حزب التحرير ولاية الأردن

نهاية الغرب: من الهيمنة إلى الانحدار!

 

نهاية الغرب: من الهيمنة إلى الانحدار!

 

إن الحديث اليوم في ظل المرحلة الحالية من انقسام الغرب وتفتت مجتمعه، والحروب، وظهور الوهن والخوف، وضعف الاقتصاد، وظهور قوى أخرى وأفول غيرها أو ضعفها؛ يجعل الحديث عن أفول الغرب ونهاية الهيمنة الغربية ذا قيمة كبيرة؛ خاصة للأمة الإسلامية التي فقدت مكانتها ودورها العالمي بسبب غياب دولتها المبدئية. والأصل فيها مراقبة الوضع الدولي وسرعة العمل في هذه الظروف لتعد كما كانت؛ أمة ودولة تهتز لها جنبات الأرض. والله تعالى شرع لنا متابعة الموقف الدولي حتى في لحظات الضعف، حيث كان المسلمون بلا دولة، ضعفاءُ معذبين في مكة. وقد لفت القرآن الكريم أنظار المسلمين لمتابعة الصراع الدولي بين الدول الكبرى واستشراف تحولات الدول، فقال تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ).

 

فما الذي يهم المسلمين سواء غلب هذا أو ذاك؟ لكن الله يعلمنا أننا أمة القيادة والريادة والموقف الدولي. نحن لا نتكلم بمجرد العاطفة أو التفاؤل، إنما نتكلم من منطلق النظر إلى الواقع المدرك والمحسوس، الذي بات الجميع يدركه ويعترف به قادة الغرب مفكرين وسياسيين.

فمثلاً، يقول برتراند رسل: “لقد انتهى دور الرجل الأبيض”. ومن أوضح الكتب على ذلك كتاب أُلِّف في العشرينيات من هذا القرن، وهو كتاب “تدهور الحضارة الغربية“ الذي ألفه الفيلسوف والمفكر الألماني أوزوالد شبينغلر، وهو يتحدث عن الحضارة، حيث درس اندثار الحضارات والعوامل والأسباب والمقدمات. وكذلك حسب الفرنسي “ميشيل إنفري” في كتابه “انحطاط” (Décadence)، الذي رأى في المركزية الطاغية وتراجع التفكير في القضايا المصيرية والجوهرية من الأسباب الجوهرية للانحدار، وأطلق مقولته الساخرة: “لقد غرقت السفينة، لكن بقي لنا أن نغرق بأناقة”.

 

للأسف، لا زال البعض يستغرب هذا الطرح لما يراه من مفارقة عجيبة بين دول الشمال المتقدم والجنوب المتأخر، ويعود السبب لشدة انطباعهم بحضارة ونهضة أوروبا، والتي قامت على أساس فكري (المبدأ الرأسمالي). صحيح أن أوروبا قامت على مبدأ، لكنه مبدأ وضعي من صنع وإنتاج البشر، فيه ما في الإنسان من ضعف وعجز ونقصان واحتياج، وفيه من التناقضات والأخطاء لطبيعة تكوين الإنسان كونه محدوداً. وكذلك هذا العقل الذي أبدع في مجال التكنولوجيا والاختراعات والذكاء الاصطناعي، ليس من قدرته ولا عمله ولا دوره التشريع وتنظيم حياة الإنسان؛ فالعقل فوق كونه محدوداً، هو يبحث فيما يدركه فقط.

 

والمراد قوله: إن نهضة الغرب لم تكن صناعية ولا عمرانية ولا زراعية، فهذه نتائج؛ وكذلك أفول الغرب ليس بسبب العوامل التي يذكرها المفكرون وإن كانت مهمة ومحل ذكر. لأن النهضة هي الارتقاء الفكري وليست الصناعية والعمرانية وغيرهما، وحتى تكون النهضة صحيحة لابد أن تبنى على أساس روحي. فإذا كانت النهضة خاطئة كانت مؤقتة وغير دائمة، ولو بقيت لحين بعض آثار النهضة كالقوة العسكرية والاقتصادية وغيرها.

 

والغرب، كما قلنا، فقد النظرة الصحيحة منذ بداية نهضته، فقامت نهضته على أساس خاطئ، وما كان كذلك لابد أن تكون نهضته مؤقتة، مع عدم إغفال العوامل والأسباب والمقدمات في دراسة اندثار الحضارات. وهنا نعيد التذكير للمسلمين وأنتم ترون بأم أعينكم ضعف الغرب حضارةً ودولاً، وقد ظهر لهم فساد نظرتهم حتى اعترفوا بهذا، حيث دعا الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي إلى إعادة تأسيس النظام الرأسمالي العالمي وإكسابه بعداً إنسانياَ وأخلاقياً، معتبراً أن الأزمات المالية المتلاحقة (خاصة أزمة 2008) كشفت عن “أخطاء جسيمة” في تطبيق الرأسمالية. والمشكلة ليست في تطبيقها بل في جوهره وأسسه.

 

ومثلاً، يقول أبتون سنكلير، ولينكولن ستيفنز، وإيدا تاربيل، حول ما أنتجته الرأسمالية من فساد وظلم: “بأن الرأسماليين الأمريكيين قد جوعوا العمال حتى الموت. فالرأسمالية لا تملك الضمير الطيب والثقة الصادقة، ففي ظل الرأسمالية تتحقق المكاسب والأرباح عن طريق التواطؤ والجريمة وليس عبر وسائل نظيفة”. ولطالما كانت أغلب الثروة في الولايات المتحدة محتكرة من جانب قلة من الرأسماليين وليس الطبقة العاملة.

 

الرأسمالية فكرة متوحشة لا تليق بالإنسان ولا ترتقي به نهضة صحيحة، والذين يملكون النظرة الصحيحة هم المسلمون؛ فأين أنتم من العمل لوضع تلك النظرة موضعها ومكانتها الصحيحة لتنهض بالإنسان كله نهضة صحيحة تنهي توحش مبادئ الأرض وعنفها؟ فالمسلمون اليوم لديهم فترات ذهبية لتكون حضارتهم هي الحضارة التي تحكم العالم وقد سبق لها هذا، وما عانت البشرية من ظلم ولا ضنك ولا اضطهاد. ولذلك نقولها بكل ثقة: إن وجود المبدأ الإسلامي بحضارته ودولته، فوق كونه فريضة شرعية، هو كذلك ضرورة بشرية.

 

عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زُوِيَ لي منها“.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

حسن حمدان