بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

 

يا شباب الإسلام.. قوموا إلى أماكنكم الحقيقية، حُرّاس الدين ورواد التغيير وحماة الأمة!

 

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 14/2/2020م بعنوان (الشباب رمز نماء الأمة ونهضتها)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:


إن الشباب في كلِّ زمان ومكان هم عماد أُمة الإسلام وسِرُّ نَهضتها، ومَبعث حضارتها، وحاملُ لوائها ورايتها، وقائدُ مَسيرتها إلى المجد والنصر، وإن الإسلام لَم ترتفع رايتُه، ولَم يمتدَّ على الأرض سُلطانه، ولَم تَنتشر في العالمين دعوته، إلاَّ على يد هذه الفئة التي تَربَّت في مدرسة النبي ﷺ.

 

ولقد حرص نبينا الكريم ﷺ على العناية بالشباب، وإعدادهم إعداداً جيداً، فقال ﷺ: "إن الله ليعجب من الشاب الذي ليست له صبوة"، وبين مكانة الشاب الملتزم بالطاعة لله، والعبادة له، حيث يقول ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منها: "شاب نشأ في عبادة الله...".

 

وكان ﷺ يدعو الشباب لاغتنام الفرص لتكوين شخصيتهم في شتى المجالات، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: "اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".

 

ويبين عليه الصلاة والسلام أهمية هذه المرحلة، وما يترتب عليها من تبعات ومحاسبة ومسؤولية أمام رب العالمين، حيث يقول ﷺ: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه".

 

ولقد كانت فئة الشباب هي صاحبة الحظ الأكبر ممن أسلم مع النبي ﷺ في بداية دعوته وحملوا معه هم الدعوة إلى الإسلام، وهذه نبذة عنهم تُبين دور الشباب في حمل دعوة الإسلام، فقد آمن بالنبي ﷺ ولازمه ودأب على الدعوة معه كل من: علي بن أبي طالب وكان عمره ثماني سنوات، والزبير بن العوام وعمره ثماني سنوات، وطلحة بن عبيد الله وكان ابن إحدى عشرة سنة، والأرقم بن أبي الأرقم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وعبد الله بن مسعود وهو ابن أربع عشرة سنة، وسعد بن أبي وقاص وهو ابن سبع عشرة سنة، وجعفر بن أبي طالب وهو ابن ثماني عشرة سنة، وصهيب الرومي وهو دون العشرين، وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان وخباب بن الأرت وهم في حدود العشرين، ومصعب بن عمير وهو ابن أربع وعشرين سنة، وعبد الله بن جحش وهو ابن خمس وعشرين سنة، وعمر بن الخطاب وهو ابن ست وعشرين سنة، وأبو عبيدة بن الجراح وهو ابن سبع وعشرين سنة، وبلال بن رباح وهو حدود الثلاثين...

 

أيهاالمسلمون...

 

لقد أدرك الغرب الكافر خطورة الشاب المسلم عليهم، فعمل المستعمر منذ ما يقارب القرن على تغريب الشباب المسلم وتشكيكه في قناعاته وهويته، وأسقط دولة الخلافة، واختار نخبة رباها على المفاهيم الغربية، ثم سخرها لضرب الإسلام، والدعوة للتحرر من كل المفاهيم التي نشأت وتربت عليها الأمة، والتسليم بأن التطور والتقدم لن يكون إلا بضرب كل موروث فكري إسلامي ثم اللحاق بركب الحضارة الغربية بكل مقوماتها، فأربك الشباب بأفكاره المسمومة التي تطلق الغرائز وتجعل المقياس هو المصلحة وتلغي العقيدة الإسلامية كأصل في التفكير؛ مما سبب اضطراباً في شخصية الشباب المسلم بدغدغة مشاعره بعناوين رنانة كالحرية وغيرها، وأنتج سلوكيات غير منسجمة. ثم تتنصل الأنظمة القائمة من كل مسؤولية بدعوى أن هذه السلوكات طبيعية نتيجة تغيرات فسيولوجية عبروا عنها بسن المراهقة، وتُحمل فشلهم الفكري على التركيبة العمرية لا على أفكارهم التي أنتجت التعاسة والخيبة.

 

فإلى شباب الإسلام نقول:

 

يا شباب هذه الأمة: إن الإرث الذي ورثتموه كشباب لهذا الدين هو إرث عظيم، إن إقامة الإسلام وحضارته كانت على أكتافكم، أنتم الذين سارعتم إلى دعم وتأييد الإسلام عندما رفضه الكثيرون، أنتم الذين وقفتم ضد الظلم وقلتم كلمة الحق ضد الطواغيت وأركعتموهم، أنتم من حميتم رسول الله ﷺ بأجسادكم مع كل ما لاقيتم من أذى، وأنتم من فتحتم البلاد وكان نصر الله على أيديكم وسمحتم لنور الإسلام وعدله أن يصل إلى العالم.


يا شباب الإسلام، هذه كانت المكانة العظيمة للشباب المسلم في الماضي، ولكن غياب الحكم الإسلامي وقِيَمه عن بلادنا، وسيطرة النظام العلماني وأفكاره على مجتمعاتنا وحياتنا قد محت مكانتكم العظيمة. لقد كبتت إمكانياتكم، وقضت على مهاراتكم، وحطمت تطلعاتكم لحياة أفضل، وسعت إلى تحديد نظرتكم إلى ما تستطيعون تحقيقه لهذا العالم، ولكن جريمته العظمى كانت محاولته إبعادكم عن دينكم وسرقة نجاحكم الأسمى، المنزلة العالية في الفردوس ونعيمها المقيم.


إن نمط حياة العلمانية ونظامها قد باعوكم كذبة! إن وعودها لكم بالكرامة والازدهار والسعادة الحقيقية اتضح أنها وهم براق، على العكس، لقد ألقت عليكم جبالاً من المشاكل، وعدم الأمن وضنك العيش وانتهاك الحقوق. إن مشاهيرهم الذين يقدمونهم كقدوة يحتذى بها، لم تقدم سوى وجود أناني صناعي، وممارسات جنسية فاحشة، ورطت الشباب في أنماط حياة تحط من كرامتهم، وجلبت لهم مشاكل عاطفية جمة دمرت حياتهم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.

 

يا شباب الإسلام... إننا نعي أن الضغوطات مكثفة عليكم للتأقلم مع الواقع العلماني وثقافته التي تسيطر على العالم، بالإضافة إلى ضغط المجتمع وضغط نظرائكم أيضًا، وأنكم تخافون أن تقفوا وحيدين ومختلفين بسبب معتقداتكم الإسلامية وشعائركم. ولكن اعلموا أن الحق لم يكن يومًا ليمتزج مع الباطل، وبصفتكم مسلمين وعبيدًا لله عز وجل، لم تكونوا لتنصهروا في بيئتكم.. ولكن لتكونوا نجومًا مضيئة في سماء ليلة ظلماء تهدي السائرين. إن إيمانكم الذي تحملون قد جعل منكم قادةً تحددون الاتجاه للآخرين لاتباعكم طريق الخير والعدل، قادةً في التفكير، ورفع راية الحق، قادةً في العمل النبيل والأخلاق الرفيعة والاهتمام بشؤون الإنسانية، قادةً في الشجاعة للوقوف للعدل ضد الظلم.


يا شباب الإسلام الغالي! إن آمالنا لمستقبل أفضل لهذه الأمة وللإنسانية يقع على أكتافكم، إنكم تملكون القدرة على تحويل هذا العالم وتحسين حياة الناس من خلال دينكم، لا تقللوا من شأن أنفسكم بما تستطيعون تقديمه لأن الله معكم، ولكن هذا يتطلب منكم أن ترتفعوا عن ماديات الحياة الدنيا وعما يصرف انتباهكم ويعطلكم؛ لأن الإسلام قد جهزكم لأعظم الأمور. ويتطلب هذا منكم أيضًا تبني رؤيةً تستطيع خلق تغيير حقيقي لهذا العالم وليس فشلاً ذريعًا آخر، وهذا لن يتحقق إلا باستئناف الحياة الإسلامية من خلال نظام الخالق عز وجل؛ الخلافة. من خلالها يكون نجاحكم وتحقيق أحلامكم أنتم وأمتكم، لذا قوموا إلى أماكنكم الحقيقية، حراس الدين وأولياءه وحماة الأمة! قوموا إلى واجبكم الشرعي العظيم لإخراج البشرية من الظلام والظلم الذي تعاني منه اليوم من خلال إقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. خذوا دوركم الحقيقي؛ روادًا للتغيير الحقيقي، لأنكم ستفوزون بشرف الدنيا والآخرة.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

 

والحمد لله رب العالمين.

 

     
19 من جمادى الثانية 1441
الموافق  2020/02/13م
   
     
http://hizb-jordan.org/