حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن إفقار أهل الأردن بدأ مع نشأته كأداة سياسية استعمارية (ج1)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن

إفقار أهل الأردن بدأ مع نشأته كأداة سياسية استعمارية (ج1)

 

يحتضن باطن الأرض في الأردن ثروات ضخمة تتوزع جغرافياً في مختلف المناطق، وتشمل المعادن الأساسية كالفوسفات، والبوتاس، والبرومين؛ والمعادن الاستراتيجية والنادرة كالنحاس، والذهب، والليثيوم، واليورانيوم، والعناصر الأرضية النادرة؛ بالإضافة إلى الصخور الصناعية كرمل السيليكا، والكاولين، والفلدسبار، ومعدن الهالاميشيت البالغ الندرة، علاوة على مصادر الطاقة كالنفط، والغاز، والصخر الزيتي.

ويمتلك الأردن احتياطيات جيولوجية ضخمة تضعه في مصاف الدول التعدينية الكبرى عالمياً، وتتوزع أهم هذه الاحتياطيات كالتالي:

  1. أملاح البحر الميت (البوتاس، البرومين، المغنيسيوم): يُصنف البحر الميت كمخزون استراتيجي متجدد، وتُقدر الاحتياطيات القابلة للاستخراج بمليارات الأطنان من الأملاح الذائبة.
  2. الفوسفات: يمتلك الأردن خامس أكبر احتياطي عالمي من الفوسفات عالي الجودة، باحتياطيات مؤكدة تتجاوز 1.3 مليار طن في مناجم الشيدية والحسا والأبيض.
  3. الصخر الزيتي: يمتلك الأردن رابع أكبر احتياطي عالمي مخزون في باطن الأرض، ويُقدر بحوالي 70 مليار طن من الصخر الزيتي السيالي الممتد وسط وجنوب المملكة.
  4. اليورانيوم: هناك احتياطي مثبت ومحدد وفق المعايير الدولية يُقدر بنحو 42 ألف طن من أكسيد اليورانيوم (الكعكة الصفراء) في منطقة وسط الأردن، بخلاف الكميات الضخمة غير المستخرجة المصاحبة لخامات الفوسفات.

إن السردية السائدة التي ترويها الحكومات والنظام في الأردن هي أنه بلد فقير وأهله فقراء، وأنه شحيح الموارد ومن أفقر بلاد العالم في المياه ومصادر الطاقة، وأنه مضطر للعيش على معونات الدول العربية الغنية (وهي رهن الموافقات الغربية)، والمساعدات الأجنبية، والقروض الربوية، والوصفات الرعوية من مؤسسات النقد الغربية، والضرائب الباهظة المفروضة من جيوب مواطنيه ليواجه التحديات على حد زعمه، ليبقى على الدوام متنقلاً من غرفة إنعاش إلى أخرى.

ورغم أن الحكاية واضحة كالشمس؛ فالمشكلة من أساسها أن الأردن أُسِّس ليكون هكذا -أي ليبقى فقيراً- وتمت برمجته وانخرطت الحكومات والقوى الاستعمارية بالعمل على إفقاره، وحيك دوره وتم تفصيل حدوده ودفن ثرواته وتنصيب حكامه ليتناسب مع الأهداف السياسية لأجرم وأمكر استعمار غربي بريطاني أمريكي عرفه القرن الماضي.

لقد لعب الصراع والتنافس الاستعماري الغربي (البريطاني-الأمريكي) في القرن الماضي دوراً بارزاً ومباشراً في رسم الخارطة الاقتصادية والنفطية للأردن؛ حيث ساهم هذا التنافس الجيوسياسي في تأخير عمليات التنقيب الجَدّي عن الثروات الباطنة، وكرّس البنية الرعوية المعتمدة على المساعدات، مما شكل أحد الأسباب التاريخية لفقر البلاد وعدم استغلال مواردها مبكراً. (أسياد الصحراء، جيمس بار)

وهذا ليس ادعاءً بل هو أمر موثق في وقته ولاحقاً، كما ورد في المراجع السابقة والتالية:

أولاً: اتفاقية الخط الأحمر (Red Line Agreement 1928):

خضع الأردن جغرافياً وتاريخياً لهذه الاتفاقية النفطية السرية الموقعة في بلجيكا، والتي قسّمت كعكة النفط في الشرق الأوسط بين الشركات البريطانية والأمريكية والفرنسية. وبموجب هذا التوازن، كانت بريطانيا -القوة المستعمرة للأردن آنذاك- تفضل عدم إظهار أو استخراج أي كميات نفطية في الأردن لسببين:

  1. الحفاظ على احتكار وأسعار النفط المتدفق من حقولها الكبرى في العراق (كركوك) والخليج العربي.
  2. رغبتها في إبقاء الأردن منطقة عازلة (Buffer State) وقاعدة عسكرية لحماية الحدود الغربية، دون الحاجة لتحويله إلى مركز صناعي أو نفطي قد يجلب أطماع القوى الأخرى.

ويؤكد العديد من المؤرخين الاقتصاديين أن التقارير الجيولوجية البريطانية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كانت تتعمد إظهار الأردن كبلد “فقير كلياً بالموارد”، لتبرير عدم الإنفاق على البنية التحتية الاستخراجية، وإبقاء القرار الاقتصادي مرتبطاً بالمعونات البريطانية المباشرة.

ثانياً: الصراع على النفوذ وصعود الاستعمار الأمريكي

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ النفوذ البريطاني يتقلص لصالح الصعود الأمريكي الشرس في المنطقة، لا سيما بعد السيطرة الأمريكية على نفط السعودية عبر شركة أرامكو.

وقد مثل الأردن إحدى ساحات هذا الصراع الهادئ؛ فحينما حاولت شركات أمريكية مستقلة الحصول على امتيازات تنقيب في الأردن في الخمسينيات، واجهت عراقيل بيروقراطية وضغوطاً سياسية من الإدارة البريطانية الممسكة بمفاصل الدولة والجيش قبل تعريبه عام 1956. هذا التنافس عطل لسنوات طويلة أي جهد استثماري حقيقي لتقييم الثروات الباطنية كالصخر الزيتي، أو اليورانيوم، والفوسفات، والبوتاس؛ حيث يُذكر أن الجنرال كلوب (قائد الجيش الأردني) كان وراء تحطيم معامل البوتاس ونهبها عام 1948. ركّزت القوى الغربية الاستعمارية (بريطانيا وأمريكا) على حصر دور الأردن كـ “دولة ممر حيوية وآمنة” عبر مشروع خط أنابيب النفط عبر البلاد العربية (تابلاين) المملوك لشركات أمريكية لحماية تدفقات النفط العالمية.

ولضرورة فهم الأحداث اللاحقة حتى يومنا هذا، لا بد من إلقاء نظرة على استغلال كيان يهود لثروات البحر الميت على الجانب الغربي، وتمكينه ودعمه في سرقة هذه الثروات من الأردن وفلسطين ودعم اقتصاده. فالشركة “الإسرائيلية” الحالية وهي شركة “إسرائيل كوربورايشن (Israel Corporation)، تنافس في أسواق البوتاس والبرومين العالمية بشكل أساسي عبر ذراعها التشغيلي والتعديني الأكبر، مجموعة “آي سي إل(ICL Group) والتي تمتلك فيها الحصة الحاكمة.

في عام 1929، منحت سلطات الانتداب البريطاني امتيازاً رسمياً وحصرياً لـ “موشيه نوفوميسكي” لتأسيس شركة أُطلق عليها اسم شركة البوتاس الفلسطينية” (PalestinePotash Limited) لاستخراج الأملاح والمعادن من البحر الميت. وفي عام 1930، بدأ الإنتاج الفعلي في المصنع الأول للشركة عند الطرف الشمالي للبحر الميت (أريحا). وفي عام 1934، ونظراً لزيادة الطلب، أسست الشركة مصنعاً ثانياً وأكبر عند الطرف الجنوبي للبحر الميت (منطقة جبل سدوم)، وهي المنطقة التي تتركز فيها مصانع الجانب الغربي الحالية.

عند أحداث عام 1948، تعرض المصنع الشمالي للتدمير الكامل وتوقف عن العمل، بينما بقي المصنع الجنوبي تحت سيطرة القوات “الإسرائيلية”. وفي عام 1949 أنشأت “إسرائيل” في المنطقة الجنوبية المغتصبة من البحر الميت معملاً للبوتاس، وأخذت تستغل ثروة البحر الميت، وكان ينتج مائة وخمسين ألف طن من البوتاس سنوياً تُصدَّر إلى مختلف أنحاء العالم.

وفي عام 1968 جرى دمج “مصانع البحر الميت” مع منشآت الفوسفات والكيماويات الأخرى لتأسيس التكتل الضخم المعروف باسم “إسرائيل كيميكالز  (ICL) كشركة حكومية، قبل أن يتم تخصيصها بالكامل في تسعينيات القرن الماضي وتباع لـ “إسرائيل كوربورايشن.

فالشركة (الإسرائيلية) الحالية لم تبدأ من الصفر، بل ورثت بنية تحتية، وملاحات تجفيف، ومواقع لوجستية، ودراسات جيولوجية جاهزة تم بناؤها وتطويرها على مدار 18 عاماً (من 1930 إلى 1948) تحت مظلة الانتداب البريطاني، الذي كان يعمل على تجهيز البنية التحتية لقيام كيان يهود، وهو ما منح هذا الجانب أسبقية تشغيلية وتاريخية ضخمة في الأسواق العالمية على مرأى ومسمع الحكام العرب.

ونتيجة لاستغلال كيان يهود لثروات البحر الميت، تنبهت وتحركت الجامعة العربية لتقوم بعمل ما؛ ففي عام 1956 تأسست “شركة البوتاس العربية” بتوصية من اللجنة الاقتصادية للجامعة العربية برأس مال قدره 4.5 مليون دينار، وساهمت فيه ست دول عربية من بينها الأردن. وتم بناء مصنع تجريبي صغير في منطقة غور الصافي لإجراء الاختبارات الجيولوجية والكيميائية، لبناء ملاحات تجفيف وتكثيف، حتى توقفت العمليات والدراسات بالكامل نتيجة حرب 1967، وبقيت الأمور تراوح مكانها حتى عام 1982 حيث بدأ الإنتاج التجاري الفعلي وتصدير أول شحنة بوتاس أردنية عبر ميناء العقبة.

يمتد امتياز شركة البوتاس العربية الحالي، الذي منحته الحكومة الأردنية لمدة 100 عام لها ولشريكتها مناصفة (شركة ألبيمارل الأمريكية Albemarle)، حتى عام 2058، وهو امتياز زمني طويل لاستثمارات الشركات الأجنبية، شجعها على ضخ 813 مليون دولار عام 2025، وهو أكبر استثمار أمريكي في الأردن.

ويلاحظ هنا حجم الفارق بين استثمارات الجانبين الأردني وكيان يهود في نفس الجغرافيا، بمبررات لا ترقى للقبول اقتصادياً سوى الإذعان السياسي؛ حيث ركزت الإستراتيجية التشغيلية لسنوات طويلة في الأردن على تصدير البوتاس والبرومين كمنتجات أولية أو مواد خام دون الدخول في تعقيدات إنشاء مصانع تحويلية معقدة لإنتاج سلع نهائية. كما أنها تعذرت على مر السنوات الأخيرة بمشكلة الطاقة والمياه، يضاف إلى ذلك القيود المفروضة على براءات الاختراع والوصول للأسواق التي تحتكرها شركات كبرى مثل “ألبيمارل” الأمريكية، و”لانكسس” الألمانية، ومجموعة “ICL”. وهو ما تبرره سردية النظام بعدم إمكانية الأردن قانونياً أو تكنولوجياً إنتاج هذه المواد التحويلية -التي سنأتي على أهميتها وندرتها- بشكل منفرد دون التحالف مع الشريك الأمريكي (ألبيمارل)، الذي يمتلك الحق الحصري في التسويق وجهات البيع مقابل حصة تبلغ 50% من الأرباح.

…يتبع

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

د. خالد الحكيم