافسة الغربية على المنطقة في سيرها لتحقيق مصالحها والدفاع عن نفوذها في هذه الدول، ولم يكن الحكم ليستقر في سوريا لنفوذ الولايات المتحدة إلا بعد مجيء حافظ الأسد إلى الحكم واستتب الحكم فيها لتبعيتها، حتى بداية الـ ثورة السورية المباركة في عهد بشار الطاغية، حينها أدركت أمريكا أنها على وشك خسارة سوريا، فكان أن صنعت على عين رجلها من رحم الـ ثورة بوجه إسلامي ملتح ومن قائمة الإرهـ اب إلى حاكم سوريا الجديد الذي مهدت له الأسباب وهيأت له سيناريوهات القبول الدولي والمحلي والإقليمي واستقبله رئيس الولايات المتحدة على الملأ ورفع اسم سوريا من قوائم العقوبات وأشرب حاكم سوريا الجديد وزمرته في قلوبهم العجل وتم تدريبه من قبل السفير الأمريكي روبرت فورد على الدخول في عالم السياسة، فدخلوا في منظومة التبعية الاستعمارية والقانون الدولي والاستحقاقات الإقليمية التي تفرضها أمريكا.
ويمكن من هذا الباب فهم الأحداث المحلية في سوريا وحكمها الجديد، والتعاون الإقليمي الذي انخرط في دوره الأكبر تركيا ودول الخليج، بالإضافة الى الاتفاقات الأمنية مع كـ يان يـ هود والتنسيقات والتعاون رفيع المستوى مع الأردن، الذي كان قبل ذلك قد بذل جهدا دبلوماسيا مع سوريا الأسد قبل سقوطه بعام حيث زار وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي دمشق لنقل رسالة شفهية من الملك عبد الله، ولعب دورا في عودتها لجامعة الدول العربية.
وفي هذا السياق فإن سعي النظام في الأردن يتخذ ثلاث مسارات بالنسبة لسوريا ولعبه دورا رئيسيا في تشكيل بنيويتها وملامحها الجديدة؛ الأولى والأهم: هي تنفيذ الخطط الأمريكية في هيمنتها على سوريا وهي املاءات لا يتجاوزها ما يسمى “الحليف الاستراتيجي”، والمسار الثاني: هو مسار اقتصادي أمني محلي حدودي، وهو محل الاتفاقيات المشار إليها أعلاه، والمسار الثالث: تعزيز التنسيق الأمني مع كـ يان يـ هود في الجنوب السوري حيث يشارك النظام في الأردن كـ يان يـ هود مصالح مشتركة، تستلزم التنسيق كجسر تطبيعي حيوي مع النظام السوري الجديد مما يستدعي التعاون في الملف الأمني والاستخباراتي.
وكان النظام في الأردن سباقاً في التنسيق الدبلوماسي وتأييده للنظام السوري الجديد بدعوته لاجتماع العقبة في 14/12/2024 الذي ضم وزراء خارجية المنطقة مع وزير الخارجية الأمريكي بلينكن ومنسق الخارجية الأوروبي، الذي كان يهدف إلى صياغة اتفاقيات إقليمية ودولية بشأن مستقبل سوريا، وتقريب وجهات النظر بين تركيا والدول العربية، وقد كان بمثابة خارطة طريق أمريكية لتوجهاتها في سورية حيث قال بلينكن في تصريح له بالعقبة: “لقد اتفقت الولايات المتحدة اليوم مع شركائنا في المنطقة على مجموعة من المبادئ المشتركة لتوجيه دعمنا لسوريا والشعب السوري من الآن فصاعدا”.
وبناء على التطورات السياسية والأمنية والأحداث منذ تلك اللحظة حتى حلول هذا الشهر، شهدت سوريا والأردن، أحداث واتفاقيات وزيارات مفصلية، مع تصعيد التنسيق بين عمان ودمشق، تمثلت في اجتماع مجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا، وعقد الاتفاقيات بينهما تزامنت مع إكمال انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في 16 أبريل 2026.
حيث تطور الدور الامريكي الى الهندسة الأمنية وإسناد دورها في المنطقة إلى قوى التبعية المحلية من ناحية عسكرية أمنية، فأعلنت عن خارطة طريق السويداء بالاتفاق مع الأردن وسوريا، والتنسيق الاستراتيجي العالي، وبدأت مؤسسات أمنية مشتركة في العمل لضمان أمن الحدود، حيث أُخليت قاعدة “التنف” الاستراتيجية، ثم قاعدة الشدادي، وأخيراً قاعدة “قسرك” في الحسكة في 16 نيسان/أبريل 2026. وتسلمت قوات ال 60 السورية جميع القواعد الأمريكية مع إبقاء بعض الرادارات لمواجهة أية اعتداءات إيرانية في خضم حرب أمريكا وإيران، وقد أُعيد تموضع بعض القوات والمعدات إلى قاعدة “البرج 22” داخل الأراضي الأردنية، مما يعكس نجاح التنسيق الأمني بين عمان ودمشق كما أرادته أمريكا.
يتضح مما ذكر سابقا أن العلاقة الأردنية الأمريكية بشأن الملف السوري اتخذت بوضوح في هذا الشهر طابعاً استراتيجياً جديداً، حيث انتقلت واشنطن من تقديم الدعم العسكري المباشر إلى تمكين الأردن “كتابع مخلص” يدير مصالحه الحيوية في سوريا مقابل إدارته للمصالح الأمريكية وتعزيز حكم الشرع في سوريا من النواحي الاقتصادية والأمنية الحدودية والتنسيق مع كـ يان يـ هود أمنيا، وما استجد على ربط سوريا والأردن كموقعين استراتيجيين كبديل لإمدادات أنابيب النفط والطرق السككية مع دول الخليج وعبرهما إلى تركيا وشرق المتوسط ومن ثم أوروبا لتفادي مضيق هرمز.
والنظام إذ يبرر علاقاته هذه كحليف استراتيجي مضطر من أجل البقاء والاستقرار بسياسة التوازن الضروري وسط صراع بيني بخلفية موقعه الجيوستراتيجي وموارده المحدودة، فهو بالنسبة لأمريكا ركيزة استقرار وبديل آمن للقواعد التي تم إخلاؤها في سوريا، ويعتبر هذا الدعم لضمان أمنه القومي، بينما لا تزال بريطانيا وأوروبا تمثلان الغطاء السياسي والشرعي والدبلوماسية في المحافل الدولية فيما يخص القضية الفلسطينية والكابح للقوى المنافسة التي تهدد النظام خارجيا وداخليا، ومنها سيناريوهات “الوطن البديل” أو أي تهجير قسري يفكر فيه كـ يان يـ هود، وداخليا بالحراكات الشعبية التي تعاني اقتصاديا واجتماعياً، فالنظام في الأردن يبني علاقاته الاستراتيجية لمصلحة بقاء النظام واستقراره في الحكم على حساب مصالح وتطلعات مكونات شعبه الذي يعاني من سياساته الاذعانية .
وعودة الى الشراكة الاستراتيجية الشاملة المستجدة بين الأردن وسوريا مع النظام الجديد وعلى رأسها التنسيق الدفاعي والأمني، فهي مصالح أمريكية بالدرجة الأولى قبل أن تكون مصالح من أجل إعادة اللحمة والعلاقات التاريخية بين البلدين كما يدعى، فهي لم تنشأ إلا بوجود حدود الدولة القطرية المصطنعة لكلا البلدين، فإن وجود “شراكة أمنية” قوية بين الأردن وسوريا هو بمثابة خط دفاع بالوكالة” يحقق أهداف واشنطن دون تكلفة عسكرية مباشرة، ولهذا كان ملء الفراغ ضروريا بالنسبة للنظامين في الأردن وسوريا عبر مجلس التنسيق الأعلى الذي هو ضرورة أمنية لمنع الفوضى على الحدود المشتركة، بل وتوكيل الأردن أمريكيا بحماية أمنه الداخلي، حيث تسعى سوريا النظام الجديد لاستعادة شرعيتها الدولية وسيادتها الكاملة عبر إثبات قدرتها على ضبط الحدود، ووحدتها ضد كل القوى الداخلية، وبهذا الخصوص يلفت النظر إلى زيارة الوفد السياسي الأمني الأردني رفيع المستوى إلى سوريا شهر آذار الماضي، الذي ضمّ وزير الخارجية أيمن الصفدي، وقادة الجيش والمخابرات يوسف الحنيطي، وأحمد حسني إلى دمشق، حيث استُقبل بحفاوة بالغة من الرئيس أحمد الشرع.
إن انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد الإرهـ اب أي ضد الإسلام في نوفمبر 2025 والقبول بالتنسيق الاستخباراتي العالي مع الأردن وبتنسيق ودعم أمريكي لم تفتر فيه تحركات المبعوث الأمريكي توم براك في فرض الأجندة الأمريكية لاستقرار الحكم في سوريا سواء في السويداء أو فلول النظام أو تطويع قسد ولجم كـ يان يـ هود في الجنوب هو دليل واقعي بأن دمشق وعمان تعملان ضمن إطار النفوذ الأمريكي لضمان استقرار المنطقة، حيث تشتركان في هدف إقصاء مشروع الـ ثورة السورية التي كانت تسعى لإقامة دولة إسلامية وحكم بالإسلام مهددة بقاء أنظمة التبعية.
فاستناد حاكم سوريا الجديد إلى أمريكا وأنظمة التبعية في المنطقة من تركيا إلى الأردن والسعودية، والتنسيق الأمني مع كـ يان يـ هود، سيفقده السند الطبيعي وحاضنته الشعبية المخلصة في الـ ثورة السورية، الذي أسقط نظام المجرم بشار ولم تحميه كل القوى الكونية التي سخرتها أمريكا لمنع سقوطه، وهو قادر أن يعيد الكرة مع النظام الذي يريد التنازل عن مشروع الإسلام الراشد لصالح المشروع الغربي الذي تسيطر عليه أمريكا وشركاؤها في الغرب، والمتواطئون معها من حكام المسلمين، فالشراكة الأمنية الأمريكية السورية الأردنية هي إطار وظيفي انتقالي لحكم مدني يرضى عنه الغرب.
تعود جذور العلاقة بين أهل سوريا والأردن إلى فترة ما قبل تأسيس الدولتين الحديثتين، حيث كانت المنطقة جزءاً من بلاد الشام تحت الحكم العثماني، ومع سقوط دولة الخلافة خضعت المنطقة لإعادة تشكيل سياسية وفق اتفاقية سايكس بيكو (1916)، التي قسّمت بلاد الشام بين النفوذ البريطاني والفرنسي. ولم تكن علاقة أهل بلاد الشام في الأردن وسوريا إلا علاقة أخوة في الدين والعقيدة ووحدة حال ومصير، ولم تشب هذه العلاقة شد وجذب وتفرق إلا بعد فرض الحدود الاستعمارية بينهما وتأسيس نظامين، ثم توترت العلاقة بينهما لحد حشد الجيشين في بعض الأحايين على الحدود المصطنعة حسب تبعية كل منهما للدولة الاستعمارية التي تسود كل منهما، وما التنسيق السياسي والأمني بين الأردن وسوريا اليوم إلا حلقة من حلقات تكريس النفوذ الغربي الاستعماري الأمريكي الذي حل محل الاستعمار الأوروبي.
إن التنازل عن مشروع الإسلام الراشد لصالح المشروع الغربي الذي تسيطر عليه أمريكا وشركاؤها في الغرب، والمتواطئون معها من حكام المسلمين هو خيانة لله ولرسوله ولدماء المسلمين من أهل سوريا وللتضحيات العظيمة التي بذلوها في سبيل إسقاط حكم أسد ومن ورائه أمريكا، ولن تحل مشاكل الأردن وسوريا وتعود العلاقات الطبيعية بين أهلهما إلا بعودتهما الى أصلهما السياسي جزءا من بلاد الشام كجزء من دولة الخلافة الراشدة.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
د. خالد الحكيم