15 من جمادى الثانية 1440    الموافق   Feb 20, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




أهداف الولايات المتحدة من الإنسحاب من معاهدة الصواريخ النووية

لقد أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن نيته الإنسحاب من معاهدة الصواريخ متوسطة المدى الموقّعة مع روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقًا) عام 1987 في قمة رئاسية جمعت بين الرئيسين جورباتشوف وريجان في واشنطن، والتي عكست حينها أجواء الإنفراج الدولي مع اقتراب نهاية الحرب الباردة، ورغبة الطرفين في خفض درجات التوتر بينهما، وإنجاح المساعي الدولية للحد من التسلّح عبر العمل على سحب وإتلاف الصواريخ التي تُطلق من قواعد برية والتي يتراوح مداها بين 500 و5500 كلم والتي كانت منتشرة بشكل مكثف على أراضي القارة الأوروبية. وقد ساهمت هذه المعاهدة بحلول عام 1991 في تدمير نحو 2500 صاروخ.

 

وتتهم الولايات المتحدة موسكو بخرق بنود هذه الإتفاقية، حيث صرّح الرئيس "ترامب" في أكتوبر 2018 بـ"أن روسيا تنتهك منذ سنوات عديدة معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى"، ورأت روسيا أن هذه مجرد مزاعم تفتقد إلى أدلة، وكان "أوباما" قد اتهم روسيا في عام 2014 بانتهاك المعاهدة بعد إعلان الولايات المتحدة أنها أطلقت صاروخًا مبرمجًا، بيد أنه لم يقم بالإنسحاب من المعاهدة خشية إندلاع سباق تسلح جديد.....
أما ما يتعلق في أهداف الإنسحاب الأمريكي فيمكن إجمالها فيما يلي :


1- توجهات الإدارة الأمريكية في المحافظة على الهيمنة الأمريكية وتحجيم إن لم يكن محاولة منع الدول من التغيير في معادلات القوة العالمية أو بروز قوى إقليمية لمهيمن محتمل قد يستطيع السيطرة الإقليمية في منطقة إستراتيجية، حيث تشير العديد من التحليلات إلى أن السبب الرئيسي في إعلان الولايات المتحدة نيتها الانسحاب من المعاهدة يعود إلى تصاعد حدة التنافس الدولي مع روسيا، لا سيما بعد قيام موسكو بالترويج لعددٍ من صواريخها العملاقة خلال العروض العسكرية.
وفي هذا الإطار، قامت الولايات المتحدة بتعيين "جون بولتون" مستشارًا للأمن القومي الأمريكي في مارس 2018، وهو المعروف بمعارضته لأي تقارب مع موسكو، ورفض التفاوض معها حتى لو أتى ذلك على حساب زيادة إحتمالات المواجهة النووية بين الدولتين، حتى إن صحيفة "الجارديان" البريطانية أكدت في أحد تقاريرها أن "بولتون" مارس ضغوطًا على "ترامب" من أجل الإنسحاب من المعاهدة، ففي حالة إنهاء هذه الإتفاقية يصبح بإمكان الجانب الأمريكي تهديد العمق الروسي عبر نشر قواعد للصواريخ بالقرب من الحدود الروسية من دون إعتبار ذلك عملًا محظورًا كما كان سابقا خاصة وأن تقرير الناتو السنوى لعام 2015 يقول إن "روسيا تعمل على تطوير قدراتها العسكرية ككل ووصلت لمستويات لم تحدث من قبل سوى فى ذروة الحرب الباردة". والتهديد بالعودة للحرب الباردة وإرهاق روسيا والدخول معها في سباق تسلح جديد يعني إنشغال روسيا بحرب طواحين دون كيشوت وإرهاق الإقتصاد الروسي وجعل روسيا تفكر بحماية نفسها بينما تعمل الولايات المتحدة ما تريد في المجال الروسي والأوروبي ولا أقول العالمي بحلم روسيا البعيد حاليا وما يؤكد هذا هو ردة الفعل الروسية والطلب من أمريكا عدم الإنسحاب .


2- احتواء التهديد الصيني: على الرغم من أن المعاهدة لا تلزم إلا الدول التي كانت تشكل جزءًا من الإتحاد السوفيتي، وبالتالي فإن القوى الصاعدة مثل الصين ليست ملزمة بهذه الإتفاقية (معاهدة القوة النووية متوسطة المدى (INF)، التى وقعها الرئيس الأمريكى رونالد ريجان والسكرتير العام السوفييتى ميخائيل جورباتشوف، عام 1987 والتي تحظر استخدام الصواريخ النووية والتقليدية التى يتراوح مداها بين 500 و 5500كم.) ولكن بما أن الصين لم توقع عليها، فإنها تمكنت من بناء ترسانة هائلة من الأسلحة التقليدية التى تهدد الآن حرية الملاحة فى المنطقة، مثل "القاتل الناقل" من طراز DF-21، بحسب الخبراء.
وبحسب مجلة فورين بوليسى فإن بكين لديها بالفعل الصواريخ الباليستية التقليدية والصواريخ التى يمكن أن تضرب المرافق الرئيسية للولايات المتحدة فى المنطقة، مثل قاعدة كادينا الجوية فى اليابان، كما أنها تطور الطائرات المقاتلة الشبح، ونتيجة لذلك يتم دفع المزيد من الأصول الأمريكية الموجودة فى منطقة المحيط الهادئ إلى مناطق أبعد وأبعد عن الشاطئ، بينما بكين قادرة على مواصلة الإنتشار المسلح فى بحر الصين الجنوبى دون هوادة.

وفي هذا الإطار، ذكرت مجلة "الإيكونوميست" في أكتوبر الماضي "أن 95٪ من الصواريخ الصينية تندرج ضمن نطاق الصواريخ المحظورة في معاهدة الصواريخ المتوسطة". وفي هذا السياق، أشار الرئيس الأمريكي "ترامب" في أكتوبر 2018 إلى تخوفه من تطوير الصين قدراتها الصاروخية "إذا كانت روسيا تفعل ذلك، وإذا فعلت الصين ذلك، ونحن ملتزمون بالاتفاق، فهذا أمر غير مقبول"، وقد يصبح بإمكان الولايات المتحدة بعد التحرر من قيود هذه الاتفاقية التمدد شرقًا، وردع تطور الصين النووي في المحيط الهادي. وقد أشار تقرير نُشر بمجلة "ناشيونال إنترست" في أكتوبر الماضي إلى أن خروج واشنطن من الاتفاقية سيكون "كابوس الصين الجديد"، وبالتالي فإنها أي الصين وإن كانت غير ملزمة فإنها معنية بالخروج الأمريكي وبأهداف أمريكا من الخروج.

 

3- تهديد الأمن الأوروبي: تُعد أوروبا من المتضررين من هذا الخروج ، حيث كانت تنتشر على أراضيها فيما سبق مئات الرؤوس النووية، وفي حال تم إلغاء هذا الإتفاق فستعاود الصواريخ الأمريكية الظهور في دول مثل رومانيا وبولندا، وهو ما دفع المتحدثة الرسمية باسم المفوضية العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي "مايا كوسيانتشيتش" إلى التصريح في أكتوبر 2018 بأن "الاتحاد الأوروبي يعتبر معاهدة التخلص من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى حجر زاوية الأمن الأوروبي".
وبزوال هذه المعاهدة تفقد أوروبا حالة السلم وتخشى أن تكون أرضها ميدان المعركة وزيادة النفوذ الأمريكي خاصة في شرق أوروبا التي ستلجأ بلا شك للحماية الأمريكية والمعاهدات الثنائية مع أمريكا خاصة أن الصواريخ الباليستية الموجهة من قاعدة دومباروفسكي في جنوبي روسيا بإمكانها ضرب غالبية العواصم الأوروبية، ومن الطبيعي أن تستهدف روسيا أي دولة ينطلق منها اعتداء أمريكي، مما سيُجبر بعض الدول الأوروبية على الارتماء بالحضن الأمريكي وإيجاد مبرر التدخل في اوروبا وتقوية النفود وبيع الأسلحة وإذعان الاوروبيين لرفع سقف المشاركات في حلف الأطلسي وزيادة الإنفاق وإشعال المنطقة التي لا تنقصها أصلا مبررات الإشتغال ولا أسباب العداء خاصة التاريخي و لأن بناء جيش أوروبي على فرض وجوده ليس بمقدوره مقاومة روسيا بدون أمريكا.
قالت المسؤولة العليا للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيديركا موجيريني، عقب اجتماع لوزراء خارجية التكتل في بوخارست: "ندعو إلى الحفاظ على هذه المعاهدة في ظل إذعان كامل من الطرفين"، مشيرة إلى أن أوروبا لا تريد إلا أن تتحول إلى "قاعة معركة.. حيث تواجه القوى الكبرى بعضها".
وفي برلين، قال المتحدث باسم الحكومة، شتيفان زايبرت، إن ألمانيا سوف تجري محادثات مع شركائها بحلف شمال الأطلسي (ناتو) بشأن الإجراءات الضرورية لـ"ضمان الردع والقدرات الدفاعية للحلف" بدون معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى.
وقالت وزيرة الدولة النمساوية كارولين إدستاستلر، في بيان افتتاح جلسة مناقشة الأمن في أوروبا ومعاهدة الصواريخ متوسطة المدى: "لقد سألنا أمريكا عن سلبيات الخروج من المعاهدة ونطلب من روسيا الالتزام بها... التخلي عن هذه المعاهدة لن يفيد أحدا".


وأخيرا يبدو أن الدولة العميقة جاءت ب"ترامب" مشيا على نظرية" مادمان التي أرتبطت بشكل رئيسي بسياسات الرئيس "نيكسون" الخارجية، حيث قام بترسيخ إعتقاد لدى السوفيت بأنه غير عقلاني ومتقلب، وهو ما يجعل القادة الآخرين يتجنبون إستفزازه خوفًا من أي رد فعل غير متوقع، وهو ما تتّبعه الدولة العميقة بوجود ترامب المعروف عنه مزاجيته وتقلباته حتى داخل الدولة الأمريكية بل حتى مع أفراد طاقم إدارته بحيث صار هذا الإنطباع عند الجميع، وهو أي(ترامب ) يعمد إلى التصعيد والوصول بالأمور إلى حافة الهاوية ومن ثم يفتح لخصومه فرصة للتفاوض وفقًا لشروط مناسبة له (سياسية الصفقة) من أجل أن تحقق أمريكا أهدافها بعد أن تجعل الخصم يتوقع وصول الأمور إلى حافة الإنهيار مع القناعة بعقلية ترامب المتقلبة والمتهورة والتي يُخشى منها إذا ما أخفقت الصفقة التي يريدها سيكون موقفه كارثيا تجاه الطرف الآخر، وهو ما يمكن الإستدلال عليه من خلال تصريح "ترامب" في أكتوبر 2018: "أموالنا أكثر من أي أحد غيرنا.. سوف نقوم بزيادة الأسلحة النووية حتى تعود روسيا والصين إلى رشديهما، وحينها سنكون حكماء وسوف نتوقف، ولن نتوقف فحسب، بل سنخفض الكمية، سوف نفعل ذلك بسرور، لكنهما اليوم لا تلتزمان بالاتفاق"، ومن ثم يبدو أن "ترامب" يسعى للتصعيد لإيجاد اتفاق بديل توقّع عليه الصين أيضًا، حيث أشار في تصريح آخر إلى أن "الصين لا تدخل في الاتفاق، لكن يجب إدخالهم فيه".وكذلك يضرب بنفس الأمر الأوروبيين ضربة مؤلمة جدا وتفتيت إحتمالية أي مشروع وحدودي بين دولها وهذا واضح في موقف ترامب تجاه الإتحاد الأوروبي.

 


كتبه للمكتب الاعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن
الاستاذ حسن حمدان



     
27 من جمادى الأولى 1440
الموافق  2019/02/02م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد