حدث في رمضان (فــتــح مــكـــــة)
كتبه الأستاذ حسن حمدان
بسم الله الرحمن الرحيم
حدث في رمضان (فــتــح مــكـــــة)
( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِين الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا).
في 20 رمضان 8 هـ، دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحاً في جـيش قوامه 10 آلاف رجل، وكانت ميمنة جيشه بقيادة “خالد بن الوليد”، والميسرة بقيادة “الزبير بن العوام” من ناحية الشمال، بينما كان المهاجرون بقيادة “أبي عبيدة بن الجراح” من ناحية الشمال الغربي، والأنـصار بقيادة “سعد بن عبادة” من ناحية الغرب.
قاد “عكرمة بن أبي جهل” 3000 رجلا من المشركين، فكانت المـقاومة ضعيفة، حيث بلغ عدد شـ هداء المسلمين ثلاثة من الفرسان، وهلك من المشركين اثني عشر رجلاً، حتى قال أبو سفيان عن ذلك “أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم”.
ودخل رسول الله ﷺ متواضعاً وهو يقرأ سورة الفتح، فأقبل إلى الحجر الأسود واستلمه، ثم عمد إلى تطهير صحن الكعبة من الأصنام (360 صنماً) وجعل يطعنُ الأصنامَ التي كانت حولها بقوس كان معه، ويقول: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» وجاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ»، ورأى في الكعبة الصورَ والتماثيلَ فأمر بها فكسرت وأبى أن يدخل جوف الكعبة حتى أخُرجت الصور.
ودخل الكعبة، وصلى بها، ثم خرج وقريش صفوفاً ينتظرون ما يصنع، فقال ﷺ: (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: (فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء). وأمر “بلال بن رباح” أن يصعد الكعبة فيؤذن. وفي اليوم الثاني خطب رسول الله ﷺ في الناس، وفيها:
(إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ)..
لقد كان فـتح مكة حدث مزلزل بمعنى الكلمة، حيث انتهت مرحلة التفوق الإقليمي بقيادة الدولة الإسلامية للجزيرة العربية بلا منازع بل أيضا بفتح مكة، وانتهاء ببنود صلح الحديبية والتفرغ للمرحلة الدولية عملياً، بفتح ملف الفتوحات الدولية والدخول في الصراع الدولي على أشده، حيث تحرك المسلمون إلى مؤتة وعسكروا هناك وتجهزوا للقاء العدو فالتقى الفريقان وتلاحم الصفان وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون مائتي ألف مقـ اتل من الروم، وكانت أول احتكاك دولي بدولة الروم، وبداية الدخول العملي للموقف الدولي.
وكانت غـزوة تبوك نقطة البداية لعملية للفـ تح الإسلامي لبلاد الشام والدخول في المعترك الدولي، توالت بعدها عـ مليات عـ سكرية متواصلة للفتح، والتي خاضها خـ لفاء رسول الله ﷺ من بعده، بل إن الرسول ﷺ قبل مؤته جهز جـيشا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة ليكون رأس حربة موجهة صوب الروم، وطليعة لجـ يش الفـ تح، ضم هذا الجـيش جُلَّ صحابة رسول الله ﷺ، ولكنه لم يقم بالمهمة إلا بعد وفاته في خـلافة أبي بكر الصديق الذي أدرك بحنكته السياسية أهمية بعث أسامة وأن الكـيان السياسي دخل الموقف الدولي الذي لا رجعة عنه قائلا بثقة السياسي المبدئي والذي عايش مراحل قوة الكـيان وأنه لا رجعة عن الولوج للموقف الدولي مهما كلف الأمر قائلاً لمن طالبه من المسلمين – ببقاء جيش أسامه لمحاربة المرتدين والقلاقل الداخلية أنه انتكاسة سياسية وخطر وتراجع لن تقوم للدولة قائمة بعدها – قال بكلمات قليلة لكنها أكدت أنه رجل المرحلة بلا منازع (والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جـيشاً وجهه رسول الله ﷺ، ولا حللت لواء عقده رسول الله ﷺ. فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم. فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام.
إنه الكيان السياسي المبدئي بعقلية رجال الحكم الذين أزاحوا قوى الكـفر العالمية، لتقتعد دولة الإسلام المكانة العظمى والأولى عالمياً في زمن قياسي.
اللهم أعدها كما كانت دولة عالمية خـلافة على منهاج النبوة.