10 من جمادى الأولى 1440    الموافق   Jan 16, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الدعاء والإستغفار  بدون توبة و عمل وفق شرع الله مخالفة لله تعالى

 

 

قررت وزراة الأوقاف أن تكون الخطبة الموحدة لهذه الجمعة 20 ربيع الآخر1440 الموافق 28/12/2018 تحت عنوان: فضل الدعاء والإستغفار ،وسيكون لنا وقفة ومحاور تحت هذا العنوان، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: الدعاء من أعظم العبادات وأجلِّها؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ:(وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، الدعاء محبوب لله عز وجل، فهذا نبيُّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس شيء أكرم على الله - عز وجل - من الدعاء".


والدعاء هو استعانة من عاجز ضعيف مقر بعجزه واحتياجه بقوي قادر، واستغاثة ملهوف برب رؤوف كبير ، قال تَعَالَى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وعَنْ سَلْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا" وعن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ما عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ والدعاء عبادة من أجل العبادات وأعظم الطاعات وأنفع القربات، عن النُّعْمانِ بْنِ بشيرٍ رضِي اللَّه عنْهُما، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ".

 

أما الإستغفار، فقال تعالى: ( وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، وقوله تعالى ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ )، و (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أمرهم بالاستغفار في مواطن مظنة القبول، وأماكن الرحمة، وهو طلب الغفران من الله باللسان مع التوبة بالقلب، إذ الاستغفار باللسان دون التوبة بالقلب غير مجدٍ، قال أبو موسى رضي الله عنه : كان لنا أمانان، ذهب أحدهما وهو كون الرسول فينا، وبقي الاستغفار معنا، فإذا ذهب هلكنا، والعياذ بالله .

 

ثانياً: الأصل ربط  الدعاء مع العمل لحتمية العلاقة بينهم لكنهم - من كتبوا الخطبة ومن خلفهم - لا يريدون ذكر العمل ولا بيان العلاقة معه؛ بل يريدون الدعاء والاستغفار بلا عمل من الأمة، ولا حركة لأنهم يدركون خطورة هذه المفاهيم، وأهميتها فيقومون بالتضليل للأمة بعيداً عن ربط الدعاء بالعمل.


فالأمة وصلت إلى حال شديد من الذل والهوان وتحكّم الغرب الكافر في رقاب المسلمين والصراع بينهم على النفوذ والتبعية وقتل الأرواح وهتك الأعراض وبيع الثروات ومحاربة الإسلام تحت دعوى الإرهاب والتطرف، وبيد هذه الأنظمة الخانعة التابعة  للغرب الكافر المستعمر فلا يكفي في الإسلام الدعاء على اليهود وأمريكا دون تحريك الجيوش ولا يكفي الدعاء بالتغيير دون العمل له، ولايكفي الدعاء للأقصى وفلسطين واللعنة على أرباب الكفر دون العمل على كشف مؤامراتهم وخططهم والتصدي لها وتحريك القوى ضدهم، وليس مجرد الدعاء وجمع المال لفرش الأقصى في ظل الاحتلال، فهل يكفي الإنسان المسلم أن يطلب الرزق ويدعو له وهو جالس في بيته  دون عمل؟  أما المطلوب منه شرعاً هو البحث عن العمل، والعمل ومن ثم الدعاء، أليس الداع بدون عمل يضرب أحكام الله بعضها ببعض؟  فهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ  وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِى فَلاَ أُجِيبُكُمْ وَتَسْأَلُونِى فَلاَ أُعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِى فَلاَ أَنْصُرُكُمْ ".وقال  عمر رضي الله عنه : " لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ".

 

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَال: "لمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ : "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْض"ِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ  ردَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ  فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ  ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِه،ِ وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَك،َ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ). دعا ربه بعد أن أخذ بكل الأسباب لتحقيق النصر لذا كان ربط الدعاء بالعمل، والأخذ بالأسباب من أعظم المفاهيم الإسلامية التي تضرب مفهوم القدرية والتواكل وعدم الأخذ بالأسباب، وهذا ما تريده هذه الأنظمة وأبواقها وأدواتها وكما قيل قديماً الدعاء بلا عمل كالقوس بلا وتر.

 

ثالثاًإن من صور الدعاء الذي لا يتحدث عنه من قبل هذه الأنظمة هو دعاء الأمة للحاكم الصالح، وهو من يقوم على شرع الله تنفيذاً وتطبيقاً الذي يحب هذه الأمة ويعمل فيها بشرع الله. وقد ثبَت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطِر، ودعوة المظلوم"، حيث تفقتد هذه الأمة هذا الإمام العادل والخليفة الراشد الذي دعوته مستجابة عند الله كمثل الخلفاء الراشدين، والإمام العادل مسئول أمام الله عن سياسة الدنيا وحراسة الدين كما في الحديث "أهل الجنة ثلاثة: سلطان مقسط، ورجل رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق" رواه مسلم عن عياض بن حمار، وهو راع ومسئول عن رعيته كما في الحديث "إِنْشِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ عَنِ الإِمَارَةِ وَمَا هِيَ؟ قالوا وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال : أَوَّلُهَا مَلامَةٌ، وَثَانِيهَا نَدَامَةٌ، وثَالِثُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا مَنْ عَدَلَرواه البزار والطبراني، وحسنه الألباني.

 

ولذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للبعير الأجرب من إبل الصدقة وهو يطليه ويداويه: "إني أخاف أن أسأل عنك يوم القيامة"، وقال الحافظ ابن رجب في الفتح : "وأول هذه السبعة : الإمام العادل، وَهُوَ أقرب النَّاس من الله يوم القيامة، وَهُوَ عَلَى منبر من نور عَلَى يمين الرحمن عز وجل ، وذلك جزاء لمخالفته الهوى، وصبره عَن تنفيذ مَا تدعوه إليه شهواته وطمعه وغضبه، مَعَ قدرته عَلَى بلوغ غرضه من ذَلِكَ؛ فإن الإمام العادل دعته الدنيا كلها إلى نفسها ، فقالَ : إني أخاف الله رب العالمين". كم تفتقد هذه الأمة لهذا الإمام العادل وقد ابتليت بحكام ظلمة إذلاء تلعنهم الأمة ويلعنونها وتبغضهم الأمة ويبغضونها كما في الأحاديث "وشِرَارُ أُمَرائِكم: الذين تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكم، وَتَلْعَنُونَهُمْ، ويَلْعَنُونَكُمْ".

 

قال ابن تيمية، بعد أن ذكر عموم الولايات وخصوصها: "وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية، فأيُّ مَن عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله -بحسب الإمكان- فهو من الأبرار الصالحين، وأيُّ مَن ظلم وعمل فيها بجهل، فهو من الفجار الظالمين".


هذا حال المسلمين اليوم لا يخفى عليكم في ظل حرب صليبية قذرة لا تقاوم بالدعاء وحده كما يطلب منكم؛ بل الدعاء مع العمل للتغيير وليس أي عمل بل عمل وفق أحكام الإسلام فلا يرد المحتل بقراءة صحيح البخاري ولا بجمع المال بل بتحريك الجيوش ولا يتم التغيير بالمجتمعات باصلاح الفرد فقط.

 

والحمد لله رب العالمين

 

     
20 من ربيع الثاني 1440
الموافق  2018/12/27م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد