بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

إستقبال شهر رمضان

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:


فقد نشرت وزارة الأوقاف نظرتها لخطبة الجمعة ليوم الخامس والعشرين من شهر شعبان لعام 1439 هجرية الموافق  للحادي عشر من شهر أيار لعام 2018 ميلادية عن استقبال شهر رمضان الفضيل ولنا مع هذه الخطبة وقفات...

 

أولاً:

لم تنس الخطبة الموحدة كما عودتنا أن توجه الناس إلى فضائل الأعمال والمتعلقة بالفرد والإكثار منها في شهر رمضان متجاهلة كعادتها أن خطبة الجمعة هي الخطاب السياسي الرعوي للأمة في كل شأن عام يتعلق بالأحداث العامة والقضايا المهمة، وتوجيه المسلمين نحو العمل المنبثق عن العقيدة، خطابا يتناول قضايا الأمة الإسلامية بالخطاب الشرعي التكليفي لعلاج مشكلاتها وأزماتها.

 

وأي مشكلة وأي أزمة تعيشها الأمة الإسلامية اليوم وقد استبيحت دماؤها وانتهكت أعراضها واحتلت مقدساتها ونهبت ثرواتها وأصبحت تغزى وتحتل وتقتل في كل مكان وزمان،  وقد قال العز بن عبد السلام سلطان العلماء : (من نزل بأرض تفشى فيها الزنى فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان ).

 

لقد أدرك الغرب حقيقة الإسلام وقوته بوحدة الأمة فعمل على تفريقها في كل شأن من شؤونها وما نراه اليوم من اختلاف بلاد المسلمين في بداية الصيام ونهايته إلا مظهرا من مظاهر الحرب على الإسلام في الوقت الذي يعلم الجميع أن الخطاب في الحكم الشرعي هو للمسلمين وليس لشعب ولا فئة، ولا يتعلق الخطاب بحدود الغرب المجرم حدود سايس بيكو، ففي كل عام يتكرر المشهد في تعدد الرؤية واعتماد بعضهم على تولد الفلك في الوقت الذي حدد الإسلام وألزم بالرؤية البصرية و لكل المسلمين في العالم وليس برؤية بلد دون بلد  فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيته ، فصام وأمر الناس بصيامه.

 

ثانيا:

في الوقت الذي يقبل فيه المسلمون على قراءة القرآن والإكثار من تلاوته وختمه مرارا فإن الواجب أن نذكر المسلمين ان القران إنما نزل ليحكم بين الناس وليس لمجرد القراءة على ما فيها من أجر عظيم وثواب كبير، فلقد أنزلَ الله تعالى القرآنَ على رسوله الكريم ليعلّمه لأصحابِه وللمسلمين، وليكون منهاجاً لحياتهم في كافة شؤونهم  يطبّقون أوامره ويتجنبون نواهيه، فالعمل بالقرآن في كيان سياسي أي دولة إسلامية تطبقه هو حقيقة الإسلام  لقوله تعالى:

{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا }

وترك العمل به هو سببُ الشقاء في الدارين لقوله تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ }

و يقول ابن عمر - رضي الله عنهما- : { كان الفاضل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ، ورزقوا العمل بالقرآن ; وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به }

 

ثالثا :

إن  تفريغ الإسلام من مضمونه وحصره في إطار العبادات الفردية  من صلاة وصيام وقراءة قرآن وقيام مهمة الأنظمة في بلاد المسلمين وأدواتهم، فشهر رمضان  كما هو شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن، هو أيضا  شهر الجهاد شهر المعارك والفتوحات شهر الغزوات والإنتصارات، وشهر حمل الدعوة إلى الناس ونشر رسالة الاسلام لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فخير معارك هذا الشهر الكريم وأشهرها على الإطلاق معركة بدر الكبرى حيث كانت في السابع عشر من هذا الشهر الفضيل للسنة الثانية من الهجرة ، و قد كانت معركة الفرقان فيها أعز الله الإسلام وأهله وأذل الشرك وأهله.

 

فيه فتح مكة وكانت في رمضان سنة ثمان للهجرة ، وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في العاشرمن رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه.

 

وفيه عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك وكان ذلك في السنة التاسعة من الهجرة ، حيث كان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في رجب ، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً أقام منها عشرين يوماً في تبوك ، والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهاباً.

 

هذه أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم قائد الدولة الإسلامية وحاميها في شهر رمضان؛ الغزوات والفتوحات والجهاد في سبيل الله مع الصلاة والصيام والقيام وقراءة القرآن. وقد دأب من خلفه من الخلفاء والأمراء على هذه السيرة سائرين بأمر الله عز وجل : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

 

ففي رمضان فتح عمورية لسنة 223 هجرية في ذات يوم بدر الكبرى، فتحها الخليفة المعتصم بالله العباسي  قال ابن الأثير" :ولما خرج ملك الروم وفعل في بلاد الإسلام ما فعل بلغ الخبر المعتصم فلما بلغه ذلك استعظمه وكبر لديه وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم وامعتصماه فأجابها وهو جالس على سريره : " لبيك لبيك " ، ونهض من ساعته ، وصاح في قصره : " النفير النفير " - " الكامل " ( 6 / 40 ).

 

فمن للمسلمين من خليفة كالمعتصم ينتقم لحرائر المسلمين ويحمي بيضة الإسلام ويفتح البلدان ، قد قال أبو تمام في فتح عمورية:

السيف أصدق إنباء من الكتب ......... في حده الحد بين الجد واللعب

 

وبتصرف لقول أبي تمام نقول لحكام الضرار حكام البلاد الإسلامية الذين اعتادوا الشجب والاستنكار والكذب على شعوبهم...

السيف أصدق إنباء من الشجب.......... في حده الحد بين الصدق والكذب

 

في رمضان المبارك فتح حارم  بكسر الراء وهي :حصن حصين ، وكورة جليلة ، تجاه " أنطاكية " وهي الآن من أعمال حلب، وذلك سنة تسع وخمسين وخمس مئة - اغتنم نور الدين خلو الشام من الفرنج وقصدهم ، واجتمعوا على " حارم " فرزقه الله تعالى الانتقام منهم فأسرهم وقتلهم ، ووقع في الإسار أمير أنطاكية وقومص طرابلس وابن لجوسلين ودوك الروم.

 

وفي الخامس عشر من شهر رمضان في يوم الجمعة سنة 685 هجرية معركة عين جالوت بفلسطين حيث قاتل المسلمون بقيادة سيف الدين قطز المغول التتار وقد كتب الله النصر للمسلمين فحققوا فوزًا عظيماً.

 

ومعركة شقحب بين المسلمين والتتار سنة 702 هجرية كانت في رمضان حيث هزم المسلمون التتار وقتلوا منهم خلقا كثيرا لا يعلم عدده  إلا الله.

 

وفي عهد الخلافة العثمانية ثلاثة فتوح عظيمة في شهر رمضان وهي فتح  البوسنة والهرسك وفتح القرم وفتح بلغراد، كان فتح البوسنة والهرسك سنة 790 هجرية على يد السلطان مراد الأول حيث هزم المسلمين بجيش قوامه ستين ألفا جيوش البوسنة والهرسك والبلغارالتي كان قوامها مائة ألف مقاتل بقيادة ملك الصرب لازار لينانوفتش.

 

وفتح القرم كان في رمضان سنة 889 هجرية على يد السلطان محمد الفاتح وكان فتح القرم بمثابة ضربة موجعة لكل أوروبا وفي مقدمتها روسيا.

 

وفتح بلغراد بلغراد عاصمة المجر، حيث كانت بلغراد بمثابة القاعدة التي تنطلق منها الجيوش النصرانية لمهاجمة  العالم الإسلامي،  بعد أن تولى السلطان سليمان القانوني حكم الدولة العثمانية أرسل وزيره إلى ملك المجر لويز الثاني يطلب منه الدخول في الإسلام أو دفع الجزية  فكان الرد السيء من لويز الثاني حيث قام بالقبض على الوزير  العثماني وأمر بإعدامه ، وعندما علم السلطان العثماني سليمان القانوني غضب غضبا شديد وكوّن جيشا ضخما وقاد الجيش بنفسه واتّجه إلى بلغراد وضرب القانوني الحصار حول المدينة ، وبعد أن تخلّت كل دول أوروبا عن ملك المجر خوفا من الدولة العثمانية أصبح لويز الثاني بمفرده وظلت المدينة محاصرة حتى فتحت أبوابها ودخلها القانوني منتصرا في السادس والعشرين من رمضان سنة 927 هجرية،  وبعد أن كانت بلغراد من أهم مراكز النصرانية ومحاربة الإسلام أصبحت من أعظم مراكز  الحضارة الإسلامية في أوروبا لقرون طويلة.

 

نستقبل رمضان وبلاد المسلمين ممزقة مستباحة من أعاديها فمن للبلاد يحميها ومن للجيوش يقودها ومن للخيول يسرجها في سبيل الله غير خليفة رباني يبايعه المسلمون على السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله وإن هذا اليوم لكائن وإن غدا لناظره قريب..

{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ووعد الله كائن لا محالة، (وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن

 

 

     
24 من شـعبان 1439
الموافق  2018/05/10م
   
     
http://hizb-jordan.org/