حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن (ج3)

استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن (ج3)

البرومين: ثروة البحر الميت المنهوبة من كيان يهود وأمريكا

 

لقد كان للأحداث المحلية والإقليمية، والحرب الأمريكية اليهودية على إيران وتداعياتها الاقتصادية المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز، واختناقات وتضييقات سلاسل التوريد العالمية المتعلقة بالنفط، والرقائق الإلكترونية، وأشباه الموصلات، وتوريدات الذكاء الاصطناعي؛ الأثر الكبير في زعزعة الاقتصاد العالمي وسوق المعادن الاستراتيجية كاليورانيوم، والبرومين، والليثيوم.

فعندما اخترقت الصواريخ الإيرانية الدفاعات الجوية (الإسرائيلية) في النقب عدة مرات ــ والتي أسفرت عن إصابة نحو 200 شخص في ديمونا وعراد الواقعتين في النطاق الجغرافي نفسه الذي يضم مواقع إنتاج وتحويل شركة (ICL) ــ أدى ذلك إلى توقف التصدير بعد إغلاق احترازي للمصانع. كما ارتفعت تكلفة تأمين مخاطر الحرب للسفن التي ترسو في الموانئ (الإسرائيلية)، لتصل التكلفة الإجمالية إلى 500 ألف دولار أمريكي للرحلة الواحدة.

ترتب على انكشاف كوريا الجنوبية تداعيات مباشرة على قطاع الذكاء الاصطناعي الأمريكي، تمتد عبر سلسلة توريد لم يسبق لمعظم صانعي السياسات الأمريكيين تتبعها؛ حيث تستثمر شركات مثل (مايكروسوفت، وأمازون، وجوجل، وميتا) مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وفقاً لجداول تسليم تفترض استمرار وصول المصانع الكورية الجنوبية إلى المواد الكيميائية اللازمة للحفر دون انقطاع. إذ يؤدي انقطاع البروم إلى:

  • تأخير حتمي في عمليات التسليم.
  • إجبار الشركات على إعادة التفاوض على العقود.
  • ارتفاع حاد في أسعار السوق الفورية.
  • تأخير نشر الخوادم والـمُخدّمات العملاقة.

ومن جراء هذه التداعيات، سنحت الفرصة لشركة “برومين الأردن” ــوتحت غطائها شريكها الأمريكي “ألبيمارل” (Albemarle) ــ للتحكم في ميزة استراتيجية فريدة، جعلتها مستفيداً رئيسياً من تقلبات الأسواق العالمية وأزمات سلاسل التوريد.

فوقوفاً على لغة الأرقام، وقبل التوترات الجيوسياسية الحالية (مطلع عام 2025)، كان متوسط سعر البرومين في منطقة الشرق الأوسط مستقراً عند نحو 1.54 دولار للكيلوغرام، ثم قفزت الأسعار الحالية في منتصف عام 2026 بشكل حاد؛ لتتراوح بين 2.52 و2.80 دولار للكيلوغرام، بزيادة قياسية تجاوزت 65%. أما في أسواق شمال شرق آسيا ــ المستهلك الأكبر للرقاقات ــ فقد انفجرت الأسعار لتصل إلى مستويات غير مسبوقة تناهز 5.52 إلى 8.16 دولار للكيلوغرام، وفي الصين تحديداً، تجاوز سعر الطن حاجز الـ 70,000 يوان مسجلاً أعلى قمة تاريخية له.

وبناءً على هذه القفزة السعرية واللوجستية التي شهدتها الأسواق العالمية، سجل الأداء المالي والتشغيلي للشركة تفاصيل استثنائية وقفزات تاريخية، وفقاً لأحدث البيانات والتقارير المالية الصادرة رسمياً عن الإدارة العليا لشركة “برومين الأردن” والمشاركة مع بورصة عمان؛ إذ بلغت أحدث الإيرادات التراكمية التاريخية للصادرات الكلية للشركة 1,9مليار دينار أردني (نحو 2.68 مليار دولار أمريكي).

ومع دخول مشاريع التوسعة حيز التشغيل الفعلي ــ مثل مشروع “نيبو” لخفض كلف الطاقة والمياه، ومشروعي “النسر” و”لافا”ــ والتحكم بـ ثلث (33%) الطلب العالمي للبرومين تزامناً مع قفزة الأسعار؛ يتوقع المحللون الصناعيون تخطي الإيرادات السنوية الصافية حاجز الـ 350 مليون دولار بنهاية العام الجاري 2026.

ومما يدل على أهمية ارتفاع هذه الإيرادات المتوقعة والتطلع للمزيد، الاهتمام البالغ بتسريع المشاريع المتعلقة بزيادة الإنتاج لتلبية الطلبات العالمية المتزايدة؛ فقد افتتح الملك مطلع الشهر الحالي مشاريع التوسعة (نيبو، والنسر، ولافا) خلال زيارة إلى شركة برومين الأردن في غور الصافي، وتبعها بأسبوع زيارة رئيس الوزراء الأردني للاطلاع على مشاريع التوسعة، ثم تبعها بعد أسبوع آخر زيارة السفير الأمريكي في عمان، “جيمس هولتسنايدر”، إلى مقر الشركة في منطقة غور الصافي للاطلاع على سير أعمال التوسعة. إذ تُمثّل شركة “ألبيمارل” أكبر استثمار أمريكي في الأردن؛ حيث تم توقيع وثيقة اتفاقية الشراكة بين شركة البوتاس العربية وشركة “ألبيمارل” الأمريكية لتنفيذ استثمار مشترك بقيمة 576 مليون دينار (813 مليون دولار) بدأ تنفيذه في الشهر الأول من عام 2025، والتي تحصل ــ كما ذكرنا سابقاً ــ على 50% من الأرباح لمجرد احتكارها لبراءات الاختراع في التصنيع التحويلي، وامتيازها بالتسويق والمبيعات العالمية لبرومين الأردن حصرياً.

رغم السياسات الاستعمارية الأمريكية والأجنبية في الهيمنة والاستحواذ على ثروات بلاد المسلمين، والاستفراد بها بلداً بلداً عبر باقة من امتيازات الشراكة المفضوحة اقتصادياً لنهب ثرواتها مقابل الفتات لشعوبها التي تعاني الفقر والبطالة، ومقابل حماية الأنظمة من السقوط ــ وهي الأنظمة التي تنتهج سياسة تمكين وحوش الرأسمالية بالتبعية والإذلال بعيداً عن أي تفكير، ولو جزئياً، بمصلحة رعاياها الذين هم السند الطبيعي لأي نظام حكم ــ بلغة الاقتصاد الرأسمالي الفاسد نفسه الذي تنتهجه سياسة النظام، يفترض التوجه بالانتقال من بيع مواد الثروات الخام إلى احتكار سلاسل القيمة المضافة عبر:

  1. إنشاء مصنع متطور محلياً: لتنقية البرومين وتحويله داخل الأردن إلى غاز بروميد الهيدروجين (HBr)، الأمر الذي سيرفع قيمة الصادرات من بضعة دولارات للكيلوغرام إلى عشرات الدولارات، ويجبر مصانع الرقاقات العالمية (مثل سامسونج وTSMC) على شراء الغاز النهائي من الأردن مباشرة.
  2. صناعة بطاريات تدفق البرومين والزنك: توجيه جزء من فوائض البرومين لدعم هذه التقنية الواعدة لتخزين طاقة الرياح والطاقة الشمسية للمدن؛ فالأردن يمتلك مساحات شاسعة لإنتاج الطاقة الشمسية، ودمج البرومين محلياً في قطاع الطاقة المتجددة سيجعل الأردن يُعيد تصدير “كهرباء نظيفة ومخزنة” إلى دول الجوار وغيرها، بدلاً من تصدير البرومين كمادة خام.

ومع الاختلاف الجذري في كيفية استغلال الثروات الطبيعية في بلاد المسلمين والأحكام الشرعية المتعلقة بها، لا بد هنا من الوعي بالسياسة العقيمة المتبعة في تمكين الشركات الأجنبية والأمريكية بامتيازات وعقود مشبوهة، مما يؤكد أن التحول نحو تكثيف استخراج الثروات إنما يصب في صالح النفوذ الأجنبي الأمريكي والتبعية التي أمعنت في ضياع هذه المقدرات وبقاء الأمة رهينة للكافر المستعمر، وليس من أجل رفاهية الناس وإنقاذهم من الفقر أو تحسين المستوى المعيشي وخفض الضرائب.

إن الوصول إلى الحل الجذري يتمثل في قيام دولة الخلافة التي باتت قريبة بإذن الله، وهو الحل العملي والمخلص الذي يرضي الله سبحانه وتعالى ويضع ثروات الأمة في أيدي أبنائها.

ولكن هذا لا يعني الركون وعدم الاستفادة من هذه الثروات حتى قيامها، بل هناك خطوات عملية يجب الضغط على النظام لتبنيها فوراً، والضرب على يده لإنفاذها، ومنها:

  • احتکار سلاسل القيمة المضافة: بدلاً من الوعود الجوفاء لـ “رؤية التحديث الاقتصادي” الرسمية.
  • إلزام الشركاء الدوليين: مثل (انفيديا وسامسونغ) بإنشاء مصانع تجميع لأشباه الموصلات داخل الأردن، لينتقل من مجرد مركز تعديني إلى مركز تكنولوجي متقدم.
  • تأسيس شركة ملاحة وشحن سيادية: لحرمان الشركات الوسيطة من أرباح اللوجستيات، خصوصاً في أوقات التوترات الجيوسياسية.
  • إعادة تفاوض ذكية: على حصص الأرباح وبراءات الاختراع مع الشريك الأجنبي (Albemarle) بهدف نقل المعرفة التكنولوجية إلى المهندسين الأردنيين بالكامل، مما يرفع الأردن إلى منصة سيادية تضعه على خارطة صناعة القرار في الثورة الرقمية العالمية.

إن إشادة النظام وحكوماته ووزرائه وإعلامه الرسمي المضلل بالشريك الأمريكي ما هي إلا ذر للرماد في العيون، وتغطية للإذعان المذل والهيمنة الأمريكية والتدخل السافر في كيفية إدارة الاقتصاد الأردني بما يحقق مصالحهم العليا، ضاربين بعرض الحائط ما يعانيه أهل الأردن من شظف العيش. فالإدارة الأمريكية تتخذ النظام مطية على حساب شعبه، وتزج به في صراعات دولية تضر بمصالحه الاقتصادية والسياسية.

فالشريك الأمريكي” مستعمر لا يعرف الصداقة ولا الشراكة؛ وليس أدل على ذلك من ممارسة واشنطن ضغوطاً علنية ومكثفة على الأردن لمنع شركة “هواوي” الصينية من بناء شبكات الجيل الخامس (5G)، رغم أن الأردن اعتمد تاريخياً على بنية تحتية من “هواوي” في شبكاته السابقة.

كما نظرت واشنطن إلى “مشروع العطارات للصخر الزيتي” ــ وهو أكبر استثمار خاص في الأردن ــ باعتباره امتداداً لنفوذ الصين عبر مبادرة “الحزام والطريق” وأنه يمثل “فخ ديون”، ورغم استمرار المشروع، فإن الضغوط الأمريكية وضعت حداً للاستثمارات الصينية وتوسعها مستقبلاً. إن سياسة النظام الأردني ما هي إلا التبعية والإذعان لتقديم التنازلات السياسية والاقتصادية لصالح الشريك الأمريكي لحماية مصالحه الاستراتيجية العليا.

يتبع…..

 

كبته للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

د. خالد الحكيم