14 من رجب 1440    الموافق   Mar 20, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الرضا والقناعة في قضاء الله

وليس فيما تؤول إليه أحوال الامة من غش حكامهم

 

 

قررت وزراة الأوقاف في الأردن تحديد موضوع الخطبة تحت العنوان الموحد "الرضا والقناعة" بتاريخ 21/12/2018 الموافق 13 ربيع الآخر 1440 وسيكون لنا وقفات مع هذا العنوان وعلاقته بما آلت إليه الأوضاع بالأردن:

 

في الوقت الذي اشتدت فيه ظروف الناس صعوبة وضنك بالأردن نتيجة فساد النظام وتبعيته للغرب الكافر، وسوء الإدارة والسرقات وبيع الملكيات العامة وثروات البلد، وسياسة إفقار الناس وتشريع قانون الضريبة الإجرامي (سرقة ما في أيدي الناس) إن بقي في جيوبهم شيئاً، والسطو على مدخراتهم والغلاء، ودخول البلد في دوامة الصراع السياسي على الأردن، وظهوره وانكشافه وبيان أدواته والضحية هم الأمة والناس، والفتك بالأمة وسياسة الاعتقال وتكميم الأفواه والتهديد والضرب، تخرج علينا وزراة الأوقاف بعنوان: الرضا والقناعة لما آلت إليه الأمور من فساد النظام في الأردن، لتقول للناس أن الرضا والقناعة هي المطلوبة منكم، وهو الموقف الذي يحبه الله لكم، هذا العنوان بهذا الوقت خبيث وخطير من أجل إسكات الناس عن حقهم وعدم محاسبة النظام على جرائمه في حق الأمة؛  لذا كان الحديث في هذا الموضوع  وبهذا الوقت هو خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، والأصل في العلماء والخطباء أن يتحدثوا عن المحاسبة وموقف الإسلام من فساد النظام والاخذ على يده، وعن اتفاقياته الاقتصادية المذله وبيعه للمكليات العامة وإدخال البلاد في متاهة الصراع السياسي وخدمة مخططات الكافر المستعمر.

 

فالحديث عن القناعة والرضا في الوقت الذي لا تجد فيه الأمة لقمة العيش هو خيانة لهذه الأمة، فقد روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ».

فالمسلمون من أفراد الرعية يجب عليهم أن يحاسبوا الحاكم للتغيير عليه، ويأثموا إذا رضوا بأعمال الحاكم التي تُنكرْ وتابعوه عليها، وكذلك العلماء والخطباء خاصة في زماننا هذا الذي اشتدت فيه خيانة الحكام  للامة فوجب علينا جميعا أن يكون الكفاح السياسي ضد هذه الأنظمة الغاشة لرعيتها هو رأس وقمة الأولويات والأعمال .

 

ومحاسبة الحكام تتم من خلال الأحزاب الاسلامية التي أمر الله بإيجادها  وفرض الله عليها الدعوة  إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي المحاسبة للحاكم والمحكوم حيث قال سبحانه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) ومعنى الآية: أوجدوا أيها المسلمون جماعة تقوم بعملين أحدهما: أن تدعو إلى الخير، والثاني: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والذي يبقيها جماعة وهي تعملُ وجودُ أمير لها تجب طاعته، لأن الشرعَ أمرَ كل جماعة بلغتْ ثلاثةُ فصاعداً بإقامة أمير قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا عليهم أحدهم» ولأن ترك الطاعة يُخرج من الجماعة.

 

أيها المسلمون

 

إن الرضا والقناعة بقضاء الله وبما قسمه الله للناس والارزاق والاعمار هي من الامور البدهية والمعلومة من الدين بالضرورة لدى أفراد الامة لأنها جزء من الايمان ولا تحتاج الامة لخطبة تحثهم على ذلك، وليس الامر يتعلق بالأخلاق كما يدعون، وإنما المكر في إسقاط مفهوم الرضا والقناعة من مفهوم إيماني إلى مفهوم إذعاني استسلامي للتخلي عن محاسبة المسؤولين عن فسادهم الاكبر وهو الاعراض عن تطبيق شرع الله وحكمهم بتشريع البشر، ثم مساءلتهم عن نهب ثرواتهم وتحافهم مع أعداء الله ومشاركتهم حربهم على الاسلام وسوء رعايتهم للأمة، ( الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،)، فعن أي رضا تتحدث الاوقاف والناس برمتهم في سخط وغضب من سوء أعمال حكامهم؟

 

أما قول الله تعالى ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فهو يعني أن الله رضي عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، فهو يتعلق برضا الله عن أعمالهم وليس إيمانهم وهو شرط لقبول أعمالهم، أما رضاهم عن الله فهو في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم من جزيل ثوابه.

 

أيها الخطباء والعلماء سنذكر لكم موقفا تاريخياً لا يخفى عليكم، ولكنه من باب التذكير وبيان ما يحب عليكم إنه موقف العز بن عبدالسلام؛ حين أنكر على حاكم دمشق "الصالح إسماعيل" تحالفه مع الصليبيين، وتنازله لهم عن بعض المواقع، وسماحه للناس ببيع السلاح للإفرنج، فأفتى الشيخ بتحريم ذلك كله، وأعلن موقفه على المنبر، فأمر الحاكم بعزله واعتقاله، ثم رأى أن يستميله فأرسل إليه رسولاً يقول له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وزيادة، أن تنكسر للسلطان وتُقَبِّل يده، فقال الشيخ: "والله ما أرضاه أن يقبّل يدي، فضلاً عن أن أقبّل يده. يا قوم أنتم في واد، وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به". فقال رسول الملك: قد رُسِمَ لي أن توافق على ما يُطْلَبُ منك، وإلا اعتقلتك! فقال الشيخ: افعلوا ما بدا لكم.


فأين أنتم مما أصاب الناس من سياسيات النظام وأدواته واتفاقياته ووادي عربة ....!؟

أليس فيكم العز بن عبد السلام !؟

أليس فينا مواقف السلف الصالح الذين نطقوا بالحق ولم تؤخذهم بالله لومة لائم !؟

فالعلماء إنما هم رجال محراب وجهاد وليس أذيال طوابير على أبواب السلطان.

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

     
13 من ربيع الثاني 1440
الموافق  2018/12/20م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد