مقال الهجرة النبوية: من فكرة العقيدة إلى كيان الدولة
الهجرة النبوية: من فكرة العقيدة إلى كيان الدولة
لماذا كانت الهجرة النبوية؟ وما مكانتها وأهميتها؟
إن الإسلام العظيم لم ينزله الله تعالى ليكون دين فرد أو مجرد عبادة لمجموعة، ولم تتكامل شريعته لتختص بفئة أو مكان أو زمان، بل نزل مبدأً شاملاً؛ عقيدةً ونظاماً ينظم أفعال البشر جميعاً. ولم ينزله سبحانه ليبقى حبيس الفكر والكتب والدراسات، أو ليعيش معتنقوه في الكهوف والمغارات، ولا ليهرب حملته من المجتمع نحو الجبال مع الرهـبان، وإنما أنزله تعالى ديناً تلتحم فيه العقيدة بالدولة فكراً وتطبيقاً.
لذا، كانت الدولة جزءاً من جوهر الإسلام، بل هي الطريقة العملية الوحيدة لتطبيق هذا المبدأ في الداخل عبر إقامة أحكام الله، وحمله إلى الخارج بالدعوة والجـ هاد. هذا الفهم الدقيق جعل الصحابة رضي الله عنهم ينظرون إلى الهجرة النبوية كحدث استثنائي مميز؛ لأنها ارتبطت بوجود الإسلام كمبدأ حي (عقيدة، وتطبيقاً، وممارسة، ودعوة إلى الأمم والشعوب).
ومن هنا، اختار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (الفاروق) رضي الله عنه الهجرة النبوية مبتدأً للتأريخ، مفضلاً إياها على مواضيع أخرى كمولده ﷺ، أو نزول الوحي عليه، أو وفاته؛ لأن الإسلام علمنا أن نركز على الأحداث والأعمال البانية لا على مجرد الذكريات، حتى وإن كانت ذات شأن عظيم.
وقد روى البخاري في صحيحه (3934) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ( مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: “وَقَدْ أَبْدَى بَعْضهمْ لِلْبُدَاءَةِ بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَة فَقَالَ: كَانَتْ الْقَضَايَا الَّتِي اتّفقَتْ لَهُ وَيُمْكِن أَنْ يُؤَرَّخ بِهَا أَرْبَعَة: مَوْلِده وَمَبْعَثه وَهِجْرَته وَوَفَاته، فَرَجَحَ عِنْدهمْ جَعْلهَا مِنْ الْهِجْرَة، لِأَنَّ الْمَوْلِد وَالْمَبْعَث لَا يَخْلُو وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ النِّزَاع فِي تَعْيِين السَّنَة، وَأَمَّا وَقْت الْوَفَاة فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا تُوُقِّعَ بِذِكْرِهِ مِنْ الْأَسَف عَلَيْهِ، فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَة. وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيع الْأَوَّل إِلَى الْمُحَرَّم لِأَنَّ اِبْتِدَاء الْعَزْم عَلَى الْهِجْرَة كَانَ فِي الْمُحَرَّم، إِذْ الْبَيْعَة وَقَعَتْ فِي أَثْنَاء ذِي الْحِجَّة وَهِيَ مُقَدِّمَة الْهِجْرَة، فَكَانَ أَوَّل هِلَال اِسْتَهَلَّ بَعْد الْبَيْعَة وَالْعَزْم عَلَى الْهِجْرَة هِلَال الْمُحَرَّم، فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَل مُبْتَدَأ، وَهَذَا أَقْوَى مَا وَفَقْت عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَة الِابْتِدَاء بِالْمُحَرَّمِ”.
فالهجرة -حاشا وكلا- لم تكن هروباً، وليست مجرد قصة عنكبوت وحمامة تروى لتتسلى بها الأجيال، أو تلوكها الألسن وتسير بها الركبان، ولا هي مجرد ذكرى عابرة للاحتفال السنوي، ولم تكن انتقالاً شخصياً من مكان إلى آخر. بل كانت الهجرة عملاً سياسياً من أجل إقامة الكيان السياسي الذي يمثل حقيقة بعثة الرسول ﷺ ونزول الرسالة.
هذه الحقيقة السياسية أدركها المثنى بن حارثة الشيباني عندما كان رسول الله ﷺ يعرض دعوته على القبائل طالباً النصـرة، حيث قال: «أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت، هو مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا»، فقال رسول الله ﷺ: «ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه». كما أدركتها قبيلة بني عامر بن صعصعة عندما قالوا للرسول ﷺ: «أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟».
لقد أدرك الكفار وصناديد العرب حينها حقيقة البعثة؛ وأنها تهدف لإقامة كيان سياسي مستقل للمسلمين، في الوقت الذي يختزل فيه كثير من المسلمين اليوم ذكرى الهجرة في حدث تاريخي وقصة وعظية معزولة عن جوهرها وغايتها.
وقد تعمدت الأنظمة في بلاد المسلمين طمس هذه الحقيقة عبر اختزالها في احتفالات بروتوكولية تقام هنا وهناك، وكلمات مكررة تُلقى على المنابر كقصة تاريخية مجردة، مغيبين حقيقة أن الهجرة كانت مولد دولة، وانبعاث أمة، ودخولاً رسمياً للإسلام في المعترك الدولي كقوة عظمى.
فأين المسلمون اليوم من دولة الإسلام؟ وأين ذكرى الهجرة من حقيقتها وجوهرها؟
إن ذكرى الهجرة تستحق منا -ونحن نعيش ظلالها- أن ندرك حقيقتها ونتدبر غايتها، وأن نعمل من أجل المحور الذي قامت عليه؛ وهو إقامة الكيان السياسي الجامع للمسلمين (الدولة التي تحكمهم وترعاهم بالإسلام)، كما عمل لأجلها رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
إن الحاجة إلى هذه الدولة تتأكد اليوم ونحن نعيش في ظلمة حالكة تلت غياب دولة الإسلام وهدمها على أيدي الخونة من عرب وترك. فبسبب هذا الغياب، نرى اليوم غـزة تُباد وتُجوّع وتُمزق دون أن تجد لقمة عيش أو شربة ماء، ونرى مقدسات الإسلام تُدنس وتُهان، وأعراض المسلمين تُنتهك، والحـ روب تُشن على الإسلام والمسلمين تحت مسميات “التطرف والإرهـاب”، مع تدمير ممنهج لمقدرات الأمة في كل شأن من شؤونها.
ورغم هذا الألم، فقد أثبتت الأحداث الأخيرة مدى وهن الغرب وتفسخه وانقسامه، وأظهرت أن كياناته الاستعمارية ضعيفة وهشة وليست قدراً محتوماً. وهذه غـزة العزة، بإمكانياتها المحاصرة، وقفت أمام العالم كله لتكشف حقيقة القدرات الغربية، وتثبت كيف تتهاوى القوى المادية أمام فئة مؤمنة صادقة.
وختاماً، فلتكن ذكرى الهجرة دافعاً حقيقياً لنا للعمل بأقصى طاقة، وأن نَغُذَّ السَّيْر لإعادتها خـلافة راشدة على منهاج النبوة؛ فهي فرض ربكم، ومبعث عزكم، وطوق نجاتكم. وبها نعود كما كنا أمة عزيزة تغـزو ولا تُغـزى، دولة واحدة تتربع على عرش الموقف الدولي بلا منازع، تحمل الإسلام رسالة نور وهداية ورحمة للعالمين.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
الأستاذ حسن حمدان