21 من ذي القعدة 1440    الموافق   Jul 23, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

أرض مؤته بين عز الماضي وذل الحاضر

 

قررت وزارة الأوقاف أن تكون خطبة الجمعة الموحدة: "معركة مؤته دروس وعبر" بتاريخ 2019/1/18 وسيكون لنا وقفات معها بإذن الله .

 

إن سبب هذه الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتاب إلى ملك بُصْرى، مع الحارث بن عمير الأزدي، فلمَّا نزل مؤته عرض له شرحبيلُ بن عمرو الغسَّاني فقتله صبْرًا - وكانت الرسلُ لا تُقْتَل - فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ قَتْل رسوله، فأرسل إلى مؤته ثلاثة آلاف من المسلمين في جمادى الأولى من السنة الثامنة من الهجرة النبوية، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة ثم قال: "إن قُتل زيدٌ فجعفر، وإن قُتل جعفرٌ فعبدالله بن رواحة"

 

فمضى الجيش حتى نزلوا مَعَان من أرض الشام، وكانت أخبارُ هذا الجيش قد وصلتْ إلى الروم، فجهزوا لملاقاتِه مِئَة ألف، وانضم إليهم مئة ألف أخرى من نصارى العرب، فكانوا مائتي ألف كافر، مُقابِلَ ثلاثة آلاف من المسلمين، فالمقارنة بينهما ضرب من ضروب الخيال، والدخولُ في القتال مجازفة أيُّ مجازفة، مِمّا جعل المسلمين - فيما يُروى - يترددون في ملاقاة عدوهم، ويقيمون ليلتين يفكرون في أمرهم، فقالوا: "نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنُخْبِرُه بعدد عدوّنا، فإمَّا أن يمدَّنا بالرجال، وإمَّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له، لكنَّ ابْنَ رواحة قطع تفكيرهم، وشجَّع الناس على المُضِيّ في القتال قائلاً: "يا قوم، والله إنَّ الَّتي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتلُ الناس بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا فإنَّما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة"، فقال الناس: "قد والله صدق ابن رواحة"

 

فمضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموعُ هرقلٍ من الروم والعرب، فانحاز المسلمون إلى مؤته، ثم التحم الفريقان. حتى مضى الثلاثة الذين عيَّنهم النبي صلى الله عليه وسلم قادة للجيش، فأخذ الرايةَ ثابتُ بنُ أقْرَم وصاح: "يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد".

 

أيها المسلمون هذا الموقف الشرعي الذي فرضه الله عليكم، فعندما يعتدى على رجل من المسلمين فإن واجب الدولة أن تحرك الجيش وتخوض المعركة وتنسي العدو وساوس الشيطان فكيف بعدو محتل لأرض الإسلام ومغتصب لها ويُعْمِلُ آلة الحرب في المسلمين قتلا وفتكا وانتهاكا للإعراض والدماء؟ فكيف وهو بالأصل واجب جهاده وحربه لاحتلاله لأرض الإسلام حتى يتم اجتثاثه لأن الأصل في العلاقة معه حالة الحرب وجوبا، ويحرم غيرها من العلاقات السلمية سواء أكانت صلحا وهي في حقيقتها ذلا أو الإقتصادية ومنها شراء الغاز المغصوب وهو بالأصل حق للمسلمين أو تطبيعا أو إقامة سفارة له في أرض مؤته أرض الجهاد، فكيف وهذا العدو المجرم قام بقتل أولادنا على أرض مؤته سواء القاضي زعيتر وابن الدوايمة ولم تحرك لهم الجيوش بل قام النظام بتأمين القاتل وإخراجه وإطلاق الوعود الكاذبة والتحقيق حتى ذهبت تلك الدماء وتم إغلاق الملف ،فمنذ متى كان موقف الإسلام إجراء التحقيق مع عدو ومغتصب قاتل، أي مفارقة على أرض مؤته بين عز الماضي  في ظل دولة الإسلام والجهاد في سبيل الله وذل الحاضر في ظل أنظمة أقامها الغرب المجرم لا تقيم وزنا لا لشرع الله ولا لدماء المسلمين وأعراضهم .

 

أيها المسلمون:

إن غزوة مؤته وتحدي دولة الإسلام الفتية لأقوى دولة آنذاك وهي الإمبراطورية الرومانية ليدل على مدى قوة الدولة التي أقامها رسولكم صلى الله عليه وسلم والتي تحدت الكفر في عقر داره في زمن قياسي حتى أصبحت الدولة الأولى عالميا وكانت مؤته علامة بارزة في الصعود العالمي لدولة الإسلام وتراجع قوى الكفر والذل ولكننا اليوم في ظل أنظمة سايس بيكو ماذا حققنا غير الخزي والعار والتبعية والتخلف وأن تكون أنظمة تلك الدول تابعة للغرب الكافر .

 

أيها المسلمون:

هذه هي غزوة مؤته تذكرنا بدولة الإسلام الفريضة الغائبة عنكم ، فما أن يقرأ المسلم  هذه الأحداث إلا ويجد العز والتمكين  وتفجير طاقات الأمة في كافة المجالات  ، فأي بشر هؤلاء ، يقفون بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل أمام جيش هائل قوامه مائتي ألف مقاتل ، إن تصورا سريعا للقوتين ليعطي نتائج حاسمة بانتصار الجيش الكبير على الجيش المقابل ، ومع ذلك يتقدم المسلمون على قلة عددهم ، وضعف عُدَتهِم - آلة الحرب - ليضربوا أعظم صور التضحية والفداء ، بل ولينتصروا على ذلك العدو ، في أعظم مهزلة يتعرض لها جيش الإمبراطورية الرومانية  ، فنحن لا نقاتل بعدد ولا عدة ولكن نقاتل لأجل إعلاء كلمة الله ويجب علينا  - ما استطعنا - و بما أوجبه الله علينا من الأخذ بالأسباب الظاهرة ، كان النصر حليفنا بإذن الله .

 

قال تعالى : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}

 

فهلموا أيها المسلمون للعمل لإعادة مجدكم بالعمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وعد ربنا وبشرى نبيه صلى الله عليه وسلم، هلموا للعمل بطريقة رسولنا الكريم ونقيم دولة الإسلام كما أقامها ونبايع خليفة يحرك جيوش المسلمين لتحرير البلاد والمقدسات وحمايتها فنقاتل من ورائه ونتقي به تكالب دول الغرب الكافر وننشر الإسلام في أصقاع الدنيا.

 

     
11 من جمادى الأولى 1440
الموافق  2019/01/17م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد