16 من شـعبان 1440    الموافق   Apr 21, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

لا مواطنة في الدولة الاسلامية بل رعايا يحملون تابعيتها

يتمتعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات الشرعية


 

لقد قررت وزارة الأوقاف في الأردن تحديد خطبة الجمعة الموحدة 3جمادي الآخرة 1440هـ الموافق 8/2/2019

تحت عنوان (المواطنة في الإسلام)

وقد امتلأت عناصر هذه الخطبة بالتضليل والكذب والافتراء على الله ورسوله في إقرار مفهوم سياسي رأسمالي (المواطنة) بدل مفهوم التابعية في الإسلام وما يحمله مفهوم المواطنة من مخالفات صريحة لطبيعة مفهوم الدولة في الإسلام ولمعنى دار الإسلام، وكيف تكون العلاقة بين الأفراد والدولة والرابطة بينهم حيث امتلأت هذه الخطبة بالمفاهبم الرأسمالية وتم وضع بعض الآيات للتدليل التضليلي لما يريدون كمثل ما ورد فيها : (وقد أظهر القرآن الكريم هذه الحالة الوجدانية والمشاعر الجياشة التي غمرت الصحابة وهم يودعون أرضهم وبلادهم ظلماً وعدوانا، في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾)، وكذلك من الأحاديث النبوية كمثل ما ورد فيها (وقد تجلّت معاني الحب والوفاء للأوطان في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة فوقف على مشارفها مودعها لها بقوله: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُـونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» )

 

وماوردت فكرة المواطنة، الدخيلة على الإسلام والمسلمين، لخطبة الاوقاف ليوم الجمعة إلا لشعور الدولة والنظام في الأردن أن الأمة بدأت تتحرك بدافع العقيدة الإسلامية نحو دينها ونحو ارتباط ووحدة مشاعرها وأفكارها العابرة لحدود سايكس – بيكوالاستعمارية المصطنعة، متجاوزة المفهوم الوثني الذي كرسه وأوجده المستعمر الكافر وهو مصطلح الوطن والمواطنة والذي لم تعهد عنه سوى الذل والتجزئة والتبعية، وهي تتجه بأنظارها نحو الدولة الجامعة لوحدتها والحافظة لدينها وأراضيها وثرواتها أي دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

إن مصطلح الوطن والوطنية لم يوجد عندنا كمسلمين، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة كمصطلح له مدلول خاص، فالأصل أن لا يتعدى استخدام هذه الكلمة مكان السكن والعيش.

فقد بقيت الأمة الإسلامية منذ تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، دولة لكل المسلمين في العالم، كانت رابطةَ العقيدة الإسلامية، طِوالَ هذه المدّةِ هي الرابطُ الوحيدُ بينَ المسلمينَ، حتى استطاع الغرب الكافر العدو، أن يهدم الخلافة؛ دولة المسلمين الجامعة، وأن يقيم على أنقاضها دويلات وطنية هزيلة، وأوجد هياكل بلدان في هذه المزق، سماها دولا وطنية، بعد أن صنع لها حدوداً ورسم لها أعلاماً ونصب عليها حكاماً حراسا على حدودها ويوماً وطنياً يحتفل به، فكانت دولة الخلافة ميراث النبوة، والدول الوطنية ميراث الاستعمار.

 

و بذلك جعلت "الوطنية" ، الرابطة التي تجمع الناس الذين يعيشون داخل حدود دولة من هذه الدول، و تفصلهم عن سائر المسلمين الذين هم خارج تلك الحدود، وهي بهذا تكريس للتجزئة وتمزيق لوحدة المسلمين التي أمر بها الشرع، وتغريبهم عن بعضهم، بل وتعزيز أكاذيب الغرب أننا شعوب مختلفة، فأُقصي الإسلام فيها عن مكانته كرابط حقيقي بين الشعوب ومنهج حياة وتشريع.

 

أما حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم  الذي يستدل به مجتزأً، فلا شأن له بالوطنية ، فقد رُويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  صلى الله عليه وسلم  لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة و قال: «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك». إذاً فالرسول  صلى الله عليه وسلم  كان يحب مكة لأنها أحب البلاد إلى الله تعالى.

 

أما الاستدلال بكتاب المدينة الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مدنية الدولة والمواطنة فهو بهتان وتضليل آخر للناس، لتلبيس الدولة المدنية على الدولة الإسلامية، فقد كان الكتاب منهاجا حددت فيه علاقات المسلمين ببعضهم وبمن تبعهم، وذكر اليهود واشترط عليهم شروطاً، وحددت فيه علاقات قبائل اليهود مع المسلمين ، ما يدل صراحة أن العلاقة بين اليهود وبين المسلمين وضعت على أساس الاحتكام الى الإسلام وعلى أساس جعلها خاضعة لسلطان الإسلام وتقيد اليهود بما تستلزمه الأحكام الشرعية في الدولة الإسلامية، على أساس أنهم رعايا يحملون تابعية الدولة الإسلامية، فأين من ذلك ما يسمى بالمواطنة؟ ألا ساء ما تحكمون.

 

فما الوطن إلا فكرة وهمية وثنية أُوجدت لتعبد من دون الله كالاصنام، يصنع شعاراتها السياسيون من الحكام والمثقفين المضبوعين بالغرب، وعلماء السلاطين والمنتفعين من فكرة الوطن، ليسهل عليهم قيادة شعوبهم واستغلال ثرواتهم بل وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وتجريم من يخالفهم، كل ذلك باسم الوطن ومن أجل الوطن، وعندما يطالبون الناس بالتضحية من أجل الوطن، إنما يطلبون منهم التضحية من أجل بقاء سلطانهم وتسلطهم.

 

والدولة الوطنية دولة قاصرة، غير كاملة الأهلية، لا تقوى على حماية نفسها، أو حفظ ترابها، أو رعاية مصالح أهلها، لذلك فهي تحت الوصاية الدائمة للعدو؛ الغرب الكافر، لذلك ما انفكت هذه الدويلات الوطنية ترفع جميع مشاكلها للغرب الكافر الذي يديرها، ليحقق مصالحه هو، فهو الذي ينقّح قوانينها، ويتدخل في كل التفاصيل الداخلية لهذه الدويلات، وهذا مشاهد ملموس من قبل كل شعوب هذه الأمة في كل بلد سُلخ عن جسم الخلافة الإسلامية.

 

فأين الوطنية من قوله  صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

فعندما يضحي المسلم بنفسه وماله للدفاع عن بلاد المسلمين أو تحريرها من أيدي المحتلين، أعداء الإسلام والمسلمين، فهو يقوم بذلك في سبيل الله وليس في سبيل التراب، أو الوطن، وهو لا يتوقف عن نصرة إخوانه المسلمين، عند الحدود الوهمية عندما يداهم العدو ديار المسلمين في الجوار، بحجة عدم التدخل بشؤون الغير، والله تعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ)، وبنفس الوقت لا ينعم أهل بلاد المسلمين الفقراء الذين تعزلهم حدود وطنهم، عن ثروات بلاد الجوار من المسلمين التي يستجدونها استجداء، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)، فهذا الواقع الفاسد هو المعنى الحقيقي لواقع الأوطان، الذي يفرق بين المسلمين بالحقوق والواجبات.

 

ففكرة الوطنية والوطن لم تتمكن يوماً ما من الناس في بلاد المسلمين، بل ظهر فسادها وفساد أنظمة الحكم فيها، والرافعين لشعاراتها الجوفاء، وهي التي أدت إلى الانحدار بالأمة من الحضيض الى الحضيض، وباسمها تتاجر الأنظمة من أجل ضمان بقائها، وبمجرد عودة دولة الخلافة الإسلامية إلى الحياة، بكيان سياسي تنفيذي لأحكام الإسلام، ستعود العزة والأخوة الحقيقية للمسلمين، فتصبح الوطنية أثرا بعد عين، لا يجرؤ أحد على النطق بها من شدة النفور من لفظها، وواقعها المنتن.

 

أما واقع الدولة الإسلامية فقد بين الإسلام أن لا أقليات في دولة الإسلام ولا مواطنة كما هو واقع حال الدول الرأسمالية الكافرة، بل رعايا يحملون تابعية الدولة، فجميع الذين يحملون التابعية الإسلامية يتمتعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات الشرعية، ولا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة بغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك.

 

أيها الأئمة والخطباء إن هذه الخطبة مليئة بالتضليل والتلاعب وجعل مفاهيم الغرب الكافر مفاهيما لا تتعارض مع الإسلام وهي تقف في وجه عقيدتكم وأحكام ربكم فكيف لمن يرتقي منبر رسول الله أن يتفوه بما ورد في تلك الخطبة لا بل كيف يكتم الحق بينما يجب أن يبين للناس الحق

قال تعالى: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون)

 

     
02 من جمادى الثانية 1440
الموافق  2019/02/07م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد