حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: البلطجة الأمريكية وسرقة ثروات العالم… أوكرانيا مثالا (ج2) موقف ترامب من أوكرانيا ومسألة المعادن النادرة وهدفه من السيطرة عليها

كتبه: الأستاذ حسن حمدان

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

ذكرنا في المقال السابق عن واقع المعادن النادرة وأهميتها، وانتهينا عند الفقرة التالية:

   “من هنا يظهر لنا مدى أهمية وحساسية مسألة المعادن وأثرها على النظرة المستقبلية للولايات المتحدة حيث قال أحد كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب، مايك والز، لوكالة الأنباء الأمريكية نيوز نيشن، إن الصفقة مع أوكرانيا كانت “تتعلق بتنمية العلاقة اقتصاديا وربط الولايات المتحدة وأوكرانيا معا للمستقبل”.

   ولربط الحديث السابق نتحدث حول موقف ترامب من أوكرانيا ومسألة المعادن النادرة وهدفه من السيطرة عليها فنقول وبالله التوفيق:

   لقد تناولت بعض التقارير هذه القضية حيث نشرت “لجنة حكومية أمريكية في ديسمبر/كانون الأول 2023 ضعف موقف الولايات المتحدة في المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية (مثل الكوبالت والنيكل).

   وجاء في التقرير: “يجب على الولايات المتحدة إعادة النظر في نهجها السياسي تجاه سلاسل توريد المعادن الحيوية وعناصر الأرض النادرة نظراً للمخاطر التي يشكلها اعتمادنا الحالي على جمهورية الصين الشعبية”.

   وحذر التقرير من أن عدم القيام بذلك قد يؤدي إلى “توقف الإنتاج الدفاعي تماماً وخنق تصنيع التقنيات المتقدمة الأخرى.”

   تقول غريسلين باسكاران، مديرة برنامج أمن المعادن الأساسية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: “تستحوذ الصين على 60 في المئة من إنتاج المعادن الأرضية النادرة العالمي، لكنها تُعالج ما يقرب من 90 في المئة منها، وهي المهيمنة في هذا المجال”.

   اذاً مسألة المعادن النادرة مسألة مهمة وخطيرة بالنسبة للأمن القومي الأمريكي بل تتوقف عليها صناعات تكنولوجية كبرى وخاصة العسكرية، والصراع على التكنولوجيا ويؤكد هذا الأمر ما صرح به ماسك بشأن الاستحواذ على بعض هذه المعادن حداً دفعه إلى التغريد قبل ثلاث سنوات: “ارتفع سعر الليثيوم إلى مستويات جنونية! قد تضطر تيسلا إلى الدخول مباشرةً في التعدين والتكرير على نطاق واسع، ما لم تتحسن التكاليف”
   حيث تعتمد سبيس إكس وتيسلا – اللتان يقودهما إيلون ماسك – اعتماداً كبيراً على المعادن الأساسية مثل الغرافيت (في المركبات الكهربائية) والليثيوم (في البطاريات)، والنيكل (في الصواريخ).

   وكشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة أنواع المعادن الموجودة في أوكرانيا، حيث ذكر فيه: “أوكرانيا لديها رواسب كبيرة من التربة النادرة، وفي عام 2022، أفادت خدمة أخبار الأمم المتحدة باللغة الروسية، أن مخزون أوكرانيا من 21 عنصرًا أرضيًا نادرًا من قائمة الثلاثين مادة التي يعرّفها الاتحاد الأوروبي على أنها “مواد خام حرجة” تمثل حوالي 5% من احتياطيات العالم.

   وبعد دخول ترامب الانتخابات أخذ يتحدث عن مسالة الحرب في أوكرانيا وأنه قادر على وقفها خلال 24 ساعة.

   ثم اعترف بعد وصوله الحكم أنه كان ساخراً عندما أعلن عن قدرته وقفها خلال تلك المدة، حيث قال ” حسناً كنت ساخراً بعض الشيء عندما قلت ذلك …وأنه وضع معقد للغاية، إنها حرب دموية ورهيبة…) وهي كذلك فعلا، فالمسألة معقدة جدا ومتعددة الأطراف وتتعلق بقضايا مصيرية لكل من روسيا وأوكرانيا وأوروبا، فكيف يوقف الحرب دون البت في قضايا متعلقة بالحرب مثل: انضمام أوكرانيا إلى الناتو ومسألة المناطق الشرقية المحتلة، والنزاع فيها، وعلاقتها بكييف، والمواطنون الروس هناك، ونظرة روسيا للقرم والمحيط الإقليمي لها، واقتراب الناتو منها وعلى حدودها، والضمانات الأمنية لروسيا وأوكرانيا كذلك، ووحدة الأراضي الأكرانية، والنظرة الأوروبية وموقف أوروبا كذلك، وخشية بعض دول أوروبا من تكرار روسيا لتجربة أوكرانيا في دول أوروبية أخرى، وموضوع التنازلات ولمصلحة من!….

   فالمسألة جدا معقدة والحديث عن إنهاء الحرب بعصا سحرية خلال 24 ساعة هو حديث دعائي انتخابيّ فقط.

   بعد وصول ترامب إلى الحكم والوقوف على واقع الحرب واتخاذ القرار تغيرت لهجة ترامب واتخذ مساراً آخر أذهل العالم من خلال ما يعرف بواقعة المكتب البيضاوي المأساوية وكيف تعامل مع الرئيس الأكراني والوفد المرافق له، حيث وضع ترامب الرئيس الأكراني أمام خيارين فقط: أما ترك أوكرانيا لمصيرها مع عدو متسلط جشع بعد وقف الدعم العسكري الأمريكي لهم، وفي ظل نجاحات وتقدم روسي ملحوظ قد يتعدى ما هو عليه الآن، وأما الاذعان الكامل لشروط ترامب في جميع القضايا المتعلقة بالحرب، ومنها مسألة المعادن والصندوق السيادي وهيمنة أمريكا عليه، وللعلم الرئيس الأوكراني كان مستعداً لمقايضة المعادن مع دور كبير للشركات الأمريكية لكن بجدوى معينة وسقف معين وضمانات أمريكية، لكنه تفاجأ بسقف ترامب غير المحتمل وبدون ضمانات أمريكية، وتنازلات ضخمة لروسيا. وفي ظل عجز أوروبي كبير.

والآن لماذا فعل ترامب ذلك؟

   صحيح أن هناك توافق روسي أمريكي في كثير من القضايا والملفات الدولية، بل عملت روسيا لمصلحة الولايات المتحدة في بعض الملفات مثل سوريا، وكذلك استخدمتها أمريكا في الصراع مع أوروبا، …. إلا أنه أيضاً هناك صراع أمريكي روسي في بعض القضايا خاصة ما يتعلق في الحديقة الخلفية لروسيا، ومناطق نفوذها القديم، والصراع بينهم حقيقي. وهذا الصراع لا شك فيه إلا أنه على وجوده وأهميته فإن ترامب يقدم عليه صراعاً آخر وهو الصراع مع الصين لأن الصراع مع الصين يحتل الأولوية القصوى للولايات المتحدة في مقابل صراعها مع روسيا، فالصراع مع روسيا على وجوده لكنه لا يرتقي لخطورة الصراع مع الصين والفكرة المختصرة هنا هي أن أمريكا اليوم ترى بإن مكافحة مخاطر الصين الاقتصادية أولى من مكافحة مخاطر روسيا العسكرية، فمن ناحية فإن قوة الصين الإقتصادية تمكنها اليوم من بناء قوة عسكرية جبارة فيما لا تنعكس قوة روسيا العسكرية على إقتصادها المتهالك والمعتمد على بيع المواد الخام كالنفط والغاز والمعادن، ومن ناحية ثانية فإن “ندرة الموارد” -خاصة في المعادن النادرة- في أمريكا تجعلها عاجزة عن القيام بالعبئين معاً، فتقدم الصين لخطورتها وأهميتها وتترك للأوروبيين مكافحة روسيا، بل إن هذا يؤدي الى إضعاف كليهما (أووربا وروسيا)، وهو هدف أمريكي آخر يمكن تحقيقه بأيدي غيرها فيما تستخدم هي مواردها المحدودة وتركزها على احتواء الصين.”

وللتدليل على هذه النقطة نذكر بعض الأدلة والنقاط منها:

   -وصف البيت الأبيض، رفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فكرة تسليم نصف موارد بلاده من المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة بأنه “قِصر نظر”.
   -خلال فترة ولاية ترامب الأولى، كانت الصين محورًا أساسيًا، وبرز ذلك من خلال حربه التجارية في عام 2018، والتي فرضت تعريفات جمركية على سلع صينية تزيد قيمتها عن 360 مليار دولار. وطوال فترة رئاسته، أكد ترامب على اعتقاده بأن الصين تشكل أكبر تهديد للاقتصاد الأمريكي. وقال: “إن الصينيين، وليس المستهلك الأمريكي، هم المسؤولون عن تداعيات التضخم في الولايات المتحدة. وهذا يؤكد رؤية ترامب “أن التهديد الاقتصادي الذي تشكله الصين يشكل مصدر قلق أكثر إلحاحا من الطموحات الجيوسياسية لخصوم آخرين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”
   -نائب الرئيس، جيه دي فانس صرح قائلاً: “إن أمريكا تعاني من ضغوط شديدة؛ ليس لدينا القدرة الصناعية لدعم حرب في أوكرانيا، أو حرب في “إسرائيل”. يتعين على أمريكا أن تختار، وعلينا أن نركز على الصين”.
   -قدم ترامب تشريعاً في الكونجرس يهدف إلى تقييد وصول الصين إلى الأسواق الأمريكية فضلاً عن السياسة الجمركية الحادة معها.

   – تعيين السناتور ماركو روبيو كوزير للخارجية والنائب مايكل والتز كمستشار للأمن القومي في البيت الأبيض. يُعرف كل من روبيو ووالتز بموقفهما المتشدد تجاه الصين، حيث يعتبرانها تهديدًا كبيرًا للهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية.

   -الرسالة التي أرادت الحكومة الصينية توجيهها للولايات المتحدة عبر الكشف عن الطائرة المقاتلة الجديدة “جيه-36 حيث قال الخبير العسكري الأميركي بنيامين ينسن “إن المقاتلة الجديدة من نوع طائرات الشبح تجمع بين تقنيات التخفي والقدرة الهائلة على حمل الأسلحة والذخائر، مما يتيح لها تنفيذ عمليات جوية بعيدة المدى بسرعات فرط صوتية، ويجعل من ردعها تحديا كبيرا لأنظمة الدفاع الجوي الحديثة.”

   وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقابلة مع مارينا كيم ضمن مشروع “العالم الجديد”: “السبب الحقيقي وراء غضب الولايات المتحدة، هو أن الصين تتفوق على أمريكا بسرعة كبيرة وبثقة”.

   بل لعل أحد أهم الأهداف بتقديم الصراع الصيني على الروسي هو محاولة عزل روسيا عن الصين بداية ومجافاة الحليف الأوروبي بعد أكثر من 80 عاماً من التحالف ليدل على انقلاب جذري في السياسية الأمريكية ليهدف إلى عزل روسيا عن الصين وللتدليل على هذا: وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أوضح في حديثه لمنصة “بريتبارت-Breitbart” الإخبارية المحافظة بتاريخ 25 فبراير/شباط الماضي، أن ترامب وإدارته يطمحون إلى تقويض العلاقات الروسية الصينية، وأشار إلى أن هذا الوضع سيكون خطيراً على الولايات المتحدة، لأن “الأمر يتعلق بقوتين نوويتين متحالفتين ضد الولايات المتحدة”.
وقال: “أرى أن بقاء روسيا في مركز الشريك الثانوي دائماً للصين، واضطرارها لتنفيذ أي شي تقوله لها الصين بسبب اعتمادها عليها، ليس بالمآل الجيد لروسيا، ولا لأمريكا أو لأوروبا أو حتى للعالم أجمع”.
وهذا يؤكد على أن مسألة المعادن في شقها الأهم هو لأجل الصراع مع الصين وعدم اعتماد الولايات المتحدة على الصين في ظل الصراع وسياسية الاحتواء.