مقال: دروس مستفادة من الحرب الأخيرة على إيران ولبنان
دروس مستفادة من الحرب الأخيرة على إيران ولبنان
في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026م قامت الولايات المتحدة الأمريكية وربيبها كيان يهود بشن حرب على إيران، توقفت في الثامن من نيسان/أبريل 2026م، ووصفت بحرب الأربعين يوماً، وتوقفت بهدنة وصفها المراقبون بأنها هشة.
ويسعى هذا المقال إلى استنباط الدروس والعبر المستفادة من هذه الحرب؛ فقد كشفت عن أمور كثيرة، جدير بالأمة الإسلامية أن تستنير بها في سيرها نحو النهوض، لتتمكن من إقامة دولتها؛ دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فتدرك واقعها وقيمتها وتعرف حقيقة أعدائها.
أول هذه الدروس للأمة هو حقيقة حكامها، فهم لم يكتفوا بتمزيق الأمة إلى كيانات هزيلة، محافظين على كراسيهم المعوجة، ولم يقتصروا على تمكين الكفار المستعمرين من ثروات الأمة ومواقعها الاستراتيجية، بل إنهم لم يقفوا محاربين ومدافعين عن البلد الإسلامي الذي تعرّض للهجوم الوحشي، حتى إنهم لم يدينوه، لكنهم لشدة خيانتهم وتآمرهم على الأمة مع أعدائها أدانوا هجمات إيران على القواعد الأمريكية التي في بلادهم، والتي كانت منطلقاً لهجمات أمريكا على إيران، وفتحوا أجواءهم ومياههم لأمريكا ويهود لمهاجمة إيران، بل إنّ منهم من جعل نفسه خط الدفاع الأول عن كيان يهود، فتصدى للمسيّرات والصواريخ الإيرانية المتجهة نحو كيان يهود، فأسقطوا ما استطاعوا إسقاطه منها على رؤوس شعوبهم، حتى لا تسقط فوق رؤوس يهود المغتصبين للأرض المباركة فلسطين. علماً أن كثيراً من دول العالم الأخرى (غير الإسلامية) رفضت السماح لأمريكا باستخدام أراضيها وأجوائها لمهاجمة إيران منها! فهل أدرك المسلمون حقيقة حكامهم؟ وهل أدركوا ماذا يجب عليهم تجاههم؟
ومن الدروس المستفادة أنّ الغرب كلّه لا يستطيع محاربة الأمة الإسلامية بطائراته وصواريخه وأساطيله وحدها، فلا بدّ له من أرض قريبة يستند إليها وينطلق منها لمحاربة أية أرض إسلامية، وظهر ذلك في حربه على العراق مرتين، وفي حربه على أفغانستان، وها هي أمريكا اليوم تعتمد على أراضي دول الخليج والأردن والعراق وسوريا. فلو أنّ الأمة الإسلامية تخلّصت من الحكام العملاء للغرب ووحّدت نفسها في دولة واحدة لما استطاع الغرب كله بقضه وقضيضه أن يحاربها، ولو استعان بأراضٍ قريبة غير إسلامية لأصبحت هذه الأرض جزءاً من العدوان على الأمة، وتصبح هدفاً لجيوش المسلمين، فكلّ من يساعد العدو هو عدو مثله. فعلى الأمة أن تدرك هذه الحقيقة، وتتخلص من حكامها العملاء، وتتوحد في دولة واحدة.
ومن الدروس أيضاً استغناء الأمة الإسلامية بثرواتها التي ينهبها الكفار المستعمرون بجريرة حكامها العملاء، فهي تملك من النفط والغاز ما يُغنيها أولاً، ولا يستغني عنه العالم ثانياً، وغيرهما من المعادن والمياه والأرض الزراعية والمناخ المتنوع، فهي تستطيع أن تبني قوتها الذاتية بنفسها دون الحاجة للآخرين، وتستطيع أن تتحكم في تصدير ثرواتها لمن تريد، فتحرم أعداءها الكفار المستعمرين من نهب ثرواتهم، ولكن لا بد لتحقيق ذلك من التخلص من الحكام العملاء.
ومن الدروس المهمة ما تملكه الأمة الإسلامية من مضائق بحرية وممرات مائية تتحكم في نسبة ليست قليلة من تجارة العالم، وقد أظهرت هذه الحرب أهمية مضيق هرمز الذي يقع تحت سلطان المسلمين، وقد وصفه “ديميتري ميدفيديف” نائب رئيس مجلس الأمن الروسي بأنه “سلاح نووي” (عن CNN)، وكذلك كشف عن أهمية مضيق باب المندب حين تم التهديد بإغلاقه، وكذلك قناة السويس التي تمر منها نسبة ليست قليلة أيضاً من التجارة العالمية، يضاف إليهما كل من مضيق جبل طارق، الذي ما زال حتى الآن يحمل اسمه الإسلامي، ومضيقي البوسفور والدردنيل في تركيا، فلو عادت هذه المضائق وممراتها إلى سلطان المسلمين لما استطاعت أمريكا الاقتراب من بلاد المسلمين، ولما فكّرت بالاعتداء على بلاد المسلمين، ولحسبت لذلك ألف حساب وحساب. ولكن ذلك لا يمكن دون التخلص من الحكام العملاء وبيعة خليفة واحد للمسلمين كلهم.
ومما نبّهت إليه هذه الحرب أن الأمة الإسلامية أمة واحدة من دون الناس، حتى لو تفرّق حكامهم العملاء بحسب ولاءاتهم لأسيادهم، بغض النظر عن مذاهبهم وطوائفهم، فأمريكا الكافرة وكيان يهود حاربوا إيران ليس لأنّ فيها نسبة كبيرة من الشيعة، بل لأنهم مسلمون، لا فرق بين شيعتهم وسنتهم، يقول وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث” في مؤتمر صحفي في الثاني من آذار/مارس 2026م: “لا يمكن لأنظمة متطرفة كإيران، المتشبثة بأوهام إسلامية نبوية، أن تمتلك أسلحة نووية”، فالكفار قد وضعوا المسلمين في سلة واحدة، والعجب من بعض المسلمين الذين يفرّقون بين المسلمين، وينحازون إلى جانب كيان يهود ضد إيران! منساقين وراء ما سعت إليه أمريكا بعد احتلالها للعراق من تمزيق المسلمين إلى سنة وشيعة، ومن يومها تولّى كِبرَ هذه الدعوة علماء السلاطين ممعنين في تمزيق الأمة الإسلامية إلى طوائف ومذاهب، ولكن لم ينتبه أولئك من علماء السلاطين، ولا أولئك المفرّقون بين المسلمين إلى أنّ أمريكا التي زرعت هذه الفتنة عادت لتضع المسلمين كلّهم في سلّة واحدة، ويتحمل وزرَ هذا التفريقِ اليومَ الحكامُ العملاءُ، والمنتفعون معهم من علماء السلاطين.
ومن الدروس التي كشفتها هذه الحرب انحياز بعض المسلمين لعدو الأمة ضد إيران، بحجة ما فعلته إيران في العراق وسوريا وغيرهما، علماً أن الذي فعل ذلك هو النظام الإيراني الذي يدور في فلك أمريكا، منفّذاً مخططاتها ومؤامراتها على الأمة الإسلامية، وليس الشعب في إيران هو الذي قام بذلك، ولا يقلّ إجرام نظام إيران بحقّ الأمة عن إجرام بقية الحكام، فمن منهم لم يحارب المسلمين بشكل مباشر أو غير مباشر؟ فتاريخ الحكام العملاء في بلاد المسلمين الأسود مليء بالإجرام في حق المسلمين، سواء كان في بلد الحاكم العميل أو في غير بلده؛ انظر إلى السعودية ومعها الإمارات في الحرب على اليمن، وانظر إلى تآمر الأنظمة في دول الخليج والأردن وتركيا ومصر والعراق ولبنان على الثورة السورية والقضاء عليها بالقوة وبالمال السياسي القذر، وانظر إلى تآمرهم مع أمريكا في الحرب في السودان، أضف إلى ذلك ما أجرم به كثير من الحكام العملاء بحق شعوبهم، فمنهم من قصفهم بالطائرات والبراميل المتفجرة، ومنهم من قصف شعبه بالسلاح الكيماوي، ومنهم من أهلك كثيراً من شعبه بإثارة فتن وعصبيات، ومنهم من قتل المتظاهرين في الميادين، ومن أولئك الحكام العملاء من ساعد كيان يهود في حربه على غزة فأمدّه بالنفط والغاز، ومنهم من أمدّه بالمواد التموينية، ومنهم من حمى حدوده ليمنع الأمة من نصرة أهل غزة… والمجال لا يتسع لذكر جرائم الحكام العملاء وأنظمتهم في بلاد المسلمين، فهل تتحمل الشعوب في بلادهم وزر جرائم حكامهم وأنظمتهم؟
والدرسان الأخيران اللذان نتعرض لهما في عجالة في ختام هذا المقال هما: حقيقة القوة الأمريكية، وحقيقة الأدوات الأمريكية. فقد تكشفت أمور متعلقة بالقوة الأمريكية لم تكن بحسبان كثير من أبناء الأمة الإسلامية، أهمها عجز الكفار عن مواجهة المسلمين وجهاً لوجه، وأنهم يقتصرون على المهاجمة عن بعد: بالطيران والصواريخ والمسيّرات، ولقد أثبتت الحربان السابقتان: حرب روسيا في أوكرانيا، وحرب غزة؛ أثبتتا أن مخزون الغرب من تلك الأسلحة والذخائر محدود يمكن أن ينفد، وقد حصل ذلك في نقص الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، التي كانوا يضطرون لإطلاق عدد منها في كل مرة لمواجهة مسيّرة قيمتها بضع مئات من الدولارات، وتبيّن أن أقصى ما يمكن أن يفعلوه هو التدمير والقتل، وكل هذا لا يعني الانتصار في الحرب، فلقد أحس ترامب بورطته في هذه الحرب، وأخذ يبحث عن سبل للخروج منها بماء وجهه الصفيق إن بقي عنده ماء وجه، وها هو قد قبل بشروط إيران، ظانّاً أن النصر سيكون في المفاوضات، ويبدو حتى ساعة كتابة هذا المقال أنّه قد خاب فأله، فانسحب وفده من المفاوضات دون جدوى.
أما حقيقة الأدوات الأمريكية التي كانت تهيمن بها على السياسة الدولية فقد فقدت كثيراً منها، ومن هذه الأدوات: حلف الناتو، وهيئة الأمم المتحدة، والعملاء. أما حلف الناتو فقد خذل أمريكا ولم يسايرها في حربها، وصرح عددٌ من دول أوروبا أن هذه الحرب ليست حربها، ومنع عددٌ منهم أمريكا من استخدام أراضيها وأجوائها، وأما الأمم المتحدة فقد سبق أن أدار ترامب ظهره لها، وانسحب من كثير من منظماتها، حتى فشل أخيراً في استصدار قرار من مجلس الأمن يخوّله استخدام كل الوسائل والأساليب لفتح مضيق هرمز بسبب استخدام كل من روسيا والصين حق النقض. أما الحكام العملاء في بلاد المسلمين فقد زادتهم هذه الحرب كشفاً وتعرية، وبيّنت أنهم ليسوا سوى أدوات بيد الكفار المستعمرين، وأنهم ليس لهم من الأمر شيء، ولم تتمكّن أمريكا من حمايتهم ولا حتى حماية قواعدها في بلادهم، مع محاولتها حماية كيان يهود من الضربات الإيرانية.
فيا أيها المسلمون، ويا أهل القوة فيهم: ألم تنكشف لكم حقيقة أمريكا وما آلت إليه؟ ألم تدركوا بعد أنكم قادرون على الوقوف في وجه أمريكا، بل قادرون على هزيمتها وردّها إلى عزلتها؟ بل إنكم قادرون على إقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وتكونون بها قادرين على حمل الإسلام إلى العالم كله رسالة هدى ونور وعدل؟ بل يمكنكم ذلك بالعمل مع حزب التحرير ونصرته وبيعته، فهو صاحب هذا المشروع، وهو الرائد الذي لا يكذب أهله.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
الأستاذ عبد الله أحمد