2 من ربيع الثاني 1440    الموافق   Dec 10, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

يوم عاشوراء عبرة وموقف لكل ذي عقل

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد،

 

فقد نشرت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة الموحد" يوم عاشوراء حكم وأحكام" بتاريخ 14/9/2018 الموافق 4 محرم 1440 ، ولنا مع هذه الخطبة وقفات:-

 

وفي الوقت الذي يذكِّرنا فيه هذا الشهر الكريم بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ وانتقال المسلمين من مرحلة الدعوة والبيان إلى مرحلة الدولة والجهاد، نجد فيه يوماً آخر يذكِّرنا بانتصار نبي آخر هو موسى عليه الصلاة والسلام، ذلكم هو يوم عاشوراء العاشر من المحرم الذي انتصر فيه سيدنا موسى عليه السلام وأهلك الله فيه فرعون طاغية الأرض، ولعل في هذا التزامن بشرى للمؤمنين نسأله تعالى أن تكون كذلك بشرى خير ونصر وفتح قريب وهلاك للكفر وأهله وعملائه وأدواته، وهلاك للظالمين نعمة كبرى ومنة عظمى من الله تعالى للمسلمين ، قال تعالى:(فقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فقرن حمده تعالى بسبب ظاهر - وهو المستحق للحمد في كل حين- يتمثل في إهلاكه سبحانه للظالمين وقطعه لدابرهم، وفي ذلك من الإنعام والرحمة بالمؤمنين ما لا يخفى.

 

ذكرى عاشوراء

 

من هنا استحق يوم عاشوراء أن يكون واحدًا من أعظم أيام التاريخ ومن أيام الله في الارض، فقد هلك فيه الرمز الأكبر للظلم والكفر والطغيان في الأرض على مر العصور، وهو فرعون حاكم مصر في عهد موسى عليه السلام، على غير توقع منه حسب قراءة الواقع، وبغير تكافؤ في موازين القوى - آنذاك - بين أهل الحق وأهل الباطل، لكن الله - جلت قدرته - فعال لما يريد وهو أغير على دينه وعلى المؤمنين.

 

أولاً: لقد سمى يوم العاشر من المحرم باسم عاشوراء، تعظيماً له وقد أمر الله عز وجل نبيه موسى عليه السلام بأن يذكر بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وأعظمها إهلاك فرعون فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، قال القرطبي في تفسيره (9/341): "أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم، وقد تُسمى النعم الأيام، ومنه قول عمرو بن كلثوم: وأيام لنا غرٌ طوال". فيوم عاشوراء يوم من أيام الله -الله أكبر - أي يوم أنت وكم فيك من عظة وموقف أذل الله فيه رمز الكفر والطغيان.

 

ثانياً: إن مرور عام من عمرنا يستوجب منا وقفة محاسبة طويلة لنقف أمام هذا العام موقف المتأمل المحاسب لنفسه، كيف قضاها وبماذا وأين؟ مستذكراً  ما مر على المسلمين من مآسي وأحداث جسام سواء أكانت في الشام أوفلسطين أو تركمستان أو كشمير أو أي مكان، وكذلك التآمر على القدس وأرض فلسطين كلها في مزاعم صفقة خيانية، تولى كبرها مجرم العصر ترامب وحكام بلاد المسلمين  وكذلك ما كان فيها من أحداث جسام في الشام في الغوطة ومن قبلها حلب وحمص ، ولنعلم أن هذه الوقفة هي طوق النجاة لنا ومراجعة ومحاسبة ، أين كنا وما كان دورنا وعملنا وهل كنا ننظر نظرة المشاهد المتابع  للأحداث يرقبها من بعيد بلا رد ولا موقف فيها إلا موقف العاجز المتباكي على دماء المسلمين وأعراضهم، أم موقف الخجول والصوت الضعيف، أم الموقف الذي يحبه الله ويرضاه منا ولنا، فمن كان منا محسناً فعليه إن يزيد في إحسانه، ومن كان مقصراً فعليه أن يستغفر وينيب يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)، ذكر ابن كثير في تفسيره: "أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم".

 

فـإذا كنــت بالأمسِ اقتـرفت إسـاءةً --- فــــثَنَّ بإحسـانٍ وأنـت حميـــدُ

فيومــك إن أغنيتـه عــاد نفعــه --- علـيك وماضـي الأمسِ ليس يعود

ولا تُرجِ فعـل الخـيرِ يوماً إلى غدٍ --- لعــل غــداً يــأتي وأنــت فقيــدُ

 

 

ثالثاً: نتذكر في هذا اليوم موقف الرجال الرجال و الأبطال من شباب حملة الدعوة من شباب حزب التحرير وكل مسلم غيور ضحى لأجل دينه وعقيدته، الذين ضحوا ولا زالوا يضحون، وقادة كبار في زمن باع فيه اخرون اخرتهم بدنيا غيرهم ، نتذكر كم هم رجال عظماء، وكم هي نذالة وخسة الظالمين الذين وقفوا في وجه دعوة الإسلام في مسمى محاربة الإرهاب، والمقصود قطعاً هو الإسلام وكيان المسلمين السياسي الذي اقترب أوانه،  فزلزل الكفر قبل إقامته، فأخذ يقتل هنا وهناك محاولة منه أن يمنع الوليد القادم كما ظن فرعون، فقام بسن تشريعات كتشريعات اليوم. منها  تشريع قتل كل طفل مولود خوفا على هلاك ملكه ونفسه ولولا خشية الاندثار لكان التشريع كل سنة، لكن هيهات هيهات أن تتحدى إرادة البشر الحقيرة الذليلة إرادة الله الذي أذل فرعون بتحد له كبير؛ حيث ولد  موسى في سنة القتل لا في سنة العفو وانشأه تعالى في قصر فرعون وبيته وتحت عينه وبصره، كأنه يقول لفرعون هذا التغيير القادم ودعوة الحق ستتربى تحت سمعك وبصرك ولن تنال منه لأن معية الله معه وهلاكك يا فرعون على يديه. فكيف ييأس المسلمون وخاصة حملة الدعوة والله معهم وناصرهم { أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }.

 

ويذكر الله مواقف تهز قلوب المؤمنين في مشهد يصوره لنا القران الكريم في سورة القصص، قال تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين).

 

هذه هي نهاية فرعون!! وهي نهاية كل طواغيت الأرض، وبطانتهم ومحاكمهم وقضاتهم، إنه اليوم الموعود نصر حملة الدعوة بعد الالتزام بأمر الله والثبات عليه، والتحدي والنضال والكفاح السياسي، ونطق كلمة الحق لا يخشون في الله لومة لائم، عندما يستشعر حملة الدعوة والأمة أنهم (مدركون) بعد كل ما قدموه من تضحيات البحر أمامهم، وفرعون وجيشه خلفهم ، لكنها دعوة الله، وهو كتب لها النصر والتمكين، والعلو في الأرض (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).

 

إن يوم عاشوراء ليس يومًا عاديًا، ولا قصة وليس مجرد صوم - ومن السنة صيامه - إنما هو يوم الانتقام من أنظمة الإجرام، وطواغيت العصر، ومن معهم (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ). إنه يوم يرى فيه المؤمنون كيف يفعل الله بهذه الأنظمة وأجهزتها الأمنية، ومحاكمها، وقضاتها، وكل من وقف مع فرعون الأمس واليوم.

 

تحاكم الأنظمة المجرمة شباب الأمة حملة الدعوة (شباب حزب التحرير) كما حاكم فرعون موسى ودعوة الحق بمحاكم النظام التي تنطق بما يريدون، وليس من ذنب لهم إلا أن قالوا: ربنا الله، هذه جريمتهم عند فراعنة العصر اليوم تحت مسميات في قانونهم: "جمعية غير مشروعة، تقويض نظام الحكم" كما اُتهِم حملةُ الدعوة والأنبياء بالعمل غيرالمرخص، وتقويض أنظمة فرعون، لكن حملة الدعوة ورجالها يؤمنون بالله تعالى وبحتمية النصر رغم كل أحكامكم، فلن تهلك هذه الدعوة ورجالها بإذن الله لأن معها رب العالمين (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وستسير هذه الدعوة إلى بر الأمان وتحقيق الغاية باستئناف الحياة الإسلامية من جديد بعودة الخلافة التي على منهاج النبوة، وسيأتي اليوم الذي نشهد فيه هلاكهم في الدنيا - فضلًا عن عذاب في الآخرة شديد - قريبًا بإذن الله تعالى، ويتحقق وعد الله على أيدينا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

 

 

     
03 من محرم 1440
الموافق  2018/09/13م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد