14 من شوال 1440    الموافق   Jun 17, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
التكفير بين خلل التفكير وسوء الفهم وغياب الإسلام عن الدولة والمجتمع ومطية الغرب الكافر

 

قررت وزراة الأوقاف تحديد خطبة الجمعة الموحدة 6 ربيع الاخر 1440هـ الموافق 14/12/ 2018 تحت عنوان: "خطورة التكفير"، ولنا مع هذا العنوان المحاور التالية :-

 

أولاً: التكفير من أخطر الأحكام وأعظمها، وذلك لما يترتب عليه من الآثار الخطيرة؛ كإباحة دم المسلم وماله، والحكم بردته وتطبيق حد الردة بعد استتابته وإقامة الحجة عليه ولم يرجع عن ردته، وتطليق زوجته، وقطع التوارث بينه وبين أقربائه، فضلاً عن نظرة المسلمين له واحتقارهم إياه لخروجه عن دينه، وما إلى ذلك من أحكام تلحق المرتد. لذلك جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ومن رمى مسلماً بكفر فهو كقتله"رواه البخاري، وقد جاءت الأحكام الشرعية بالتحذير من التسرع في إطلاق الكفر على المسلم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" متفق عليه.


ولما كانت مسألة التكفير ليست بالأمر الهين، احتاط الشرع في إطلاقها احتياطاً شديداً فأوجب التثبت، حتى لا يتهم مسلم بكفر، وحتى لا تستباح أموال الناس وأعراضهم بمجرد الظن والهوى، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فحذرهم من التسرع في التكفير، وأمرهم بالتثبت في حق من ظهرت منه علامات الإسلام في موطن ليس أهله بمسلمين.


ومما يدل على احتياط الشرع في مسألة التكفير ومبالغته في ذلك، إيجابه التحقق من وجود شروط التكفير وانتفاء موانعه، فلا يجوز تكفير معين إلا بعد التحقق من ذلك تحققاً شديداً بعيداً عن التعصب والهوى، فالتكفيرليس أمراً هيناً، وهو أمر خطير ابتليت به الأمة في تاريخها وحاضرها وكان من آثاره المدمرة القتال بين المسلمين وإباحة الدم الحرام ويكبر القاتل لقتل أخيه فرحاً بما أقدم عليه وبئس الفعل والفاعل.


ثانياً:
ليس معنى التحذير من خطورة التكفير هو أن يترك الأمر للأنظمة العميلة للتحذير منه في الوقت الذي تمارس هي محاربة الإسلام والمسلمين والتحالف مع الغرب المجرم في مسمى الحرب على الإرهاب، والمقصود منه حقيقة هو الحرب على الإسلام وأهله وعلى الدعوة للحكم بما أنزل الله واستئناف الحياة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ومحاربة أحكام الإسلام من خلال سن القوانين الطاغوتية الإجرامية، وتغيير بقية باقية من أحكام الأحوال الشخصية؛ كأحكام المواريث القطعية، ودعوات المساواة إلتزاماً باتفاقية سيداو التي فرضتها الدول الغربية على بلاد المسلمين، وفتح البلاد أمام مؤتمرات الكفر والمحاضرات والندوات، كما حدث في الأردن قبل أيام، ولا زالت تقام هذه الندوات والمحاضرات بحجة حرية الرأي من أجل تشكيك المسلمين بدينهم، وإقامة حفلات الشذوذ والعري، ومهرجانات الفجور، وترك الساحة للعلمانيين والأقلام المسمومة التي تعبث بعقيدة هذه الأمة وأحكام شرعها، وإنكار السنة ومهاجمة الأحكام الشرعية، ليس معنى هذا ترك المجال للأنظمة والعلمانيين ودعوات الغرب الكافر تسرح في بلاد المسلمين، ما هو حادث اليوم وللأسف فقد أدخلت هذه الانظمة في حربها على الإسلام بعضا ممن يلبسون ملابس العلماء والمشايخ، لا بل المشايخ حقيقة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم مصداقاً لقوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ).


خاصة وأن أحد أهم أسباب شيوع التكفير حالياً؛ هو تحكم الغرب الكافر واعلانه الحرب على الإسلام، وتغييب لا بل محاربة دعوة استئناف الحياة الإسلامية، وقتل وإعتقال ومطاردة حملة الدعوة وسجنهم، وكل العاملين في الدعوة للإسلام، الأمر الذي أدى إلى تكفير بعض المسلمين نتيجة ما يرونه من واقع هذه الأنظمة الخائنة العملية المحاربة لشرع الله، والمتحالفة مع دول الغرب الكافر المستعمر، وشعور بعض المسلمين بالضيم والإذلال والإحباط، وما ينتج عن ذلك من ردود الأفعال والسخط والعنف منها التكفير، ليس ذلك فحسب بل وهناك من رعى مسألة التكفير من هذه الأنظمة، وأوجد بعض الحركات التي لا تتقن إلا فن التكفير وتضليل المخالف لها، ورأينا منهم ولا زلنا نرى هؤلاء الذين يكفرون كل من يعمل لتغيير الواقع بحجة الخروج على مسمى ولي الأمر حاليا، وكأن ولي الأمر في واقعنا حاليا هو إمام المسلمين وخليفتهم الراشد علي بن أبي طالب، ووصف العاملين للإسلام بالخوارج مع أن هذه الأنظمة هي من تجارب الإسلام وأهله، وتنفذ كل مخططات الغرب الكافر وتتخلى عن المقدسات ليهود، لتأتي بعدها وتبحث مسألة وصاية تحت ظل الإحتلال، وكأن مسألة فلسطين مسألة وصاية، وليست تحريك الجيوش لاقتلاع يهود نهائياً من أرض الإسراء والمعراج.


ثالثاً: للوقوف على مسألة التكفير حقيقة كما بينها علماء الإسلام الثقات من سلف هذه الأمة العظيمة، فإن المسلم يكفر بأربع وهي :


1-بالاعتقاد.
2-الشك.
3-القول.
4- والفعل.


أما الاعتقاد فإن فيه ناحيتين: إحداهما التصديق الجازم بما جاء النهي الجازم عنه، أو الأمر الجازم بخلافه، كالاعتقاد بأن لله شريكاً، أو الاعتقاد بأن القرآن ليس كلام الله. والناحية الثانية إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار الجهاد، وإنكار تحريم شرب الخمر، وإنكار قطع يد السارق، وما شاكل ذلك.
وأما الشك؛ فإنّه الشك في العقائد، وكل ما كان دليله قطعياً، فمن شك بأن الله واحد، أو شك بأن محمداً رسول، أو شك بجلد الزاني، أو ما شابه ذلك فقد كفر، وأما القول فإن المراد به القول الذي لا يحتمل أي تأويل، فمن قال إن المسيح ابن الله، ومن قال إن الإسلام جاء به محمد من عنده، أو ما شاكل ذلك، فإنّه يكفر بكل تأكيد،


وأما القول الذي يحتمل التأويل فلا يكفر قائله، ولو كان القول يحتمل الكفر تسعة وتسعين في المائة، ويحتمل الإيمان واحداً في المائة فإنّه يرجح جانب الواحد على التسعة والتسعين لأنّه جانب الإيمان، إذ بوجود هذا الواحد وجد احتمال التأويل فلا يكفر، إذ لا يعد كافراً إلاّ إذا كان القول كفراً بشكل جازم.
وأما الفعل؛ فالمراد به الفعل الذي لا يحتمل أي تأويل بأنه كفر، فمن سجد للصنم، وصلى بالكنيسة صلاة النصارى، فإنّه يكفر ويرتد عن الإسلام، لأنّ صلاة النصارى كفر لا يحتمل التأويل، فمن فعلها فقد فعل كفراً لا يحتمل التأويل. وأما الفعل الذي يحتمل التأويل فإنّه لا يكفر فاعله، فمن دخل الكنيسة لا يكفر، لأنّه يحتمل أن يكون دخلها للفرجة، ويحتمل أن يكون دخلها للصلاة، ومن قرأ في الإنجيل لا يكفر، لأنّه يحتمل أن يكون قرأه ليطلع عليه للرد عليه، ويحتمل أن يكون قرأه معتقداً به وهكذا، فكل فعل يحتمل التأويل لا يكفر فاعله.


رابعاً: وختاماً كيف عالجت دولة الخلافة ظهور مسألة التكفير وسوء الفهم، نذكر ما ورد في كتب التاريخ، ومنها محاورة عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج آنذاك:
قلت: اي( ابن عباس ) هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وابن عمِّه.
قالوا: ثلاث.
قلت: ما هن؟
قال: أمَّا إحداهن، فإنه حكَّم الرجال في أمر الله، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ {الأنعام: 57}، ما شأن الرجال والحكم؟
قلت: هذه واحدة.
قالوا: وأمَّا الثانية، فإنه قاتَل ولم يَسْبِ ولم يغنم، إن كانوا كفَّارًا لقد حلَّ سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ سبيهم ولا قتالهم.
قلت: هذه ثِنتان، فما الثالثة؟
قالوا: ومَحَا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فهو أمير الكافرين!
قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟
قالوا: حسبنا هذا.
قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جلَّ ثناؤه، وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ما يردُّ قولكم، أترجعون؟ (يعني تتركون تفسيق المؤمنين وتكفيرهم ومحاربتهم والخروج عليه وتعودون إلى التعاون مع المؤمنين على البر والتقوى).
قالوا: نعم.
قلت: أمَّا قولكم: حكَّم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيَّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم؛ فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه، أرأيت قول الله تبارك وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ). وكان من حُكْمِ الله أنَّه صيَّره إلى الرجال يَحكُمون فيه، ولو شاء حكَم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله: أحكم الرجال في صَلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟.
قالوا: بلى؛ بل هذا أفضل.
وقال في المرأة وزوجها:
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا). فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟
قالوا: اللهم بل في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم.
ثم قال لهم: خرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
فقال لهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه: وأمَّا قولكم: قاتَل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، أفتَسْبُون أمَّكم عائشة؟!، تستحِلُّون منها ما تستَحِلُّون من غيرها وهي أمُّكم؟، فإن قلتم: إنَّا نستَحِلُّ منها ما نستَحِلُّ من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمِّنا فقد كفرتم:
(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).
فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج،؟ فنظر بعضهم إلى بعض.
أخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
قال : وأمَّا قولكم: محا نفسَه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، قد سمعتم أن نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الحديبية صالَح المشركين، فقال لعلي: (اكتب يا علي: هذا ما صالَح عليه محمد رسول الله)، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتَلناك، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
: (امحُ يا علي، اللهمَّ إنك تعلم أني رسول الله، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله)، فوالله لَرَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيرٌ من علي، وما أخرَجَه من النبوَّة حين محا نفسه، أخرجت من هذه؟.
قالوا: نعم، فعاد منهم خلق كثير وتركوا ما كانوا عليه.


نعم هكذا تعالج دولة الخلافة مسألة التكفير، وهي قائمة على أمر الله تطبيقا والتزاماً وجهاداً للكفر وأهله وليس كما هو حال هذه الأنظمة المجرمة، قال تعالى:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).


والحمد لله رب العالمين

 

     
05 من ربيع الثاني 1440
الموافق  2018/12/13م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد