الفرص السانحة للأمة الإسلامية (ج3 والأخير)
الفرص السانحة للأمة الإسلامية (ج3 والأخير)
قال رسول الله ﷺ: ( اغتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَك قبلَ هَرَمِك، وصِحَّتَك قبلَ سَقَمِك، وغِناك قبلَ فَقْرِك، وفَراغَك قبلَ شُغْلِك، وحَياتَك قبلَ مَوْتِك).
وفي حديث آخر عنه ﷺ قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ).
وفي حديث ثالث قال ﷺ: ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ).
وقال ﷺ: (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ).
في هذه الأحاديث دلالة واضحة على اغتنام الفرص وعدم تفويتها؛ ففي تفويت الفرصة حسرة وندامة في الدارين، والفرصة إذا لم تُنتهَز فهي غُصّة. قال خالد بن معدان: ( إذا فُتح لأحدكم باب خير فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يُغلق عنه).
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]. ومقولة سيدنا عمر -رضي الله عنه-: «حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا؛ فإنَّه أخفُّ عليكم في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ، وتزيَّنوا للعَرْضِ الأكبر»، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18].
ولقد هيأ الله تعالى للأمة الإسلامية الكثير من الفرص بعد أن أطبق الكافر المستعمر على الأمة فكرًا وممارسة وأثخنها بالجراح حتى كادت تموت، ولكنها محفوظة بحفظ الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].
ولقد تعرضت هذه الأمة العظيمة لكافة أنواع الغزو: الغزو الفكري، والعسكري، والثقافي، والاقتصادي، وشن عليها الأعداء شتى أنواع التشويه والتضليل، ورموها بكل ما أمكنهم من سهام الغدر والخديعة، وحاربوها بكل أنواع الأسلحة التي استهدفت دينها وثقافتها قبل أن تستهدف أجسادها وأبدانها.
وأمعن الكفر في مؤامراته بكل طاقته، وأنشأ جيوشًا من العملاء على كافة المستويات من أبناء جلدتنا لتنفيذ خططه وتحقيق أهدافه، وبقيت الأمة تحت وابل من المؤامرات والتضليل، وأُبعدت عن دينها وتاريخها وحضارتها، بل فقدت بعض الثقة -في بداية الأمر- في قدرة الإسلام على مواكبة الحياة وشموليته، حتى سكتت عن تطبيق الفكر الغربي العفن حتى طال أحكام أسرتها وميراثها ونظامها الاجتماعي، ولم يقف الأمر عند النظام الاقتصادي والحكم والعلاقات الخارجية… نتيجة التضليل الفكري والحرب على الإسلام.
وكان الغرب ينظر للأمة على أنها جسد ميت أثخنته الجراح وأفقدته قدرته على التفكير والحركة، واطمأن لبعض الوقت لنجاح خططه، لكن أقطاب مفكريه كانوا على حذر وخوف من تحرك الأمة؛ وهم يعلمون أن سر حياة هذه الأمة هو إسلامها ودينها ونظرتها الحضارية، وهي باقية بحفظ الله تعالى؛ فهذا المبدأ عصيٌّ على التدجين والتلاعب والتحريف، وعلاقة الأمة بدينها علاقة الروح بالجسد. لذا كان مفكرو الغرب يدركون أن ضعف الحركة مؤقت كمريض ألزمه المرض الفراش ولو طال، وكانوا على يقين بقدرة الأمة على الحركة والتغيير والنهوض من جديد، لذا وضعوا خططًا في أدراج المكاتب لتلك الفترة.
إن الأحداث الكبرى التي أصابت الأمة من فصل دينها عن الدولة، وتقسيمها، وضياع فلسطين، والمذابح والقتل والاضطهاد وتدنيس المقدسات وهتك الأعراض… كانت تحيي في الأمة بواعث الحركة والعمل، وخاصة بعد ضياع ما تبقى من فلسطين في عام 67؛ حيث كفرت الأمة بالقومية والوطنية والأفكار الغربية وخاصة الاشتراكية، وجعلتها تعود إلى دينها ونظرتها للحياة، وبدأت حركة هنا وحركة هناك فردية أو في منطقة ما، ولكن ليس على مستوى الأمة وبدون وعي -للأسف- لسنن التغيير، وبدون مشروع سياسي حضاري. فحملت فكرة العودة للإسلام بدون مشروع وتفصيل ووعي له، وكانت فكرة غامضة، وتقصّد الكفر مرغمًا تجذيرها من خلال المشايخ والعلماء وبعض الحركات، فلم تنجب هذه الفكرة الغامضة مولودها لأنها فكرة عقيمة غامضة، وطالت من خلالها مسألة التغيير.
ثم جاءت أحداث خطيرة من ضرب العراق واحتلاله، وأفغانستان، والشيشان، والبوسنة، والصومال، وضرب هنا وقتل هناك، وتقسيم السودان، والتطبيع مع كيان يهود والتنازل عن فلسطين… كل هذه الأحداث كانت تجعل غضب الأمة في مستويات قياسية، ولكن بدون وعي ومشروع وإدراك، حتى انتفضت الأمة في الربيع العربي كردة فعل على الظلم والقهر والفساد. وهنا تحركت قوى الغرب وأدواته، وأخرجت من الأدراج تلك الخطط المخزنة في التعامل مع حركة الشارع، حتى إن زعيمة العالم أخّرت خططها واستراتيجيتها في مناطق العالم كله لاحتواء خطر مبدئي داهم، خاصة بعد ثورة الشام وما رُفع فيها من شعارات بتطبيق الإسلام ورفع الراية واللواء والمناداة بالخلافة كحل وعنوان لما تعانيه الأمة من ضياع.
فتكالبت كل قوى الغرب وأدواته وأعوانه، واستعانت بكل شياطين الإنس والجن لوأد حركة الأمة وإسكات صوتها؛ فلم تكن ثورة الشام ثورة جياع ولا ثورة ضد الفساد -وإن كانت هذه مقدمات لها- ولكنها كانت ثورة الأمة، فتحركت كل الأمة معها وشارك فيها كل أبناء الإسلام، لأنها لم تكن ثورة وطنية ولا طائفية ولا معايشية، بل حركة للإسلام وهدف الأمة في التغيير.
حتى قال أوباما إن ثورة الشام شيبته: «أنا على ثقة تامة أن القسم الأكبر من الشيب في رأسي بسبب الاجتماعات التي عقدتها بشأن سوريا» (نقلاً عن سكاي نيوز). وكادت المنطقة تفلت من يد أمريكا، وهو أول صراع حقيقي بين الأمة وبين الغرب وأدواته.
ثم جاء طوفان الأقصى العظيم برغم الألم والقتل والتدمير والإبادة، وأعاد تغيير العالم كله وقلب الرأي العام العالمي. ثم جاءت الحرب مع إيران والتي تبين فيها ضعف الدولة الأولى وهزالها، وأنها وقفت ذليلة، وعجزت آلة الحرب الغربية عن فتح مضيق وتحقيق هدف، ومَرَّغت الحرب أنف أمريكا بالتراب -ولست هنا مدافعًا عن النظام الإيراني ودوره في تحقيق المصالح الأمريكية قبل الحرب ودوره في المنطقة- لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن الولايات المتحدة نمر من ورق.
هذه الأحداث ومعها هروب أمريكا من أفغانستان وتداعيات الخروج المذلة، أثبتت للأمة عدة أمور:
- أنها أمة حية ولن تموت، لأن سر حياتها كتاب ربها وسنة رسوله الكريم ﷺ.
- أن الأمة قادرة على التحرك وتغيير الأوضاع برغم ما نراه من كِبَر المكر وخبث الخطط وكثرة الأتباع والعملاء.
- أن جزءًا من هذه الأمة أثبت تحولاً جوهريًا وغير مفاهيم، وحطم أفكارًا كانت عقبات، وغيّر الرأي العام العالمي، فما بالنا لو اجتمعت هذه الأمة كلها!
- تبين للأمة ضعف القدرة الغربية، وأن الهالة الإعلامية والعملاء والطابور الخامس وبث مفاهيم الضرب والمرحلية هي من تقف أمام إزاحة هذا الصنم الجاثم على صدرها.
- زيادة ثقة الأمة بدينها وكفرها بما دونه.
لكن الأمر المؤلم الذي ينبغي أن تقف عليه هو أن العمل للتغيير له طريقة ومنهج، وليس مجرد ردة فعل وأحلام وخروج بالشوارع. التغيير فكرة عظيمة لم يتركها الإسلام للعقول البشرية، بل هي طريقة شرعية، وكما أن فكرة التغيير ووجوبها شرعية فكذلك طريقتها شرعية.
وقد جربت الأمة بعض التجارب في العمل المسلح والعمل النيابي واللعبة الديمقراطية، فماذا كانت النتيجة في الجزائر وتونس ومصر؟ وجربت أو وقعت في فخ العمل المسلح، فماذا كانت النتيجة في ليبيا واليمن؟ وجربت الاستعانة بالغرب والتقرب منه، فماذا كانت النتيجة في العراق؟
إن التغيير ليس حلمًا ولا أمنية، بل فرض فرضَه الله تعالى، وله سنن وقوانين وأحكام، ومرجعه الشرع لا العقل والتجارب، وعلى الأمة أن تدرك كم من فرصة وجدت لكنها فقدتها نتيجة عدم إدراك الطريقة الشرعية وعدم وجود المشروع السياسي المنبثق عن عقيدتها.
لكن الأمر الذي يؤكد حدوث التغيير أنه:
- وعد من الله، ولن يخلف الله وعده. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].
- وبشرى نبيه ﷺ في قوله: «إنَّ اللَّهَ زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها وإنَّ أمَّتي سيبلغُ ملْكُها ما زُوِيَ لي منْها…. «.
- وثالثها أن الأمة لا زالت في الميدان ولن تخرج منه إلا بنصر من عند العزيز الحميد.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
أ. حسن حمدان