مقاربة بين مشروعين أحلاهما مُر
مقاربة بين مشروعين أحلاهما مُر
إذا كان لإيران مشروع توسعي في المنطقة ينافس المشروع الصهيوني، مما يهدد وجود دول المنطقة وشعوبها (الدول العربية) -وهذا التصور للمشروعين مستقر في أذهان الزعماء العرب من الخليج وحتى المغرب- وبناءً على ذلك، قام هؤلاء الزعماء باستدعاء أمريكا؛ الحامي لكيان يهود والراعي لتمدد إيران في المنطقة منذ ثورة الخميني وحتى قبل (طوفان الأقصى) العلامة الفارقة للمنطقة.
لقد ساهمت هذه الرعاية في تمدد المشروع الإيراني، وبنت هذه الدول لأمريكا قواعدها في العراق والكويت والإمارات والسعودية وقطر والأردن لحمايتهم من هذا “الوحش الفارسي الشيعي الصفوي” (حسب وصفهم) الذي يريد ابتلاع المنطقة وإزالة أنظمتها من الوجود. وللعلم، فإن المشروع الصهيوني بُني على نصوص توراتية، وكذلك المشروع الإيراني مبني على تصورات ونبوءات مذهبية وأحاديث المهدي المنتظر؛ ولذلك فإن هذه الدول مستهدفة بهذين المشروعين.
إن لجوء الدول وانقسامها في النظرة للمشروعين، واحتمائها بعباءة أمريكا باعتبارها القوة العظمى التي يُلجأ إليها، وتسليمها زمام ومفاتيح الحماية، هو خضوع تام لإرادتها؛ تلك الإرادة التي تتبجح باستمرار -وعلى لسان زعيمها ترامب- بأنه “لولا حمايتنا لما جلستم أسبوعاً واحداً على كراسيكم ولما بقيت عروشكم”. بهذا الاستعلاء والازدراء يتعامل مع حكام المنطقة، ويبتزهم جهاراً نهاراً ويعريهم من على منصته الإعلامية وهو يسحب منهم الأموال بمئات المليارات.
وما دام أن هذه القواعد وُضعت لحماية المنطقة من الخطر الإيراني، فإن المشروع الصهيوني كذلك يهدد هذه المنطقة بمشروعه التوسعي التوراتي، وبالتالي فإن المنطقة في خطر تام، خاصة أن المشروع الصهيوني أخطر بكثير -حسب هذا التصور- لأنه محمي ومدعوم ومرتبط عقدياً بمشروع “من النيل إلى الفرات”؛ أي أنه يهدد مصر والسعودية والكويت والعراق وسوريا والأردن ولبنان. فهل يقبل عاقل أن يأتي بحامي المشروع التوسعي الصهيوني ويفتح له القواعد العسكرية ويرسخ أقدامه في المنطقة؟ وكيف يضع مفاصل البلاد تحت رحمته المهيمنة ويخاف من مشروع خارج الحدود، وهو قد أدخل “الدب” إلى بيته يسرح ويمرح، بل ويغطي البيت بشبكة مراقبة حثيثة ليل نهار؟!
وحتى ينكشف هذا الضلال، قامت أمريكا مع ربيبتها (كيان يهود) بمهاجمة إيران وقتل مرشدها. جاء الرد الإيراني سريعاً ومزلزلاً للدول التي فتحت مجالها الجوي ومنافذها البحرية وقواعدها التي أصبحت منطلقاً للهجوم. هنا كانت الصاعقة التي سقطت على رؤوس الحكام وهم في سكرتهم يعمهون: أين هذه القواعد التي أنفقنا عليها المليارات من أموال الشعوب المظلومة باسم الحماية؟ لكن العكس هو ما حدث؛ فقد أفرغت أمريكا هذه القواعد من جنودها وضباطها وتعاملت مع الهجوم الإيراني بالدفاع عن القواعد فقط، وتركت الدول المستضيفة نهباً للصواريخ الإيرانية تجوبها طولاً وعرضاً. فأين الحماية التي تبجح بها ترامب؟
إن هذه الحرب كشفت أن “المتغطي بأمريكا عريان”، وأن أسباب الذل لهذه الأمة ثلاثة:
- إقصاء دين الله عن الحكم والسيادة.
- الحكام الرويبضات الذين ضيعوا أموال الأمة على الملاهي والمشاريع التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ أبراج كلفت المليارات تهاوت أمام صواريخ بعشرات الملايين، ودول لا تملك الدفاع عن نفسها ترتعد عند أول صفارة إنذار.
- الانقسام تحت سلطان الأنظمة العلمانية التي تتقاطع مصالحها مع أعداء الأمة، فلا تبني قوة تلوذ بها ولا تهديها سبيلاً.
لقد كشف الله في هذه الحرب التي تدور رحاها على أرض الإسلام -وخاصة جزيرة العرب وبلاد الشام والرافدين- عناصر القوة التي لديها:
- أولاً: الموقع الاستراتيجي المتحكم بطرق التواصل بين الشرق والغرب.
- ثانياً: الخيرات وعصب الحياة (الطاقة والمناخ والمنافذ البحرية) التي يحتاجها العدو والصديق.
- ثالثاً: الأمة وما تملكه من روح الجهاد والاستشهاد التي تُرعب قوى الاستكبار التي جاءت لتقضي عليها بتفتيت الأمة وطمس هويتها.
- رابعاً: تآمر الأنظمة العربية والمسماة بالإسلامية على دين الله وعلى هذه الأمة العظيمة.
- خامساً: مشروعها العظيم “الخلافة الجامعة على منهاج النبوة”.
- سادساً: كشف ضعف أمريكا؛ فهي ليست قدراً محتوماً، فهذه إيران التي لا تملك سلاح جو موازٍ استطاعت بصمودها وأسلحتها التي بنتها خفية أن توجعها وتربكها وتكشف عوارها أمام العالم، وكذلك ربيبتها (كيان يهود) الذي يزبد ويعربد على أنظمة “الضرار” التي ترتعد خوفاً، يقف الآن أمام القوة الصاروخية عاجزاً.
- سابعاً: القواعد الأمريكية التي بنتها في بلاد المسلمين هي نقطة ضعف أمريكا وسهولة الوصول إليها، وقد قدمت أمريكا “فلذة أكبادها” غنيمة باردة لو كان هؤلاء الحكام أصحاب قرار. أما حاملات الطائرات (البط الأعرج)، والتي تعتبر قلاع أمريكا التي تجوب البحار طولاً وعرضاً ترهب وترعب بها الأعداء والأصدقاء عنوان التاج والقوة الأمريكية، فقد بان عوارها وأنها صيد سهل لا يخيف إلا الضعفاء.
كل هذه العلامات تدل على أن أمريكا “أوهن من بيت العنكبوت” لو كانت الأمة تعي مكامن قوتها. ولو أدركت ذلك، لما نامت ليلة واحدة حتى تسقط عروش الذل وتستعيد مجدها السليب وتاج خلافتها. وهذا تماماً ما تخشاه قوى الاستكبار: أن تستفيق الأمة وتستعيد مصدر عزها. فأين المشمرون عن سواعد البناء أمثال “سعد بن معاذ” الذي بايع رسول الله ﷺ فنال عزاً اهتز له عرش الرحمن؟
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
أ.سالم عبد الله