حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: البلطجة الأمريكية وسرقة ثروات العالم (ج3) خطة ترامب بين الإحكام والإخفاق

كتبه الأستاذ حسن حمدان

بسم الله الرحمن الرحيم

البلطجة الأمريكية وسرقة ثروات العالم (ج3) خطة ترامب بين الإحكام والإخفاق

 

    تحدثنا في مقال سابق عن الهدف الحقيقي من فكرة إنهاء الحرب في أوكرانيا وسرقة المعادن النادرة التي تهدف إلى التفوق في الصراع في مجال التكنولوجيا وعدم الاعتماد على الصين وترك روسيا للأوروبيين وهذا يؤدي إلى إضعاف الطرفين وتتفرغ هي للصين.

    ومما ذكر في المقال السابق: (ترى أمريكا اليوم بإن مكافحة مخاطر الصين الاقتصادية أولى من مكافحة مخاطر روسيا العسكرية، فمن ناحية فإن قوة الصين الاقتصادية تمكنها اليوم من بناء قوة عسكرية جبارة فيما لا تنعكس قوة روسيا العسكرية على اقتصادها المتهالك والمعتمد على بيع المواد الخام كالنفط والغاز والمعادن، ومن ناحية ثانية فإن “ندرة الموارد” – خاصة في المعادن النادرة – في أمريكا تجعلها عاجزة عن القيام بالعبأين معاً، فتقدم الصين لخطورتها وأهميتها وتترك للأوروبيين مكافحة روسيا، بل إن هذا يؤدي إلى إضعاف كليهما (أوروبا وروسيا)، وهو هدف أمريكي آخر يمكن تحقيقه بأيدي غيرها فيما تستخدم هي مواردها المحدودة وتركزها على احتواء الصين.” فضلا عن محاولة فك التحالف الصيني الروسي وإلغاء تحالف الضرورة بين البلدين.

    لكن، هل هذا الهدف ممكن وقابل للتحقيق؟! وهل يملك ترامب خطة محكمة؟ وهل لديه أدوات سياسية قادرة على تنفيذها؟ وأين هي خطّط المستهدفين وإمكانية قدرتهم على مقاومة بلطجة ترامب؟

    بداية لقد كانت الولايات المتحدة تتميز بفكر خلّاق جعل منها دولة عظمى، تخطط بعقلية متميزة جدا حتى قال الروائي الأمريكي هيرمان ملفيل: “نحن رواد العالم وطلائعه، اختارنا الرب. والانسانية تنتظر من جنسنا الكثير، ونحن نشعر في مكنون أنفسنا بالقدرة على فعل الكثير. بات لزاما على أكثر الأمم أن تحتل المؤخرة، إننا نحن الطليعة، ننطلق إلى البرية لنقدم ما لم يستطع تقديمه أحد”.

    هذا الفكر الخلّاق (الذي ينتج أفكاراً وحلولاً جديدة) بالإضافة لتميز الأمريكان بالتفكير خارج الصندوق والمألوف، هذه العقلية كانت تدرس المشاكل المتوقعة -وليست الواقعة حالاً- وتضع لها خططاً محكمة جداً، فأبدعت بقيادة العالم وأصبحت الدولة الأولى. لكن اليوم الولايات المتحدة ضعُفت عندها هذه العقلية وأصبحت تربتها مالحة جداً.

    ولنعد إلى بحثنا ومقالنا وحتى يكون الأمر بحثاً عملياً لا تنظيراً يجب علينا إنزال الأمر على الواقع، وسأبدأ من الناحية الاقتصادية ليس من باب أهميتها وخطورتها -وإن كانت كذلك-، فهناك ما هو أهم وأخطر في الناحية السياسية والنفوذ والمكانة الدولية، لكن تقديم الاقتصاد لسبب أولويته بالنسبة لإدارة ترامب.

الرسوم الجمركية:


    أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “أن الرسوم الجمركية التي تفرضها إدارته هي أداة رئيسية تهدف إلى تصحيح الاقتصاد الأمريكي”.كما وجه ترامب انتقادات حادة لكندا والمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي، متهما إياها بمعاملة الولايات المتحدة بشكل غير عادل.وقال ترامب: “الشيء السليم لتصحيح الاقتصاد هو ما نفعله الآن”

    والجميع شاهد كيف يقوم ترامب بفرض الرسوم الجمركية على مختلف دول العالم، ويهاجم الدول الصناعية والتجارية بأنها تسرق بلاده عبر خلل الميزان التجاري لصالح تلك الدول، ويطالب هذه الدول بمعادلة ميزانها التجاري مع أمريكا، ويعلن بأن أحب الكلمات إليه هي “الرسوم الجمركية”، ويصرح بأن الدولة ستجمع أموالاً كثيرةً من الخارج عبر فرض الرسوم الجمركية. “

    والرسوم الجمركية، هي إحدى الأساليب الاقتصادية التي تستخدمها الحكومات لتنظيم التجارة الدولية، بفرض رسوم على السلع المستوردة بهدف حماية الاقتصاد المحلي وتنظيم تدفق المنتجات بين الدول، ويعبر عنها بـ (الحمائية التجارية).

    ويزعم ترامب أن هذه السياسية هي القادرة على إنقاذ الاقتصاد الأمريكي وهو بسياسته هذه لا يفرق بين حليف وعدو وعميل وتابع، فالكل تحت مطرقة هذه الرسوم وبنسب عالية وبأسلوب فظ نحو الحمائية الدولية وهو بذلك:
–  يقضي على الحرية التجارية التي نادت بها لسنوات وصاغت مبادئها في منظمة التجارة العالمية، ويقضي معها على أهم ركائز العولمة، بل ويقضي على أهم أسس المدرسة الرأسمالية التي قامت عليها الولايات المتحدة، بل والمبدأ الرأسمالي (دعه يعمل دعه يمر) حيث شدد سميث، على أنه لا يوجد أي سبب يدفع الحكومات للتدخل في الاقتصاد، عبر فرض تعريفات جمركية أو حد أدنى للأجور.

 – فرض هذا النوع من الضرائب الوقائية على المنتجات المستوردة بكميات كبيرة يشكل تهديدا للصناعة المحلية، كيف لا وهي قائمة على حرب تجارية وسيكون للدول المتأثرة مقاومة ورد وعقوبات وتعريفات مما يترتب عليها دورة من التعريفات المتزايدة وقيود التجارة. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ركود اقتصادي محلي، وتوتر في العلاقات الدولية، وتعطيل في سلاسل التوريد العالمية، وغلاء في الأسعار محلياً وقلة في التصدير.

– أثرها السيء على المستهلكين عندما تصبح السلع المستوردة أكثر تكلفة بسبب التعريفات الجمركية، فيواجه المستهلكون أسعاراً أعلى مما يقلل من قوتهم الشرائية (التضخم)، ويحد من قدرتهم على الوصول إلى مجموعة واسعة من السلع والخدمات. وتدعي إدارة ترامب أن هذه المسألة زمنية لحين التوصل إلى اتفاق ولكن المشاهد المحسوس على فرض صحة قولهم أن هذه المدة الزمنية طويلة، ولا تنبأ بخير في ظل حرب تجارية قاسية، فضلا عما يعانيه الاقتصاد العالمي من أزمات وركود وتضخم وتراجع وحديث عن فقاعات اقتصادية، لذا كان التقليل من هذه الأمور خطأ جسيم ونظرة قاصرة.

يُؤكد غرينهاوس أن الرسوم الجمركية تُقوض النمو الاقتصادي الأمريكي بشكل كبير. ويشير إلى أن الرسوم تعطل سلاسل التوريد، مما يؤدي إلى تعطيل الإنتاج في المصانع وتراجع الاستثمارات في المعدات الجديدة.
كما يلفت غرينهاوس إلى التأثير السلبي للرسوم الجمركية على العلاقات التجارية الدولية، حيث أضرّت الرسوم بكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، مما زاد من توتر العلاقات مع أقرب حلفاء أمريكا. بالإضافة إلى ذلك، يرى غرينهاوس أن تصعيد ترامب في استخدام الرسوم الجمركية يُعزز من النفور الدولي تجاه الولايات المتحدة، ويُهدد بتدمير التحالفات التي كانت أساسية في الحفاظ على السلام والازدهار بعد الحرب العالمية الثانية. (ستيفن غرينهاوس، “الغارديان”، 24 مارس 2025).

–  يرى توماس فريدمان “أن ترامب كان محقا في اعتقاده بأن هناك حاجة لمعالجة الخلل التجاري مع الصين، إلا أنه يرى أنه كان بإمكان الرئيس الأميركي أن يقوم بذلك من خلال زيادة الرسوم الجمركية المستهدفة على بكين، بالتنسيق مع حلفاء الولايات المتحدة الذين يتعين عليهم فعل الشيء نفسه، معتبرا هذه هي الطريقة التي تجعل الصينيين يتحركون وليس طبعا من خلال فرض رسوم جمركية ضخمة على المكسيك وكندا ثم يؤجل سريانها، ويضاعف الرسوم الجمركية على الصين وينذر أوروبا وكندا بفرض المزيد منها.

وخلص الكاتب إلى القول إذا كان ترامب يريد أن يحدث تحولا جوهريا في الاتجاه المعاكس فهو مدين للبلاد بأن تكون لديه خطة متماسكة، تستند إلى اقتصادات سليمة وفريق يمثل الأفضل والأكثر ذكاءً، وليس الأكثر تملقا من اليمينيين المتطرفين.

ويرى الكاتب والصحافي الأميركي المخضرم توماس فريدمان بأن ما يقوم به ترامب باعتباره وصفة للفوضى في الداخل والخارج، ويقول: (إن أفعال ترامب وماسك تعادل إلقاء قنبلة في قلب جهاز الأمن القومي، وفي نهاية المطاف ستنفجر هذه القنبلة ولن يكون هناك ملاذ آمن يمكن للولايات المتحدة الاحتماء فيه).

    هذه بعض النقاط المتعلقة بالاقتصاد، والتي تؤكد ضعف خطة ترامب -إن كانت لديه خطة أصلاً- مع آراء بعض المفكرين لتدل على أن إدارة ترامب تسير بالاتجاه المعاكس، وإدخال الاقتصاد الأمريكي في أتون حروب تجارية ستكون لها آثارها السلبية ليس فقط على الاقتصاد الأمريكي، بل والعالمي والكل يسير نحو الخسران.