مقال: هل تشكّل حروب ترامب، التجارية والعـسكرية، نهايةَ الهيمنة الأميركية؟
بسم الله الرحمن الرحيم
مقال: هل تشكّل حروب ترامب، التجارية والعـسكرية، نهايةَ الهيمنة الأميركية؟
بعد مجيء ترامب إلى الحكم ووصوله إلى البيت الأبيض، كثرت التساؤلات حول نهاية الهيمنة الأمريكية، وبدأ هذا الطرح يتردد على ألسنة كثير من السياسيين والمفكرين. فقد جاء في مقال نشرته “الجزيرة” بعنوان (العملاق الأمريكي في لحظة السقوط): “امتد نقاش المفكرين إلى مآلات ومستقبل القوة الأمريكية، الركيزة الرئيسية لقوة الغرب الآن، وآفاق أفولها أو استمرارها بناءً على تحليل عوامل القوة ومصادرها وبنيتها، ومسارات تآكلها وتدهورها أو تعزيزها”.
وللإجابة عن هذا السؤال العميق، نحتاج إلى بحث أمرين في غاية الأهمية، وهما:
• واقع الهيمنة الأمريكية الحالي: خاصة في ظل ترامب وإدارته.
• أطروحات المفكرين والسياسيين الغربيين: حول هذه النقطة تحديداً.
وهنا تبرز أهمية الربط بين الفكرة والواقع؛ لكي لا يكون البحث مجرد خيال أو أمنيات أو أحلام وردية، بل استناداً إلى اعتراف أبرز خصوم القوم بما آل إليه حال الولايات المتحدة عامة، وفي عهد ترامب خاصة.
إن ما تعيشه الولايات المتحدة اليوم لا يُختزل في أزمة سياسة خارجية فقط -على أهميتها وخطورتها- بل في أزمات كيانها المثقل بالجراح؛ فأزماتها الاقتصادية باتت محل نقاش وجدل عالمي وداخلي. بل وتعدى الأمر إلى تصدير أزماتها للخارج، سواء كانت اقتصادية أو متمثلة في تآكل التماسك الاجتماعي وزيادة حدة الانقسام الداخلي، والحديث عن “الحـرب الداخلية” والمنظومة الفيدرالية ووحدة الولايات. كما ظهر “الشلل السياسي” وفقر النخب، وموت التربة المنتجة لرجال الدولة، حتى اعتلى عرشها من يوصف بأنه خريج الحانات ورواد “جزيرة إبستين”، الذي اتجه إلى العالم الخارجي كساحة حـ رب مع الجميع، مع تأجيل المواجهة في الجبهة الداخلية.
الحقيقة التي يجب أن تكون هي الأساس الذي لا نقاش فيه، هي أن سلوك أمريكا في كافة سياستها الداخلية والخارجية يعبر عن أزمتها في المحافظة على كونها الدولة الأولى في العالم، وأبرز تجليات هذه الأزمة هي الشقين السياسي والاقتصادي.
كتب جوزيف ستيغليتز مقالاً بعنوان “ترامب ونهاية الهيمنة الأميركية”، قال فيه: إن سياسات دونالد ترامب المتقلبة وغير القانونية قلبت “حقبة العولمة التي أعقبت الحـ رب العالمية الثانية رأساً على عقب، وأطلقت عملية ستُتوّج بفقدان الولايات المتحدة لمكانتها الرائدة على الصعيد العالمي”. (من مقال بعنوان: قراءة في أطروحة جيوفاني أريغي: لن يَهزم أميركا إلا أميركا نفسها!).
وقد عبّر بول كينيدي عن هذا بوضوح “مرعب” في كتابه الشهير “صعود وسقوط القوى العظمى” (1988)؛ إذ تقول أطروحته الأساسية حول “التوسع الإمبراطوري المفرط”: إنه عندما تتجاوز التزامات الدولة العـسكرية قدرة قاعدتها الاقتصادية على تحملها، يصبح الفشل الاستراتيجي حتمياً، فالقوة العـ سكرية لا يمكنها التعويض عن الصحة الاقتصادية الداخلية للأبد، وفي نهاية المطاف يفرض اختلال التوازن نفسه.
وكذلك جورج كينان، مهندس استراتيجية الاحتواء خلال الحـ رب الباردة، الذي حذر عام 1997 من أن توسع حلف الناتو سيكون “الخطأ الأكثر فتكاً في السياسة الأمريكية”، وذلك لأنه تجاهل كيفية استجابة القوى العظمى عندما تتعرض مصالحها الأمنية الأساسية للتحدي.
وكتب دانيال دبليو دريزنر وإليزابيث إن سوندرز: “فرغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن السبب الوحيد في انهيار النظام العالمي الذي ساد بعد عام 1945، إلا أنه في عامه الأول منذ عودته إلى السلطة، سرّع من وتيرة هذا الانهيار وساهم في تفاقمه. إن نهم ترامب للتوسع الإقليمي يقضي على أهم قاعدة سائدة، وهي أن الحدود لا يمكن إعادة رسمها بالقوة العـسكرية، وقد سمح له استهتاره بالمؤسسات المحلية بسحق أي محاولات داخلية لكبح جماح طموحاته التوسعية الخارجية” (مجلة البيان).
أما واقع الكيان السياسي الأمريكي في ظل ترامب:
بدايةً، تحدث ترامب عن احـتلال بنما واستخدام القوة العـسكرية ما لم تذعن لمطالب واشنطن. ودخل في عملية عـسكرية في فنزويلا أدت إلى اعتقال رئيسها، والسيطرة على النفط الفنزويلي، والتحكم بالقرار السياسي وعودة الشركات الأمريكية. كما هدّد كوبا ودولاً في أمريكا الجنوبية، وأدخل تعديلات جذرياً على “مبدأ مونرو”.
ودخل هو والكـيان الصـهيوني في حـرب مع إيـران لهدفين: جعلها دولة عـميلة، والاستحواذ على مواردها النفطية. وأدت هذه الحـرب إلى تداعيات كبيرة إقليمياً وعالمياً، وأدخلت العالم في نفق مظلم. كما هدّد باستخدام الضغوط الاقتصادية لإجبار 40 مليون كندي على رؤية بلادهم تهبط إلى مرتبة “ولاية أمريكية”، ودعا لتغيير اسم خليج المكسيك إلى “خليج أمريكا”، واقترح رفع الإنفاق الدفاعي لدول الناتو إلى 5% من ناتجها الإجمالي، وطالب بضم جزيرة غرينلاند، ودخل في صدام مع الحليف الأوروبي، داقاً مسماراً في نعش العلاقة مع الناتو.
الحروب التجارية:
منذ وصوله للحكم، أدخل ترامب العالم في متاهة الحـروب التجارية، مدفوعاً بأزمات اقتصادية أصبحت وجودية؛ حيث يُقدَّر إجمالي الدين الأمريكي (حكومة، شركات، أسر) بنحو 98 تريليون دولار، أي قرابة 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. وبلغ الدين الفيدرالي نحو 38.4 تريليون دولار مع مطلع 2026، ويواصل الارتفاع بوتيرة متسارعة.
والعامل الأخطر هو كلفة خدمة الدين؛ ففي مطلع السنة المالية 2026، تجاوزت مدفوعات الفائدة خلال شهرين فقط 170 مليار دولار، وهو رقم يقارب إجمالي حصيلة الرسوم الجمركية لعام 2025، ما يعني استنزاف الإيرادات قبل أي إنفاق تنموي. وعلى مستوى الأسر، بلغ الائتمان الاستهلاكي نحو 5.1 تريليون دولار بنهاية 2025، مع ديون بطاقات ائتمان تفوق 1.2 تريليون دولار في ظل فوائد مرتفعة، ما دفع الإدارة لطرح فكرة “سقف للفائدة” تحت ضغط الرأي العام.
ولمعالجة الأزمة، لجأ ترامب إلى فرض رسوم جمركية استهدفت حوالي 180 دولة ومنطقة. ورغم تحقيقها عوائد بـ 195 مليار دولار، إلا أنها تحولت إلى كلفة داخلية؛ فزادت تكاليف الإنتاج، وتضررت الزراعة، واضطرت الحكومة لتقديم دعم طارئ للمزارعين، وارتفعت الأسعار، مما أصاب قاعدته الانتخابية وتراجعت شعبيته.
إن هذه السياسات هي نتاج الأزمة الأمريكية المركبة. وبدلاً من المعالجة بخطة محكمة تعتمد الصبر الاستراتيجي، وتنشيط الاقتصاد، والقبول بفكرة الضعف الأمريكي والتعاون مع العالم، لجأت الإدارة إلى “سياسة البلـطجة” وشعار (أمريكا أولاً). إنها السياسة الرأسمالية التي لا تعرف صديقاً أمام مصلحتها، والتي ينفذها شخوص لا يدركون أبعاد السياسة العميقة، فحمل ترامب خنجراً ليطعن العالم، بعد أن طعن بلاده أولاً، لتصبح تحركاته كحركة “الجريح” الذي اشتدت شراسته بعد أن فقد عقله.
كتبه: الأستاذ حسن حمدان