12 من محرم 1440    الموافق   Sep 22, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الهجرة دولة كانت، وستعود خلافة راشدة على منهاج النبوة وعد حق وصدق

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد،

فقد نشرت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة 26 ذو الحجة 1439ه- الموافق7/9/2018م تحت عنوان"ذكرى الهجرة النبوية الشريفة دروس وعبر"، ولنا مع هذه الخطبة وقفات:-

 

من أوَّل يومٍ في الدَّعوة الإسلاميَّة المبارَكة والرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم يعلَم أنَّه سيَخرُج من بلده مُهاجِرًا؛ ففي حديثه مع ورقة بن نَوفَل عندما اصطَحبَتْه زوجُه خديجة رضِي الله عنها إلى ابن عمِّها، عندها قال له ورقة: "هذا النامُوسُ الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتَنِي فيها جَذَعًا، ليتَنِي أكون حيًّا إذ يُخرِجك قومُك، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أوَمُخرِجِيَّ هم؟!)، قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثْل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإنْ يُدرِكْني يومُك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزَّرًا، ثم لم ينشَبْ ورقةُ أنْ تُوفِّي". ومن ساعَتِها عَلِمَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الطريق غير ممهَّد، وليس مَفرُوشًا بالورود، بل محفوفٌ بالمخاطر والمهالك، وأنَّه مُخرَجٌ من مكَّة حَتمًا لا مَحالة.

 

فالهجرة لم تكن نتيجة لتهديد حياة رسول الله ولم تكن فراراً ولا لجوءاً ولا طلباً للحياة والرزق، وليست غاراً ولا حمامة ولا حديثاً للمجالس، ولم يقف معنى الهجرة لدى المهاجرين عند حدود مفهوم النزوح أو اللجوء، فلم يكن المهاجرون هَمَلاً في قومهم ولا وضيعي النسب، ولا طالبي رزق وتحسين دخل، بل كانوا أصحاب دعوة مبدئية آمنوا بها، وخالط هذا الإيمان بشاشة قلوبهم، وتشبعت به نفوسهم؛ فملأ عليهم حياتهم، وهان كل شيء في هذه الحياة أمام إعلاء هذه الدعوة، فمن التفكير في المال أو الدار أو حتى الولد إلى الاستخفاف، وتأكدت هذه المعاني من خلال تواترها عند الصحابة، فهذا صهيب الرومي يساومه مشركو قريش عن ماله كله، لكنه يختار الانتصار لما في قلبه من إيمان، الله أكبر  ما أعظمها من مواقف.

 

ولم يكن موقف الأنصار بأقل من إخوانهم المهاجرين في الانتصار للدعوة الإسلامية؛ فمنهم مَن بادر بعرض المَنعة والحماية على الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعتي العقبة، وهم مَن أحسن استقبال المهاجرين، وهم مَن اقتسموا معهم القوت والدور، وهم مَن أنزلوهم منزلة صاحب الدار لا طالبي اللجوء والمواقف الإنسانية، بل الجميع يدرك أن دولة الإسلام هذه طراز فريد جديد رحمة من رب السماء والأرض للإنسانية جمعاء تخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .


إن الهجرة كانت الحدث السياسي الأبرز في تاريخ الإسلام والمسلمين على الإطلاق، ذلك لأنه لم يكن للمسلمين دولة ولا كيان، والإسلام لا يقوم بدون طريقته والأحكام لا تطبق بدون دولة؛ فالإسلام ليس ديناً كهنوتياً ولا بشرياً، ولا فكرة جميلة تدغدغ المشاعر، بل الإسلام دين منه الدولة، مبدأ وله طريقة، وطريقته تلك الدولة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الطريقة ليست رواية؛ بل هي منهاج عمل واجبة على المسلمين.

 

أيها المسلمون:

 

يتجدد كل عام مناسبة الهجرة النبوية فيخطب الخطباء في معانيها واقعها كحدث تاريخي، ومنهم من يذكر الدروس والعبر فيها ومنها، ومنهم من يكتفي بسردها تاريخياً وروايةً، ومنهم ومنهم ...، ولكن الحديث عن الهجرة اليوم وإن تعددت الخُطب بين قوة وضعف على أهمية الحديث وعدم قراءتها قراءة سياسية لا ترتبط بواقع المسلمين اليوم، فنحن نعيش ظلال الهجرة دون أن نعيش هدفها وحقيقتها، ووجوب إتباع طريقتها في إقامة كيان سياسي المسلمين والانتقال بالمسلمين من مرحلة الدعوة إلى مرحلة نقطة الارتكاز، وإعلان الدولة في عملية تفاعلية يخوض غمارها حركة مبدئية أدركت الإسلام فكرة وطريقة، واهتدت إلى كيفية إقامتها من الشرع بعيداً عن الاجتهادات العقلية الارتجالية والملتوية والفوضوية، والمسلمون اليوم بلا دولة تطبق عليهم هذا الإسلام العظيم، وتحمله للعالم رسالة إنسانية في ظل شقاء البشرية من ظلم وفساد الرأسمالية التى عاثت في الأرض فساداً وظلماً وأخرجت الإنسان من إنسانيته إلى درك الحيوان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

إن الهجرة اليوم تذكرنا بواجب إقامة الدولة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وهذه الدولة ليست نافلةً ولا حديثاً عابراً، بل هي طريقة الإسلام في التطبيق وحمله للعالم رسالة هدى ورحمة، وخلافة حق على منهاج النبوة تزلزل عند إقامتها أركان الكفر والشرك وعملائهم، معلنةً  في أول يوم من إقامتها أن الأرض لله يورثها عباده الصالحون، قال تعالى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) فالله لم يخلق الأرض لـتكون سلطاناً للكفر ومبادئ الكفر؛ بل أوجد الكون والإنسان ليكون عبداً لله وليس عبداً لرأس المال ومفاهيم الغرب المجرم، وتعالى الله أن يخلق الناس عبثاً من دون هدف، قال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).

 

وهذه الدولة واجبة ويجب العمل لإقامتها، وسَنُذكر المسلمين بكلام العلماء الأتقياء الأنقياء الذين تحدثوا عن وجوب إقامتها ووجودها، بعيداً كل البعد عن مشايخ باعوا أنفسهم للشيطان ولأنظمة الغرب الكافر الذين يعطون الشرعية لأنظمة اليوم، وتعددت أشكالها ويأبون أن يتحدثوا عن شكل دولة الإسلام الذي فُرض وهو دولة خلافة على منهاج النبوة، ومنهم من يهاجم تلك الدولة ويشكك بتاريخها وأحداثها، ويطالب بالدولة المدنية الغربية الرأسمالية،  مستغفلاً ومضللاً المسلمين بقول بعضهم مدنية بمرجعية إسلامية، وكيف تكون مرجعيتها إسلامية والسيادة فيها للبشر وليس للشرع، لكل هؤلاء نذكرهم بتقوى الله، ووجوب بيان الحق بلا خوف ولا تردد، وإلا فإن الأمة ستلفظهم، إن لم يلفظهم حكام اليوم بعد أن يكونوا قد استخدموهم مطية وركوبة، ثم ألقوا بهم بين سجين ومطارد ومتهم وحبيس البيت واللسان، بل وقتيل في سبيل الشيطان مع أن الأصل بالعلماء وجوب بيان الحق ولو على قطع الأعناق ورحم الله السلف الصالح لقد كانوا خير مثال في وجوب الصدع بكلمة الحق .

 

ولبيان وجوب الخلافة وأهميتها، نذكر هنا مجموعة من أقوال أهل العلم، ليتدبر فيها الناس اليوم عسى أن يفتح الله من خلالها ما أغلق من قلوب، وأن ينير بها ما أظلم من عقول:-

 

قال أبو المعالي الجويني (في غياث الأمم): "الإمامة: رياسة عامة، وزعامة تامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات أو لدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقي، فإذا تقرر وجوب نصب الإمام فالذي صار إليه جماهير الأئمة أن وجوب النصب مستفاد من الشرع المنقول...".

 

وقال ابن حزم (في الفصل في الملل والأهواء والنحل): "اتفق جميع أهل السنة وجميع الشيعة، وجميع الخوارج (ماعدا النجدات منهم) على وجوب الإمامة".

 

وقال الماوردي (في الأحكام السلطانية): "وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم".

 

وقال ابن حجر العسقلاني (في فتح الباري): "وقال النووي وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل".

 

وقال ابن حجر الهيثمي (في الصواعق المحرقة): "اعلم أيضا أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم".

 

وقال ابن خلدون (في المقدمة): "إن نصب الإمام واجب، قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك ولم يترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام".

 

وقال النسفي (في العقائد): "والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسدّ ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة المتلصصة وقطاع الطريق وإقامة الجمع والأعياد وقبول الشهادات القائمة على الحقوق وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياءلهم وقسمة الغنائم".

 

وقال جمال الدين الغزنوي في (أصول الدين): "لا بد للمسلمين من إمام يقوم بمصالحهم من تنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وصرفها إلى مستحقيهم، لأنه لو لم يكن لهم إمام فإنه يؤدي إلى إظهار الفساد في الأرض".

 

وقال عضد الدين الإيجي (في المواقف): "نصب الإمام عندنا واجب علينا سمعاً. وأما وجوبه علينا سمعاً فلوجهين، الأول: إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي امتناع خلو الوقت عن إمام حتى قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته: "ألا إن محمداً قد مات ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به"، فبادر الكل إلى قبوله وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن رسول الله ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر، الثاني: "إنه فيه دفع ضرر مظنون وإنه واجب إجماعاً. بيانه إنا نعلم علما يقارب الضرورة أن مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود والمقاصات وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً وذلك لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعن لهم...".

 

 

وقال القرطبيّ (في تفسيره): "هذه الآية أصلٌ في نصب إمامٍ وخليفةٍ يُسمعُ له ويطاعُ؛ لتجتمع به الكلمةُ؛ وتنفذ به أحكامُ الخليفة. ولا خلافَ في وجوب ذلك بين الأُمة ولا بين الأئمَّة إلا ما روي عن الأصَمِّ- أبو بكرٍ الأصم من كبارِ المعتزلة- حيث كان عن الشريعة أصمَّ؛ وكذلك كلُّ مَن قال بقولهِ واتبعه على رأيهِ ومذهبهِ، قال: إنَّها غيرُ واجبةٍ في الدِّين بل يسوَّغ ذلك، وأن الأمةَ متى أقاموا حَجَّهُم وجهادَهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحقَّ من أنفسهم، وقسَمُوا الغنائمَ والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدودَ على مَن وجبت عليه، أجزأَهم ذلك، ولا يجبُ عليهم أن ينصِّبوا إماماً يتولَّى ذلك. ودليلُنا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيْفَةً) وقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا دَاوودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ) وقال: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرض) أي يجعلُ منهم خلفاءَ، إلى غيرِ ذلك من الآيات".

 

وقال ابن تيمية (في السياسة الشرعية): "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. ولأنّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلا بقوة وإمارة...".

 

وقال شمس الدين الرملي (في غاية البيان): "يجب على الناس نصب إمام يقوم بمصالحهم، كتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم إن دفعوها وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق وقطع المنازعات الواقعة بين الخصوم وقسمة الغنائم وغير ذلك، لإجماع الصحابة بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم على نصبه حتى جعلوه أهم الواجبات، وقدموه على دفنه صلى الله عليه وآله وسلم ولم تزل الناس في كل عصر على ذلك".

 

وقال الشيخ الطاهر بن عاشور (في أصول النظام الاجتماعي فيالإسلام): "فإقامة حكومة عامة وخاصة للمسلمين أصل من أصول التشريع الإسلامي ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة بلغت مبلغ التواتر المعنوي. مما دعا الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسراع بالتجمع والتفاوض لإقامة خلف عن الرسول في رعاية الأمة الإسلامية، فأجمع المهاجرون والأنصار يوم السقيفة على إقامة أبي بكر الصديق خليفة عن رسول الله للمسلمين. ولم يختلف المسلمون بعد ذلك في وجوب إقامة خليفة إلا شذوذاً لا يعبأ بهم من بعض الخوارج وبعض المعتزلة نقضوا الإجماع فلم تلتفت لهم الأبصار ولم تصغ لهم الأسماع. ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله، فكان من أبوابه الإمامة".

 

هذه بعض أقوال العلماء الأجلاء وهذه كتبهم أيها المسلمون، وهذه ذكرى الهجرة، فنذكركم بالعمل مع المخلصين العاملين لإقامة دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فالعمل العمل، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

 

 

     
26 من ذي الحجة 1439
الموافق  2018/09/06م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد