مقال: فجوة القصور والخيام: حين ينفصل المسؤول عن واقع الرعية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقال: فجوة القصور والخيام: حين ينفصل المسؤول عن واقع الرعية
الاحتقان الشعبي كبير ومقلق، وملاحظ من كل مراقب أو معايش للواقع المعيشي والاقتصادي؛ فهل أصحاب القرار والساسة والمستشارون في الأردن لم يلحظوا ذلك أو يرقبوه؟
إن الوضع المعيشي متلازم مع مدخلات الناس المالية، وهي لا تتناسب إطلاقاً مع هذا الاضطراب الاقتصادي والفوارق الطبقية التي صنعها النظام وحافظ عليها، والتي تتكون من ثلاث طبقات:
- الطبقة العليا: وهم أصحاب الملايين والمليارات والمتنفّذون في البلد، يغرفون من خيراتها دون حسيب ولا رقيب، ومدخلاتهم بلا حدود. يضاف إليهم قيادات سياسية وإدارية تشكل واجهة للنظام، لا تقل رواتبها عن خمسة آلاف دينار، ناهيك عن الحوافز والمَكْرُمات، وما إلى ذلك من نوافذ مفتوحة يُكافأون بها على تمرير هذه السياسات.
- الطبقة الوسطى: متآكلة وتنافس الطبقة الدنيا، وهي التي لا تقل مدخلاتها عن ثلاثة آلاف دينار (وهي شريحة تضيق وتتهاوى بسرعة)، وتسير نحو الاختفاء شيئاً فشيئاً لتلتحق بالفقر العام.
- الطبقة الدنيا (الشريحة العامة): والمكونة من أكثر من 80% من عامة أهل الأردن، وهي تكابد وتجاهد للبقاء على قيد الحياة، لعل طاقة فرج قريب تظهر تنقذها مما تعانيه من بؤس وشقاء وتردٍّ.
والسؤال الحقيقي المطروح هنا: كيف لطبقة سياسية ولدت من رحم هذا النظام الرأسمالي التبعي أن تشعر بمرارة العيش أو تبحث عن حلول حقيقية؟
إنهم لا يعايشون واقع الأردن الاقتصادي لأن المنظومة نفسها معزولة عن الناس؛ ولذلك يُمْعِنُونَ في اجترار حلول تخديرية لا تُسمن ولا تُغني من جوع. إن العقم ليس في الأمة، بل في النظام السياسي والاقتصادي القائم الذي يمنع بنيوياً بروز أي حل جراحي يستأصل المعضلة الكبرى التي تطحن الناس في معيشتهم؛ لأن استمرار هذه الطغمة مرهون باستمرار هذا الطحن.
إن عوام الناس يلاحظون الفارق الطبقي الهائل بينهم وبين مسؤولي النظام، من المديرين التنفيذيين وحتى أعلى الهرم الإداري والسياسي. كيف يعيش هؤلاء في “عالم المائة نجمة” والباقون بلا نجوم؟ أعداد تلهث وراء لقمة الخبز فلا تجدها، فتُدفع دفعاً وتُكره إكراهاً -بفعل ضيق العيش الممنهج- على دخول عالم الجـ ريمة والعالم السفلي؛ من مخـ درات وسرقة وانتـ حار وتمـ رد على كل القيم.
هذا منظور واقعي وليس متخيلاً، بل هو واقع محسوس لا يخفى على ذي عينين. أما أصحاب الطبقة العليا الذين يرتدون النظارات السوداء، فهم قطعاً لا يرونه؛ لأن المستغني غنيٌ عن التفكير بغيره، مشغول في منظومة الجباية وكيفية زيادة مكاسبه، وبحياته المرفهة التي تؤمنها له حظوة القرب من السلطة. الأبواب كلها مشرعة أمامهم، وأبناؤهم يركبون السيارات الفارهة، ويدرسون في أرقى الجامعات، ووظائفهم ومناصبهم السياسية مؤمنة بالوراثة والمحسوبية منذ الولادة، ليصبحوا أصحاب “سعادة ومعالي ودولة” في نظام يحمي امتيازاتهم على حساب قوت الشعب.
لذلك، لا يُقبل ولا يُعقل انتظار أي حل تجترّه هذه الطبقة أو هذا النظام إطلاقاً؛ فالمنظومة التي أوجدت هذه الطبقية وغذّتها وحافظت عليها لا يمكن أن تكون هي أداة الخلاص.
الشبعان والمترف والمتوشح بأفخم الثياب والقاطن في القصور لا يمكنه -وليس من مصلحته أصلاً- وضع حلول لساكني الخيام والبيوت المرهونة للبنوك. الحل لا يكمن في استجداء عطف المسؤول أو مطالبته بأن “يجوع ويعـ رى” لينصلح حاله، فالخلل ليس خللاً سلوكياً فردياً لدى هذا المسؤول أو ذاك، بل هو خلل عقدي وتشريعي في أصل النظام الذي يقنن النهب ويشرعن الجباية.
وهنا نستذكر الوعيد النبوي الشديد الذي يقطع حبال الود مع كل مسؤول يشق على رعيته، فقد قال الرسول ﷺ: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ“، وفي الأثر عن جوع الصحابة والرسول ﷺ وتكافلهم ما يوضح كيف تُدار السياسة الحقيقية وتُستشعر المسؤولية.
بناءً على هذا الميزان الشرعي الحاسم، لا يمكن القبول بالحلول الترقيعيّة والمُسكنات الطيارة التي يلقونها كفتات من على موائدهم المتخمة -كزيادة 10 أو 20 أو حتى 50 ديناراً لشريحة معينة لا تمثل إلا جزءاً بسيطاً من المجموع العام- فما هي إلا حقن لتخدير الشارع وإطالة عمر أزمتهم هم، وليست علاجاً لأزمة الناس بأي حال من الأحوال.
إن مفهوم السياسة في ديننا الحنيف وشريعتنا الغراء هو رعاية شؤون الناس، وهذا يقتضي بالضرورة نظاماً اقتصادياً قائماً على أحكام الوحي، يعيد توزيع الثروة من أساسها ويمنع احتكارها، حيث الناس سواء في الحقوق والواجبات، وحيث المال ليس امتيازاً للمتنفيذين.
من هنا، فإن علاج هذه المعضلة المتجذرة لا يكمن في ترميم مسكنات النظام الرأسمالي الجشع ولا في مراهنة الشارع على يقظة ضمير أتباعه، بل في إزالة هذا النظام من جذوره وفلسفته الاقتصادية والسياسية، وإيجاد النظام الذي يجعل الرعاية واجباً وفرضاً بحكم الشرع، لا منّة وجباية.
وتبرز هنا الحاجة الملحّة للأمة الإسلامية لإعادة صياغة حياتها السياسية عبر دولة الخـ لافة الراشدة، التي تطبق أحكام الشرع وتجعل من رعاية الشؤون واجباً تذوب معه الفوارق الطبقية الهائلة. إنها الخلافة التي تعيد للمال وظيفته الأساسية فلا يكون “دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ”، وتحمي الفقير بضمان حاجاته الأساسية، وتُخرج الأمة من ضنك المعيشة المادية إلى سعة العدل الإلهي؛ حيث المسؤول راعٍ مسؤول عن رعيته أمام الله قبل الخلق، وحيث السياسة هي رعاية وتكافل، لا مغانم وتفاخر.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
الأستاذ سليمان عبد الله