18 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 15, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الإخلاص لله لا يكون إلا بما شرع

 

 

لقد عنونت وزارة الأوقاف لموضوع الخطبة الموحدة ليوم الجمعة 20/10/19 الموافق 9 صفر 1440هجريا خطبتها بعنوان "الإخلاص بالقول والعمل"، ولأهمية الأمر كان لنا وقفة تحت هذا العنوان فنقول وبالله التوفيق:-


قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) وقال تعالى(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، وقد ثَبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيُبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه"، وقد نقل العلماء عن  الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) "أخلصه وأصوبه"، قيل: "يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ "قال: أن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".


والإسلام يحدد أمرين لقبول الأعمال من الله وهذان الأمران شرطان مُلزمان، وقد قام الإسلام عليهما:

الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى، والشرط الثاني: هو المتابعة أو الإتباع أي الإلتزام بما جاء به الوحي تسليما مطلقا .

 

ومعنى الإخلاص هو: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى فقط، قال تعالى(وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى)، وجاء عند الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"، فأي عمل لا إخلاص فيه لا يقبل عند الله، بل يكون وبالاً عليه عند الله قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ).

 

والشرط الثاني: أن يكون العمل وفق ما جاء به الإسلام ومُنبثقاً عن العقيدة الإسلامية، وهو شرط الإتباع للحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " رواه مسلم، قال ابن رجب رحمه الله في كتاب جامع العلوم والحكم: "هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها ، كما أن حديث " إنما الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها ، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء"، قال ابن القيم: فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سبباً لقبول الأعمال، فإذا فُقد لم تقبل الأعمال.

 

إنّ الإخلاص في القول والعمل من الأمور الشرعية التي تضبط سلوك الإنسان المسلم عن طريق انقياده للعقيدة الإسلامية وما ينبثق عنها من أحكام شرعية تُملي عليه ما يقول وماذا يفعل، فهذا الإخلاص لا يكون ولا يتأتّى إلّا بتقيّد المسلمين بالأحكام الشرعية التي تُفصّل لهم وتُبيّن لهم وتضبط أعمال القلوب والجوارح، كما أنّ علينا كمسلمين استذكار معية الله ومراقبته لنا  لأنّ أقوالنا وأفعالنا لا تغيب عن عين الله التي لا تنام، قال تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).

 

وعليه لا تصحُّ عبادة المسلم لخالقه في الأقوال والأفعال إلّا باتباعه ما أراد الله ورسوله، وهو مُسطّر في الكتاب والسنة وما ارشدا إليه، فما أحوجنا اليوم لهذين الأمرين ونحن نعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة شرع الله وتطبيق أحكام الإسلام في جميع مجالات الحياة جميعها؛ أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك، وهذا العمل الذي يتخلله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بمحاسبة الحكّام، وكشف مخططات الغرب والمؤامرات التي تُحاك لأُمّتنا، ونشر الوعي في عقول الناس حتى يكون رأيهم العام مع تطبيق الاسلام مطلباً مصيرياً، علاوة على تبنّي مصالح الأمة ورعايتها.


والدعوة لتطبيق الإسلام في الواقع الحالي لهو فرض عظيم لا يجوز التهاون فيه، لذلك على الأمة وشبابها الإدراك التام أنّ مهمتها كبيرة في العمل للتغيير وتحقيق النهضة الصحيحة المنشودة بالعمل لتطبيق شرع الله عزّ وجل، فهذا العمل الجليل والعظيم والواجب ليس شأن فردي متعلّق بإخلاص أفراد معينين، بل إنه يتعلق بعمل جماعي محدد الهدف والغاية، وله طريقة شرعية يسير عليها لتحقيق تلك الغاية؛ وهي استئناف الحياة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة، وليست من خلال ارتجالات عقلية أو غربية أو مستمدة من الواقع الفاسد،  فالله لم يترك لنا أمرا إلا وبيّن حكمه وفصّله  في كافة أعمال الإنسان، قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي لا معبود ولا مُشرّع ولا خالق إلّا الله وحده، فكيف لنا أن نقرأ هذه الآية الكريمة أو نسمعها ونحن نعيش في واقع لا يحكمهُ الإسلام!؟ ونطلب الحكم من الغرب، ونسيربطرق عقلية أو غربية ونترك طريقة الإسلام في التغيير وتحويل الدار إلى دار إسلام !!؟.

 

أيها المسلمون:

يجب أن تدفعنا هذه الآيات وغيرها إلى الإخلاص في القول والعمل مع الاتباع لتحقيق غايتنا كأمّة إسلامية بتطبيق الإسلام في كيان سياسي، وحمله رسالة هدى ورحمة للعالمين بالدعوة والجهاد، فالإخلاص ليس مجرد كلمة تقال، بل هي ثقيلة جداً، خاصة على كل حملة الدعوة الذين تصدروا المشهد في العمل لنهضة الأمة والارتقاء فيها،مع التقيد التام بكل ما جاء به الإسلام، وهذا معنى العبودية لله، وهنا يتجلى  الإخلاص الحقيقي، قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحدا)، وهذا هو عين العمل الصالح، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، فكما نرى يا عباد الله في هذه الآيات الكريمة وعد الله بالاستخلاف والتمكين إن قُمنا بالأقوال والأعمال مخلصين متبعين؛ كانت النتائج مفضية إلى نصر الله بتطبيق كتاب الله وسنة رسوله في واقعنا الحالي.

 

والله لا يقبل أي عمل إذا فُقد أحد الشروط، فالله لا يقبل عملاً أريد به غيره، ولا يتقبل عملاً بغير ما شَرع وأمر، والنصر لن يأت بمخالفة أمر الله، بل إن مخالفة أمره تستوجب الخذلان والهزيمة كما حدث في غزوة أحد بدايةً عندنا خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، إن شرطي الإخلاص الإتباع هنا في حقيقة الأمر وعي تام والتزام بالإسلام.


أمّا من يخالف أحد هذين الأمرين؛ فهو يعيش في ذل وهوان، سواء على نطاق الفرد أو المجتمع، وهذا ما نراه اليوم من تسلط الكفر وأدواته علينا؛ من بنك دولي وصندوق دولي بيد الغرب المجرم، وترك معالجات الإسلام من خلال فرض وجهة نظره وقوانينه وإملاءاته علينا، فانتشر الفقر والبطالة وزادت نسبة المديونية وغاب العلاج الإسلامي الفعلي المنبثق من العقيدة الإسلامية الذي يعالج أزمة الفقر ويحقق الاكتفاء الذاتي في المجتمع الإسلامي ويستخرج الثروات من باطن الأرض ويُحسن توزيعها للعامة لأنها من أملاك العامة، وتنتعش السوق والحركة الاقتصادية نتيجة الإلتزام بأحكام الله والإخلاص والإحسان في تطبيقها، فالله عزّ وجل يعطينا العلاج ويُحذّرنا من الركون للظالمين والإرتماء في أحضانهم، ومن الإخلاص كما ذكرنا سابقًا يجب التقيّد بأحكام الله، قال تعال: ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)، كما حرّم علينا الله عزّ وجل الإنصياع للكافرين وتطبيق قوانينهم، قال تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).

 

وعليه لا ينفكّ الإخلاص بالقول والعمل عما أمرنا الله ورسوله به وما نهانا عنه الله ورسوله، فهما كمثل جناحي الطائر؛ فالطير لا يطير بجناح، والعمل لا يحقق نتائجه بأحد الشروط، فإلى الإخلاص و الإتباع والتقيد بالإسلام عقيدة ونظاماً وطريقة ندعوكم أيها المسلمون.

 

{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }

 

والحمد لله ربّ العالمين

 

     
08 من صـفر 1440
الموافق  2018/10/18م