حزب التحرير ولاية الأردن

نظرة في الجيوسياسية ج2

نظرة في الجيوسياسية ج2

يمكن القول من المنظور السائد عالميا في العصر الحديث أن مصطلح الجيوبولتيكا مكون من شقين Geo وتعني الجغرافيا، وPolitic تعنى السياسة، مما يوحى بوجود علاقة بين الأرض أو الجغرافيا مع السياسة، وعليه فالجيوسياسية أو الجيوبوليتيك هي علم دراسة تأثير الأرض (برها وبحرها وتضاريسها وجوفها وثرواتها وموقعها) على السياسة في مقابل مسعى السياسة للاستفادة من هذه المميزات وفق منظور مستقبلي أي علاقة تأثُر وتأثِير.

في عمقها البحثي، الجيوسياسية هي دراسة العلاقات الدولية من منظور مكاني أو جغرافي، أو هي جغرافية العلاقات الدولية حيث تعتبر أداة قوية لفهم التفاعلات الدولية وتأثير الجغرافيا على السياسة، ومن خلال تحليل العوامل الجغرافية والاستراتيجية، يمكن للدول أن تطور سياساتها الخارجية والعسكرية لتحقيق مصالحها في عالم معقد ومتغير، فالجيوبوليتيك مهمة لفهم العلاقات الدولية وصنع القرار السياسي، خاصة في سياق التنافس على القوة والموارد بين الدول سواء.

وهناك ثمة فروق يجدر الانتباه اليها فيما يتعلق بين الجغرافيا السياسية والجيوسياسية أو الجيوبوليتيك، فالجغرافيا السياسية ونعني بها ما هو ملك للدولة وما هو متاح لها ويكون اهتمامها وانشغالها في واقعها الفعلي، في مقابل أن الجيوسياسية أو الجيوبولتيك تهتم في المقام الرئيس بآليات البحث المستدام عن احتياجات الدولة لتنمو وتتمدد خارج حدودها، ونظرتها المستقبلية لما تود تحقيقه من أهداف وغايات.

والدول التي تهتم بجغرافيتها السياسية تنظر إلى ما لديها نظرة ثابتة، بينما الدول التي تتبنى فكرة الجيوسياسية أو الجيوبولتيك ترى أن حدودها ينبغي أن تكون متحركة نحو تحقيق غاياتها؛ فالتطور والامتداد أصل من أصولها، ومبدأ يعد راسخًا في سياستها، وفي ضوء ذلك نرى أن صورة الدولة تمثلها جغرافيتها السياسية، في مقابل أن الجيوبوليتك تسخر الجغرافيا في خدمة مصالح الدولة بزيادة قوتها عبر أخذ ما عند الآخرين ففيها روح عدوانية، مهما تباينت الطرائق والاستراتيجيات وتبدلت من حين لآخر وفق طبيعة الموقف وديمومة الصراعات بصورها ومستوياتها المختلفة.

في العصر الحديث، أصبح مصطلح “الجيوسياسية” و”الجيوبولتيك” يُستخدمان كمترادفين لشيء واحد في معظم التحليلات الإخبارية ورسم السياسات، كوصف للحالة أو الواقع الناتج عن تفاعل الجغرافيا مع العلاقات الدولية، ومنظوره وصف البيئة التنافسية بين الدول بناءً على مواقعها، مثل القول بأن “مضيق هرمز يمتلك أهمية جيوسياسية فائقة” لأن أي توتر عسكري فيه يهدد إمدادات النفط العالمية ويرفع أسعاره فوراً.

يُعد الخلط بين مصطلحات الجيوسياسية (Geopolitics) والجغرافيا السياسية (Political Geography) شائعاً جداً في المقالات والتحاليل السياسية، لكن لفهم العلاقات الدولية بدقة ككاتب أو قارئ، يجب التمييز بينهما واستخدامهما كأدوات تحليلية وفقاً للقواعد التالية:

  • الجغرافيا السياسية (Political Geography):الأرض هي الثابت“: تُستخدم كأداة “وصفية وتشخيصية” لدراسة تأثير الجغرافيا على تركيبة الدولة الداخلية وحدودها الحالية. هي تنظر إلى الدولة ككائن استاتيكي (ثابت) في لحظة زمنية معينة. ويكون تركيزها التحليلي على جرد الموارد الطبيعية، المساحة الجغرافية، طول الحدود، طبيعة التضاريس، والتركيبة الديمغرافية (السكانية). مثلما ورد في مقال سياسي،” تمتلك مصر حدوداً برية مشتركة مع قطاع غزة عبر معبر رفح، وتتحكم بقناة السويس التي يمر عبرها 12% من التجارة العالمية”، فهذا وصف واقع جغرافي ثابت للدولة.
  • الجيوسياسية أو الجيوبوليتيك (Geopolitics): “السياسة هي المتحرك تُستخدم كأداة ديناميكية وحركية لدراسة كيف توظف الدولة معطياتها الجغرافية المذكورة في الجغرافيا السياسية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وتوسيع نفوذها، ومواجهة خصومها. الجيوبوليتيك ينظر إلى الدولة ككائن حي يتحرك ويتمدد خارج حدوده لحماية مصالحه، ويكون تركيزها التحليلي في صياغة الاستراتيجيات العسكرية، بناء الأحلاف، السيطرة على المضائق، شن الحروب، وفرض العقوبات الاقتصادية بناءً على أبعاد جغرافية، وكمثال في مقال سياسي: “تستغل روسيا حاجة أوروبا التاريخية للطاقة لتمارس ضغوطاً جيوسياسية تهدف إلى منع تمدد حلف الناتو شرقاً وحماية فضائها الحيوي”، فهنا التحليل يربط الجغرافيا بالحركة والهدف السياسي للدولة.

 باختصار الجغرافيا السياسية تخبرك “أين تقع الدولة وماذا تملك”، بينما الجيوبوليتيك تفسر لك “ماذا تفعل الدولة بما تملك لتفرض سيطرتها ونفوذها عالمياً”.

تتجلى الجيوسياسية اليوم في أبرز الأزمات الدولية الحالية بأمثلة حية، من المشهد الدولي الراهن:

1- مأزق مضيق هرمز و البحر الأحمر (جيوسياسية الممرات المائية): يعتبر مضيق هرمز وباب المندب من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم لمرور النفط والتجارة العالمية، التي تحولت إلى أوراق ضغط خانقة، فعدم قدرة الولايات المتحدة على حسم هذا الملف عسكرياً بشكل كامل يوضح كيف يمكن لجهات فاعلة أو دول إقليمية أن تشل حركة التجارة الدولية وتتحدى القوة العظمى الأولى، مستغلة الميزة الجيوسياسية للمضائق البحرية.

2- الصراع الروسي الأوكراني (جيوسياسية “العمق الاستراتيجي” و”الفضاء الحيوي”): حيث تمثل أوكرانيا الخاصرة الرخوة لروسيا وعمقها الاستراتيجي، وحاجزاً طبيعياً بينها وبين تمدد حلف الناتو شرقاً، فترى روسيا أن انضمام أوكرانيا للغرب هو تهديد جيوسياسي وجودي يلغي أمنها القومي، هذا المأزق المستمر واستنزاف القوى يثبت أن صراع الدول الكبرى يدور حول مساحات النفوذ والجغرافيا السياسية، بغض النظر عن القوانين الدولية.

3- الصراع الصيني الأمريكي حول تايوان وبحر الصين الجنوبي (جيوسياسية “سلاسل الجزر”): تقع تايوان ضمن ما يُعرف بـ سلسلة الجزر الأولى التي تحيط بالصين وتتحكم بمسارات الملاحة نحو المحيط الهادئ، فضلاً عن احتكارها لصناعة الرقائق الإلكترونية، وتخوض الصين مواجهة معقدة لفرض سيادتها على بحر الصين الجنوبي لتأمين فنائها الخلفي، بينما تستميت أمريكا في دعم تايوان جيوسياسياً وعسكرياً لإبقاء الصين محاصرة جغرافياً ومنعها من التحول إلى قطب بحري مهيمن عالمياً.

4- عزل أوروبا الطاقي (جيوسياسية الطاقة والجيواقتصاد): أوروبا قارة مستهلكة ضخمة للطاقة وتفتقر للموارد، وكانت تعتمد تاريخياً على خطوط الأنابيب البرية القادمة من روسيا، ولكن بعد قطع الغاز الروسي، وجدت أوروبا نفسها في عزلة اقتصادية نسبية، واضطرت لإعادة صياغة علاقاتها الدولية بالكامل والبحث عن بدائل عبر ممرات بحرية مكلفة كالغاز المسال الأمريكي أو القطري، مما يوضح كيف تتحكم جغرافيا الطاقة بالقرار السياسي السيادي للدول.

يتداول العالم الغربي الجيوسياسية في علاقاته الدولية كخريطة طريق عملية ودليل استراتيجي لتأمين الهيمنة، وتطويق الخصوم، والسيطرة على خطوط الإمداد العالمية، ويُترجم الغرب الجغرافيا إلى أدوات نفوذ عبر استراتيجيات عسكرية واقتصادية واضحة تشكّل النظام الدولي المعاصر. فيمارس الغرب وتحديداً الولايات المتحدة وحلف الناتو الجيوسياسية عبر عدة آليات للنفوذ والسيطرة بعضها ما يلي:

  • سياسة الأحلاف العسكرية الكبرى: مثل تمدد حلف شمال الأطلسي (NATO) شرقاً لتطويق روسيا، وتأسيس حلف أكواس (AUKUS) وحلف كواد (QUAD) في المحيطين الهندي والهادئ لمحاصرة الصعود الجغرافي للصين.
  • السيطرة على الممرات البحرية وخنق المضائق: تبني أمريكا استراتيجيتها على الهيمنة البحرية المطلقة، وتنتشر أساطيلها (مثل الأسطول الخامس والسابع) قرب مضائق هرمز، باب المندب، ومضيق ملقا، لضمان التحكم في شريان الاقتصاد العالمي والقدرة على خنق الخصوم في حالات الحرب.
  • إقامة القواعد العسكرية المتقدمة: وضع مئات القواعد العسكرية في نقاط الارتكاز الجيوسياسية حول العالم خارج الحدود الأمريكية والأوروبية للتدخل السريع ومنع تشكل قوى إقليمية مستقلة.
  • الجيواقتصاد وسلاسل التوريد: توظيف الجغرافيا الاقتصادية للسيطرة على منابع الثروات مثل النفط، الغاز، والمعادن النادرة وعزل الدول التي تمردت على النظام الغربي عبر العقوبات الاقتصادية وحظر التكنولوجيا مثل عزل روسيا عن نظام سويفت المالي ومحاصرة قطاع الرقائق الإلكترونية في الصين.

أما القوى الكبرى المنافسة غير الغربية مثل روسيا والصين، إلى جانب حليفة الغرب التقليدية المتوجسة أوروبا، فتواجه الهيمنة الجيوسياسية الأمريكية بآليات تختلف جذرياً بناءً على مصالح كل طرف، حيث تسعى روسيا والصين لإنهاء القطبية الأحادية وبناء نظام متعدد الأقطاب، بينما تحاول أوروبا تحقيق استقلالية استراتيجية لحماية نفسها.

ويمكن ذكر بعض استراتيجيات هذه الأقطاب الثلاثة في مواجهة النفوذ الغربي كالتالي:

  • الصين: استراتيجية “الالتفاف الجيواقتصادي” وبناء البدائل:

تتجنب الصين المواجهة العسكرية المباشرة والمفتوحة مع أمريكا، وتعتمد على قوتها الاقتصادية كأداة جيوسياسية رئيسية مثل مبادرة الحزام والطريق، تفكيك هيمنة الدولار، وتأمين بحر الصين الجنوبي وطوق التكنولوجيا.

  •  روسيا: استراتيجية “الهجوم المضاد والكسر العسكري: تتحرك روسيا باندفاع عسكري خشن لكسر طوق الأحلاف الغربية وتعديل الخريطة الجيوسياسية بالقوة، فتعمل على تحطيم التمدد البري للناتو عبر الحرب على أوكرانيا، ومحاولة التحالف الاستراتيجي مع الصين لتوظيف التناغم الجيوسياسي، والسعي لاختراق مناطق النفوذ الغربي تاريخياً، مثل التمدد في أفريقيا.
  • أوروبا: مأزق “الاستقلالية الاستراتيجية” المتأرجحة: مثل السعي نحو “الاستقلال الاستراتيجي” بعد أزمات الطاقة وتأرجح المظلة الأمنية الأمريكية، تحاول أوروبا بقيادة فرنسا صياغة سياسة دفاعية وصناعية موحدة، والواقعية الاقتصادية تجاه الصين حيث تمارس أوروبا سياسة “تقليل المخاطر” وليس القطيعة؛ لأن الأسواق وسلاسل التوريد الصينية حيوية جداً لاقتصادها المنهك بسبب انقطاع الغاز الروسي.

يتضح من هذا الانشغال المتبادل والاستنزاف المستمر بين الأقطاب الحالية (أمريكا، روسيا، الصين، أوروبا) على رقعة الشطرنج الجيوسياسية الدولية، أن البيئة الدولية المتصارعة والمأزومة، تخلق “فراغاً جيوسياسياً” ومناخاً تاريخيا ملائماً، يفتح الباب لنشوء قوة مبدئية جديدة ومشروع حضاري كمشروع دولة الخلافة الذي يتبناه ويعمل لأجله حزب التحرير، تفرض نفسها ليس كلاعب دولي فقط، بل دولة حضارية تتولى القيادة الفكرية والسياسية للعالم وتخلص البشرية من جيوسياسية الهيمنة والإستغلال والعدوان، مستغلة عناصر قوتها الأيدولوجية المبدئية والجغرافيا والثروات العظيمة.

د. خالد الحكيم