14 من شوال 1440    الموافق   Jun 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
الإبتلاءات والمحن لا تزيد المؤمن إلا صلابة وثبات على الدين الحق
ولا تعني المرونة والواقعية بتمييع الدين والرضى بالواقع الفاسد


لقد قررت وزراة الأوقاف أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لهذا الأسبوع عن "الابتلاء وأثره في شخصية المسلمِ" بتاريخ 1/2/2019م الموافق 26 جمادى الأولى1440 هجرية، وسيكون لنا وقفات مع هذا العنوان فنقول وبالله التوفيق :

 

إن الإيمان بالله يوجب صحة التوكل عليه وإستمداد العون منه، لأنه وحده الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يوفق حَمَلة الدعوة وحملة الإسلام العظيم ويهديهم سبيل الرشاد وطريق الهدى، ولذلك كان لا بد من قوة الإيمان، ولا بد من كمال التوكل على الله، ودوام إستمداد العون منه تعالى.

وهذا الإيمان يحتّم على المؤمن الإيمان بالمبدأ؛ أي بالإسلام وحده لأنه من عند الله تعالى، ويحتم أن يكون هذا الإيمان إيماناً راسخاً ثابتاً لا إرتياب فيه، ولا يحتمل أن يتطرق إليه إرتياب، لأن كل خطرة ريب في المبدأ تجر إلى الإخفاق، بل ربما جرت إلى الكفر والتمرد والعياذ بالله. وهذا الإيمان القوي الذي لا ريب فيه أمر حتمي لحملة الدعوة، قال تعالى: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، لأنه هو الذي يضمن دوام سير الدعوة بخطى سريعة واسعة في طريقها المستقيم.


وهذا الإيمان كذلك يوجب أن تكون الدعوة للإسلام سافرة متحدية كل شيء، متحدية العادات والتقاليد والأفكار السقيمة والمفاهيم المغلوطة، متحدية حتى الرأي العام إذا كان خاطئاً، ولو تصدت لكفاحه، متحدية العقائد والأديان، ولو تعرضت لتعصب أهلها، متحدية أنظمة الكفر وأدواتها وأجهزتها، ولذلك تتميز الدعوة المبنية على العقيدة الإسلامية بالصراحة والجرأة والقوة والفكر، والبيان والكشف وتحدي كل ما يخالف الفكرة والطريقة، ومجابهته لبيان زيفه بغض النظر عن النتائج وعن الأوضاع، وافق جمهور الشعب أم خالفه، قَبِلوا به أم رفضوه وقاوموه، ولذلك لا يتملق حامل الدعوة الشعب ولا يداهنه ولا يداري من بيدهم ثقل المجتمع من الحكام وغيرهم، ولا يجاملهم بل يتمسك بالمبدأ وحده دون أن يدخل في الحساب شيئاً سوى هذا الدين العظيم فينطق بالحق ولو أدى به إلى القتل أو السجن أو الملاحقة أو التهديد بقطع الأعناق والأرزاق، ومن هنا نفهم معنى الإبتلاء وقاعدته هذا الإيمان العظيم الذي يسترخص كل شيء في سبيل الله ولا يستكثر على الله شيء في نفس ولا مال ولا ولد ولا أهل، ففي الحديث قال عليه الصلاه والسلام: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله" رواه الحاكم - وصححه. وكيف يستكثر شيئاً من نفس أو مال وهو الله خالقه ورازقه ومدبر أمره.
صحيح أن الإبتلاءات لا تقف عند قول كلمة الحق؛ فقد يبتلي الله المؤمن بمرض أو ولد أو زوجة أو أهل أو مال... فينظر الله تعالى كيف يكون موقف المسلم أمام إبتلاء رب العزة مهما كان وكيف يكون صبره وموقفه وأثر الإيمان على سلوكه، أهو مجرد كلمات لا تؤثر في سلوك أم إيمان الجبال الراسيات.


والإبتلاء سنة من سنن الله تعالى حيث قال تعالى: ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)، وأولى الناس بفهم سنن الله في الصبر والإبتلاء هم حملة الدعوة والصادعون بالحق لا يخشون في الله لومة لائم، وإن الذين يشتاقون إلى الجنة ويعملون لنوال رضوان الله لا بد أن يكونوا من الصادقين الصابرين لا يرهبهم بطش الطغاة ولا ظلم الظالمين، ثابتين على الحق لا يضعفون مهما أشتد الظلمة في ملاحقتهم ومضايقتهم في عيشهم وترويعهم في مساكنهم، لا يخشون إلا الله ولا يزيدهم إجتماع الكفر عليهم إلا صلابة وقوة، قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل *ُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ).


إن من المغالطات والتدليس الذي يميع الدين ويضيع الحق ويصنع الثغرات في دين الإسلام التي يزين بها الباطل حتى ينطلي على الناس وماهو ليس من الدين في شيء، ماورد في الخطبة الموحدة لوزارة الأوقاف وفقرتها الأولى والتي تصف الإسلام بأنه دين المرونة في التعامل مع الأحوال المتغيرة في حياة الإنسان وأن المسلم واقعي، وهو قول باطل جملة وتفصيلا، ويقصد منه ليُ أعناق النصوص حتى توافق ماهو ليس من الإسلام في شيء كفصل الدين عن الحياة وجعل التشريع بيد البشر بدلاً من تشريع رب العالمين من خلال ما يسمى بروح ومقاصد الشريعة، فالأحكام الشرعية هي لمعالجات مشاكل الناس وليس لتبريرها، أما الطلب من المسلم بأن يكون واقعي من خلال ما يسمى بفقه الواقع وفقه الموازنات لتحريف الإسلام، ما هو إلا دعوة للتخاذل والتعايش مع الواقع المذل الفاسد والرضى بحكم الطاغوت كونه المتسلط وعقد المعاهدات المحرمة مع يهود المحتلين لأنهم "واقع لا يمكن رده"، فهذا ليس من الابتلاء الذي يجب الصبر عليه كما تدلس خطبة الأوقاف بل هو واقع فاسد يجب إجتثاثه من جذوره واستبداله بالإسلام ديناً ودولة، فلنا في صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته قدوة على الثبات في حمل الدعوة وعدم التنازل عن سيطرة الإسلام فكراً وسلوكاً ودعوة في المجتمع، وهو مشهور في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمه أبي طالب: والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته.


إن الرسل وأصحابهم قد ابتُلوا في سبيل الله فصبروا ونصروا، وهكذا سنّة الله أن يأتي النصر بعد الصبر، عن عبدالله خباب بن الأرت رضي الله عنه، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان مَن قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه لا يصدّه ذلك من دينه، والله ليَتِمَّنّ هذا الأمر، حتى يسير الركب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".


ولقد أتمّ الله دينه ونصر رسوله وصحبه، وكذلك سنُنصر بإذن الله ما دمنا نسير سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ونُخلص في حمل دعوة الإسلام، ونصبر على الأذى في سبيل الله، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)، هذا الإبتلاء يجعل من شخصية المسلم شخصية متميزة عريقة، وهو ليس العيش الذليل والرضى به أو السكوت على ظلم الظالمين وعدم الإنكار عليهم، بل هو تحمل الأذى بالغاً ما بلغ لتغيير منكَر أو قول كلمة حق لإعلاء كلمة الله فهي العليا، وإزهاق كلمة الباطل فهي السفلى. هذا الصبر لا يقوى عليه إلا المؤمنون المخلصون الأتقياء الأنقياء الذين يتقربون إلى الله بالفرائض والنوافل، والذين يَشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله. فلنحرص أن نكون منهم على الدوام، في المنشط والمكره، وفي السراء والضراء، فيجعَل الله لنا النصر وتعود الخلافة الراشدة التي وعدنا الله سبحانه وبشّرنا بها رسوله صلوات الله وسلامه عليه ويومها تضاء الدنيا بنور الإسلام من جديد، ويخزي الله الذين كفروا والمنافقين ويشفي صدور قوم مؤمنين.

 

والحمد لله رب العالمين.



     
25 من جمادى الأولى 1440
الموافق  2019/01/31م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد