15 من شوال 1440    الموافق   Jun 18, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

جواب سؤال

المفاوضات بين أمريكا وطالبان

 

 

السؤال:

 

تحدثت مصادر حركة طالبان الأفغانية عن تقدم مهم في مفاوضاتها التي استمرت ستة أيام مع المبعوث الأمريكي زلماي خليل زاد في الدوحة، وأن أمريكا ستسحب قواتها في غضون 18 شهراً بعد إتمام الاتفاق، وعلى الرغم من أن اتفاق الدوحة يبقى مسودة تنطق بها التصريحات من هنا وهناك، وليست ملزمة حتى الآن، وأن جولة أخرى من المفاوضات ستعقد في 25 من هذا الشهر 2/2019 كما ذكرت رويترز في 27/1/2019... إلا أن السؤال المركزي يبقى: هل وقعت حركة طالبان بعد هذه السنوات الطويلة من الجهاد في الفخ الأمريكي؟ وكيف حصل ذلك؟ وإلى أين تسير الأمور؟ وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

 

في البداية أُذكِّر بجواب السؤال السابق بعنوان (استراتيجية أمريكا في أفغانستان) بتاريخ 16/8/2017 حيث بيَّنا فيه أن أمريكا مع حلفائها الأطلسيين قد عجزت عن تحقيق النصر العسكري في أفغانستان، وأن الكثير من المناطق الأفغانية قد باتت فعلاً تحت سيطرة حركة طالبان، وبينّا عجز الحكومة الأفغانية العميلة عن خوض تلك الحرب الأمريكية وأنها بصعوبة تسيطر على العاصمة وبعض المناطق الأخرى، وذكرنا في جواب السؤال أيضاً أن أمريكا - ترامب تراجع سياساتها في أفغانستان (تسير هذه المراجعة باتجاه تبريد كبير للساحة الأفغانية، وحصر الوجود الأمريكي في قواعد عسكرية واستخدامها عند الخطر، وإظهار مهمتها وكأنها ضد "تنظيم الدولة"...) وأضفنا: (ولتسهيل إغراء طالبان بالقبول فإن أمريكا ستعود إلى تنشيط الدور الباكستاني بأن تُظهر القيادة العسكرية الجديدة في باكستان مزيداً من اللين والتعاطف مع طالبان لدفعها للجلوس والمفاوضات مع الحكومة العميلة في كابول وإشراكها في النظام السياسي الأمريكي في أفغانستان... فبعد أن أدركت أمريكا ضيق خياراتها في أفغانستان، وإفلاس الخيار الهندي، لجأت إلى مفاوضة حركة طالبان على أمل إدماجها في الحكم الأمريكي في أفغانستان، واستخدمت عملاءها في الحكم في باكستان لجر قادة حركة طالبان إلى التفاوض... ومع ذلك فقد فشلت كل تلك المحاولات، فلم تنجح أمريكا عسكرياً ولا سياسياً في موضوع أفغانستان). انتهى الاقتباس من جواب السؤال. ولكن أمريكا لم تيأس من تحقيق هذا الأمر معتمدة على عملائها في المنطقة، وخاصة أن معاناة أمريكا في أفغانستان عسكرياً ومالياً أصبحت تقض مضاجعها... وباستعراض أزمة أمريكا في أفغانستان يتبين ما يلي:

 

أولاً: إن أمريكا تعاني من مديونية ضخمة تهدد اقتصادها الذي تعرض لأزمة عام 2008 وما زالت تداعياته مستمرة، وترى أنها أنفقت على الحروب في الشرق الأوسط أي في البلاد الإسلامية ما يعادل سبعة تريليونات ولم تحصل منها شيئا كما قال رئيسها ترامب، فقد كتب على حسابه في تويتر يوم 22/1/2017 قائلا: "بعد أن أنفقنا بحماقة سبعة تريليونات دولار في الشرق الأوسط حان الوقت للبدء بإعادة بناء بلدنا". وقد نقلت بي بي سي يوم 9/1/2016 عن مجلة فوربس الأمريكية أن (الحرب في أفغانستان كلفت أمريكا حتى الآن نحو تريليون و70 مليار دولار إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة، ورغم هذه الخسائر البشرية والمالية الكبيرة فقد فشلت أمريكا في القضاء على الحركة...).


ثانياً: بعد فشل أمريكا في القضاء على الحركة عسكرياً رأت أن لا سبيل أمامها إلا جر حركة طالبان إلى المفاوضات باعتباره الخيار الأمريكي الوحيد للخروج من الحرب الأفغانية دون أن تظهر عليها الهزيمة... وأصبح هذا الخيار هو الاستراتيجية الأمريكية المعمول بها في أفغانستان، وما يؤكد حيوية هذا الخيار لأمريكا أن الخارجية الأمريكية قد عيّنت 5/9/2018 زلماي خليل زادة مبعوثاً لها إلى أفغانستان بمهمة محددة هي: (ولخصت الخارجية الأمريكية في بيان سابق مهمة "خليل زادة"، بتنسيق وتوجيه الجهود الأمريكية التي تهدف إلى ضمان جلوس "طالبان" على طاولة المفاوضات... وكالة الأناضول التركية 12/1/2019). لذلك فإن أمريكا قد سارت بخيار وحيد، هو دفع حركة طالبان والضغط عليها للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهذه الرؤية الأمريكية للخروج من الحرب الأفغانية ليست جديدة، فقد حاولت أمريكا في البداية أن توجد خط تفاوض بين طالبان والنظام ولكن تلك المحاولات فشلت... وهكذا انتقل التفاوض ليكون مع أمريكا بعد أن كانت تريده بين حركة طالبان والنظام الأفغاني الذي أسَّسته لكن الحركة كانت ترفض، وذلك لأنها كانت ترى الحكومة دمية متحركة بيد أمريكا... ثم وافقت على التفاوض مع أمريكا مع أنها هي مؤسِّس ذلك النظام!


ثالثاً: ومن الجدير بالملاحظة والتدبُّر هو أن أمريكا وفي سبيل إقناع حركة طالبان بالدخول في مفاوضات سلمية قد قامت بتهيئة المناخ لذلك على طريقتها الخبيثة، فقامت بأعمال داخلية في أفغانستان وأخرى إقليمية من طرف عملائها وغير عملائها حول أفغانستان:

 

1- تركيز الغارات الأمريكية على قادة حركة طالبان، خاصة الرافضين للمفاوضات: (قال مسؤولون أمريكيون إن الولايات المتحدة شنت هجوما بطائرة بلا طيار أمس السبت ضد زعيم حركة طالبان الأفغانية أختر منصور... ووصفت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" أختر منصور بأنه "عقبة أمام السلام والمصالحة بين الحكومة الأفغانية وطالبان"... دنيا الوطن 22/5/2016). أي أن استهدافه كان لرفضه المفاوضات، وكان هذا إبان إدارة أوباما، واستمرت أمريكا بالسياق نفسه خلال إدارة ترامب (قالت بعثة حلف شمال الأطلسي "الدعم الحازم" في بيان صحفي مساء اليوم الأربعاء: "قتل قائدان من طالبان في مقاطعة كابيسا في غارة أمريكية لدعم قوات الأمن الخاصة الأفغانية في مقاطعة تاجاب يوم 22 تموز/يوليو". وكالة سبوتنيك الروسية 25/7/2018)، وحادثة أخرى بعد ذلك قتل فيها قيادي آخر بطالبان (قال الكولونيل ديف بتلر، الناطق باسم القوات الأمريكية في أفغانستان، إنه "يمكننا أن نؤكد غارة جوية أمريكية أجريت أمس أسفرت عن مقتل القيادي بطالبان، الملا مانان"، مضيفاً: "نحن نقود نحو حل سياسي... CNN عربي 2/12/2018)

 

2- مدَّت إيران يدها لحركة طالبان، فظنَّت الأخيرة أنها في مأمن ظناً منها أن إيران "دولة معادية لأمريكا"، فلجأ إليها بعض قادتها، ولم تتعظ بأن عملية اغتيال قائدها الملا أختر منصور وهو عائد من إيران، وعلى حدودها كان على الأرجح بتنسيق أمريكي-إيراني، واستمرت تثق بإيران... وإيران لم تدفعها إلا في اتجاه الحل السياسي الأمريكي، (قالت إيران إن ممثلين عن حركة طالبان الأفغانية أجروا مفاوضات مع مسؤولين إيرانيين في طهران أمس الأحد فيما تسعى الجمهورية الإسلامية إلى دفع محادثات السلام في الدولة المجاورة لكبح تأثير جماعات إسلامية أخرى. وذكر بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية اليوم الاثنين أن المحادثات جرت بعلم الرئيس الأفغاني أشرف غاني وتهدف إلى رسم معالم مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية... يورو نيوز 31/12/2018).


3- فتحت قطر مكتباً لحركة طالبان في الدوحة، فظنت الأخيرة أن اعتراف قطر بها يقويها، لكن قطر قد صرحت علناً بأن هذا المكتب إنما فتح بالتنسيق مع أمريكا من أجل المفاوضات مع حركة طالبان، فقد قالت قطر أثناء أزمتها مع دول "الحصار" (إن تصريحات المدير السابق للسي آي أيـه ديفيد بترايوس كافية عندما ذكر أن اجتماع طالبان وحماس بالدوحة تم بناءً على طلب الحكومة الأمريكية، وهذا في حد ذاته يثبت أن قطر لم تقترف شيئاً تخفيه، وهذا كان بعلم الجميع وليس من وراء ظهورهم... كما أن وجود حماس وطالبان في الدوحة كان بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد مخرج للقضية الفلسطينية ولطـالبان) جريدة الشرق القطرية 4/7/2017. فقطر توهم طالبان بأنها في صفها وتدعمها وتعترف بها، فسقطت الأخيرة في هذا الفخ... ولما اشتد الخطب على قطر من دول "الحصار"، وأصبحت تستجدي إدارة ترامب وتدفع أموالها حتى تحمي نظامها فقد زادت قطر، وهي عميلة الإنجليز، زادت في مسايرتها لأمريكا لدفع حركة طالبان إلى المفاوضات، على أمل أن تخفف عنها إدارة ترامب من المخاطر السعودية... وهكذا جعلت أمريكا مسألة خدمتها بدفع طالبان إلى مفاوضات السلام، جعلتها موضع تنافس بين الدويلات المتناحرة فيما بينها في الخليج، فدولة الإمارات تنافس قطر بجر المفاوضات إلى مدينة أبو ظبي، والسعودية تجرها إلى جدة... ونقلت كذلك "رويترز" عن قائد عسكري في طالبان مشارك بالمفاوضات، طلب عدم نشر اسمه: (في الحقيقة، لقد دمرت الخلافات بين السعودية وقطر عملية السلام تماما". وتابع قائلا: "يضغط علينا السعوديون بلا داع، من أجل إعلان وقف إطلاق النار... وكالة سبوتنيك الروسية 14/1/2019)، وبهذا الشد الذي ظاهره التناقض والاختلاف فقد وجدت حركة طالبان نفسها مشدودةً بثلاثة حبال خليجية، ظاهرها التناقض، ولكن باتجاه واحد، هو المفاوضات مع أمريكا، فيتنافس عملاء أمريكا في السعودية مع عملاء بريطانيا في الإمارات وقطر أي منهما يسبق لخدمة أمريكا وينال رضاها، ولكن أثناء هذه المنافسة في الباطل يجري الإيقاع بحركة طالبان وتوحيد توجهها للمفاوضات الأمريكية والحل السياسي. وبريطانيا لا تعارض توجه قطر هذا باعتباره دفاعاً عن نظام قطر، وأما الإمارات فقد وضعتها بريطانيا في الخطوط الأمامية مع عملاء أمريكا لأغراض أخرى.


4- أما باكستان، وهي بيضة القبان لدى طالبان، فبعد تخليها عن الحركة والمعارك الضارية التي فتحها جيشها ضد طالبان باكستان، فقد أخذت تلطف الأجواء مع الحركة وتزيد معها الاتصالات، وبقدوم عمران خان رئيساً لوزراء باكستان 25/7/2018، وإطلاقه التصريحات التي يظهر فيها التقرب من حركة طالبان الأفغانية، فقد تهيأت المزيد من الظروف لثقة حركة طالبان به دون أن تدرك أن ذلك فخاً ينصب لإيقاعها في المفاوضات الأمريكية... وهكذا وقعت طالبان، "أو أوقعت نفسها" في أن تلدغ من الجحر مرتين، جحر الحكومة الباكستانية التي لا تنفذ إلا السياسة الأمريكية: دعمتها سنة 1996 لتحكم طالبان أفغانستان، ثم تخلت عنها أمام هجمة بوش الصغير سنة 2001 وما بعدها، بل وشاركت أمريكا هجومها بملاحقة طالبان داخل باكستان... والآن لما فشلت أمريكا في القضاء على حركة طالبان وقررت العودة للمفاوضات باعتباره خياراً وحيداً لها للحل والحفاظ على نفوذها في باكستان فقد عادت إسلام أباد تبني جسورها القديمة مع حركة طالبان، ولكن بهدف وحيد، وهو تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة والحفاظ على النفوذ الأمريكي في أفغانستان، فوقعت طالبان في الجحر مرة أخرى! مع أن الأمور واضحة دون خفاء: (كشف رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، اليوم الاثنين، أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، طلب مساعدته في عملية السلام الأفغانية. ونقلت قناة "جيو تي في" الباكستانية عن خان قوله إنه "تسلم خطابا من الرئيس الأمريكي في وقت سابق من اليوم، طلب فيه من باكستان لعب دور في محادثات السلام الأفغانية، والمساعدة في جلب حركة طالبان إلى طاولة المفاوضات"... سبوتنيك الروسية 3/12/2018)، ومن ثم يلتقي رئيس الوزراء الباكستاني بعد يومين بالمبعوث الأمريكي الخاص خليل زاد في إسلام أباد مؤكداً سير باكستان في الخطة الأمريكية في أفغانستان (ومن جانبه قال عمران إن "باكستان تريد تسوية سياسية من أجل السلام والمصالحة الأفغانية"... مصراوي 5/12/2018)، وقد أكد رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان اليوم الثلاثاء، (أن بلاده ستفعل كل ما في وسعها لتعزيز عملية السلام الأفغانية، مشيرا إلى أن بلاده ساهمت في الحوار بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية في أبو ظبي مؤخرا... اليوم السابع 18/12/2018). وكان عمران قد كشف نفسه على حسابه بموقع تويتر يوم 19/11/2018 وهو يدافع عن خدمات الباكستان لأمريكا فقال: "... باكستان اختارت المشاركة في الحرب الأمريكية على الإرهاب، تكبدت باكستان 75 ألفا من الضحايا في هذه الحرب، وخسرت من اقتصادها أكثر من 123 مليار دولار، فيما كانت المساعدات الأمريكية 20 مليار دولار فقط..." وكذلك أكد وزير الدفاع الباكستاني السابق خواجة آصف خيانة حكام الباكستان وهو منهم إذ كتب يوم 19/11/2018 على حسابه بموقع تويتر "إن الباكستان ما زالت تبذل دماء من أجل أمريكا بسبب خوضنا حروبا ليست حروبنا. أهدرنا قيم ديننا لجعله يتناسب مع المصالح الأمريكية ودمرنا روحنا السمحة واستبدلنا بها التعصب وعدم التسامح". فلا يوجد أكثر صراحة من هذا الكلام: خاضت الباكستان حربا ليست حربها... وأراقت دماء من أبناء المسلمين لأجل أمريكا... وأهدرت قيم دينها الإسلامي من أجل خدمة المصالح الأمريكية... إن دور الباكستان في أفغانستان يشبه دور تركيا وحاكمها أردوغان في سوريا، وخدماته لأمريكا بضغوطه على الفصائل المسلحة وإخضاعها للحلول الأمريكية، رغم إهانة أمريكا له مرات!


5- هذه هي الظروف المحلية داخل أفغانستان والتحركات الإقليمية من عملاء أمريكا وغير عملائها التي كانت أمريكا تستخدمها لتدفع بحركة طالبان باتجاه صارم صوب المفاوضات والحلول السياسية، فكانت حركة طالبان وحيثما ولّت وجهها إلى باكستان أو إيران أو السعودية أو قطر أو الإمارات تجد نفسها تسير على سكة المفاوضات الأمريكية للحفاظ على النفوذ الأمريكي في أفغانستان! ومع ذلك فإن طالبان لو تدبرت تهالك أمريكا على التفاوض معها ومدى ضغطها على عملائها ليبذلوا الوسع في استعمال الأساليب الملتوية الخبيثة في إقناع طالبان بقبول المفاوضات... ولو تدبروا عمق المأزق الذي تعاني منه أمريكا عسكرياً ومالياً خلال 17 عاماً من الجهاد البطولي لطالبان... ولو تدبروا إلحاح أمريكا على التفاوض مع طالبان وهي كانت تعدُّهم إرهابيين كعادتها باتهام كل من يقاوم إرهابها وغطرستها بأنه إرهابي... لو تدبروا كل ذلك لرأوه إعلانَ هزيمة أمريكا في أفغانستان بصورة غير رسمية، فهي تريد أن تخرج قبل أن تطيح بها هذه الهزائم، فتنفضح وينكشف عوارها بأنها دولة عظمى تتهاوى... وكان الواجب استغلال ذلك والضغط عليه بشدة فتخرج أمريكا مذمومة مدحورة لا أن تمكنها طالبان من استراحة المحارب بالمفاوضات فأمريكا لا يؤمن جانبها ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾، فإنها لا ترضى بتنازلات طالبان مهما كانت من خلال المفاوضات إلا أن يبقى نفوذ أمريكا في أفغانستان حتى وإن ابتسم ممثلو أمريكا في وجه طالبان، فما تخفي صدورهم أكبر!!


6- لكل ذلك فإنه من المؤلم أن تصبح مفاوضات الدوحة التي استمرت ستة أيام فاتحةً للتقدم في المفاوضات بشهادة حركة طالبان نفسها:


أ- (وفي حديث للأناضول، قال القيادي في "طالبان"، وحيد موجدا، إن الطرفين تفاهما إلى حد كبير بشأن انسحاب القوات الأجنبية، وألا تشكل أفغانستان تهديداً لأي بقعة من العالم. وأوضح أنّ الحركة تسعى من جانبها إلى ضمان تمتع عملية السلام المقترحة بحماية دولية. وأضاف: "لم يتم الانتهاء من الاتفاق في الدوحة بسبب بعض القضايا الفنية وصياغة الاتفاق"... وكالة الأناضول 26/1/2019).


ب- ونقلت وكالة رويترز يوم 26/1/2019 عن مسؤولين في طالبان: "إنهم اتفقوا على بعض البنود مع واشنطن لضمها إلى الاتفاق النهائي، ويؤكد أحد هذه البنود وجوب انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 18 شهراً من توقيع الاتفاق مقابل ضمانات من حركة طالبان بعدم السماح لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أمريكا..." وواضح من النص على عدم السماح للقاعدة وتنظيم الدولة... أن أمريكا تريد أن تعطي لطالبان مكانة في النظام حيث تطلب منها ضمانات لتقف في وجه التنظيمات الأخرى، فتريد أن تستخدمها لهذه الغاية أيضا.


7- وكذلك فقد جاءت تصريحات المسئولين الأمريكيين تؤكد ما جاء في تصريحات المسئولين من طالبان:


أ- (... وكتب زلماي خليل زادة الممثل الأمريكي الخاص على تويتر بعد ستة أيام من المحادثات مع طالبان في قطر "الاجتماعات



التي جرت هنا كانت مثمرة أكثر مما كانت في السابق. لقد أحرزنا تقدماً كبيراً بشأن قضايا حيوية". دوتشيه فيليه عربي 26/1/2019).


ب- وقال وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان يوم 28/1/2019 حول محادثات السلام مع طالبان ("أود أن أقول إن الاستنتاجات التي تم استخلاصها مشجعة"... الحرة الأمريكية 28/1/2019).


8- وبهذا فإن مسودة اتفاق الدوحة تعتبر خرقاً كبيراً في جدار طالبان الذي كان صلباً، ثم أخذت الحكومات العميلة بتليينه، وعلى الرغم من بعض التصريحات المتحفظة من حركة طالبان بأنها لن تفاوض حكومة كابل، والتصريحات الأمريكية الشبيهة بأن الاتفاق يجب أن يكون على كل شيء وإلا فلا شيء، على الرغم من ذلك فإن اندفاع الطرفين لجولات أخرى من المفاوضات مبني على الزخم الذي وفرته مفاوضات الدوحة والدفع الصارم من العملاء، لذلك يمكن القول إن أمريكا أخيراً وبعد 17 عاماً من الحرب قد صارت ترى ضوءاً في نهاية النفق للخروج من ورطتها في أفغانستان... إلا أنْ يهب تيار المخلصين داخل طالبان فيعصف بهذا الاتفاق ويجعله أدراج الرياح، ويطفئ ذلك الضوء الذي رأت فيه أمريكا طريقاً آمناً للخروج من الحرب الأفغانية.


9- ولهذا فإنه يجب على حركة طالبان وعلى كل المجاهدين المقاومين للاحتلال الصليبي الأمريكي والأطلسي ألا يتنازلوا لأمريكا وللنظام التابع لها، وألا ينخرطوا فيه، ويبقوا على مقاومتهم حتى تضطر أمريكا للخروج ذليلة مكسورة، والحرب صبر ساعة، فأمريكا لم تقبل بالمفاوضات إلا بعد عجزها عن كسر إرادة المجاهدين. وليحذروا السقوط في مستنقع المفاوضات الذي يعني لدى الأمريكان والغربيين تنازلاً من الطرف الآخر ليكسبوا بالمفاوضات ما لم يستطيعوه بالحرب، أي هزيمة الخصم على الطاولة من دون إراقة قطرة دم أو إنفاق أي فلس! هذا حسب مفاهيمهم السياسية البرغماتية... إن أمريكا معتدية مجرمة يجب أن تحاسب على عدوانها وعلى جرائمها فقد قتلت وجرحت وتركت معاقين وهجرت الملايين من أهل أفغانستان ودمرت البلاد، فجرائمها لا تعد ولا تحصى وتضاهي جرائم الاتحاد السوفياتي البائد في أفغانستان وتزيد... وكما طرد الاتحاد السوفياتي ذليلاً منكسراً، فيمكن أن يكون كذلك مصير أمريكا إذا ما ثبتت حركة طالبان على ما خرجت من أجله في قتال أمريكا والصبر عليه، فالله وعد الصابرين والثابتين بالنصر حتى وإن كانوا أقل من العدو قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ويجب ألا يقبلوا الاشتراك في النظام العميل القائم في أفغانستان، بل بهدمه، وإقامة حكم الإسلام، الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي بشر بقدومها رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.

 

 

     
01 من جمادى الثانية 1440
الموافق  2019/02/06م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد