خبر وتعليق: تفاقم أزمة السكن المشترك: بين ضغوط الواقع وضوابط الشريعة
بسم الله الرحمن الرحيم
خبر وتعليق
تفاقم أزمة السكن المشترك: بين ضغوط الواقع وضوابط الشريعة
الخبر:
ومع تضخم الإيجارات وارتفاع أسعار المعيشة بشكل غير مسبوق، وجد كثير من الشباب أن تقاسم الشقق والفواتير لم يعد رفاهية أو تمرداً اجتماعياً فقط، بل حلاً اضطرارياً للبقاء. وبينما يصر المجتمع على رفض الفكرة علناً، تتسع الظاهرة فعلياً في عدد من مناطق عمان، خصوصاً في الأحياء القريبة من الجامعات والمناطق ذات الطابع الأكثر انفتاحاً، وفق تقرير “اندبندنت عربية”. (أخبار الأردن)
التعليق:
لقد حصر الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة (أي صلة الذكورة والأنوثة) بالزواج وملَك اليمين، وجعل كل صلة تخرج عن ذلك جريمة تستوجب أقصى أنواع العقوبات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5-7].
وللإسلام طريقة عيش خاصة ومتميزة عن غيره؛ فقد جعل للإنسان حياة خاصة وحياة عامة، ونظم كل حياة بمجموعة من الأحكام الشرعية وبينها في كتابه العزيز وسنة رسوله ﷺ معالجةً لجميع المشاكل التي تحدث فيها. ومن جملة هذه الأحكام التي عالجت هذه المشاكل، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: 27-29].
وفي رواية أن رسول الله ﷺ سأله رجل فقال: “يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال الرجل: إني معها في البيت! فقال له رسول الله ﷺ: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها”. بل حرّم الإسلام النظر إلى داخل البيت من غير إذن صاحبه؛ فقد روي “أنَّ أعرابيًّا أتَى بابَ النَّبيِّ ﷺ فألقم عينَه خُصاصةَ البابِ، فبصُر به النَّبيُّ ﷺ فتوخَّاه بحديدةٍ أو عودٍ ليفتأ عينَه، فلمَّا أن أبصره انقمع، فقال له النَّبيُّ ﷺ: أما إنَّك لو ثبتَّ لفقأتُ عينَك”.
هذه بعض الأحكام والأدلة على معالجة الإسلام للحياة الخاصة. وبين الإسلام كذلك أن المرأة تعيش في بيتها كحياة خاصة بلباس الحياة الخاصة، بخلاف لباس الحياة العامة وهو “الجلباب”، وأجاز لها أن تبدي الوجه والكفين فقط في الحياة العامة.
جاء في كتاب النظام الاجتماعي في الإسلام (من إصدارات حزب التحرير) صفحة 53: “وسبق أن تم بيان حكم الشرع في الحياة العامة كما جاءت به النصوص. أما الحياة الخاصة، فقد أباح الشارع للمرأة أن تبدي فيها ما يزيد عن الوجه والكفين مما يظهر عند المهنة (الخدمة المنزلية)، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ…﴾ [النور: 58]. فالله تعالى أمر الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم والعبيد بعدم الدخول على المرأة في هذه المرات الثلاث، ثم أباح لهم أن يدخلوا في غيرها، إذ عقّب على ذلك بقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾ [النور: 58]. وهذا صريح بأنه في غير هذه الحالات الثلاث يدخل الصبيان وعبيد النساء على النساء بغير استئذان، أي وهن في ثياب المهنة، فيفهم منه أن للمرأة في بيتها أن تعيش في ثياب المهنة، وأن تظهر بهذه الثياب على الصبيان وعلى عبيدها”. (انتهى للاقتباس).
وفي المقابل، حرّم الإسلام أن تظهر المرأة بثياب الزينة وإظهار مواضع الزينة إلا لأشخاص ذكرهم القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفلِّ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31].
ختاماً، فإن هذه الأخبار والوقائع مؤلمة وتحز في النفس، وليس الوضع الاقتصادي مبرراً لهذا العيش ولا القبول به، فضلاً عما يحيط به من محرمات ومخاطر لا تقف عند حد السكن المشترك فقط، بل المسألة أخطر من هذا. وهذا الحكم لا يجوز (أي الاختلاط غير المنضبط في السكن) ولو كان السكن المشترك بين الإخوة (إذا لم تراعَ العورات والاستئذان)، فما بالنا إذا كان مع آخرين لا تُعلم أحوالهم في ظل التكنولوجيا والفيديوهات والتصوير والتسمع وغير ذلك؟!
إن الأساس في هذه المشكلة هو غياب طراز الحياة الإسلامية الذي ارتضاه الله لنا، فضلاً عن سبب آخر وهو تقصير هذه الأنظمة وما آلت إليه أوضاع المسلمين من عدم توفير متطلبات الحياة الأساسية من مأكل ومسكن وملبس؛ فهي التي دفعت الناس إلى هذه المضايق نتيجة سياساتها الاقتصادية الجائرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
بقلم: أ. نادر عبد الحكيم