2 من ربيع الثاني 1440    الموافق   Dec 10, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

مع بدء العام الدراسي الجديد

المنظومة التعليمية في الحضيض

 

 

يولي الناس في الأردن كما في بلاد المسلمين الاخرى، التعليم والمعرفة اهتماماً بالغاً ويكرسون الوقت والجهد والإنفاق ليحصّل أبناءهم أفضل مستوى من التعليم والتحصيل المعرفي والثقافي والعلمي، فمع بدء العام الدراسي الجديد ينهمك الأهالي في المفاضلة ما بين  المدارس  الحكومية والقطاع الخاص، وما بين نظام التعليم بين منهاج وطني وأمريكي وبريطاني، وما بين توجهات ثقافية مدرسية في القطاع الخاص تتعلق بالمعتقدات والتقاليد، ويصل الانشغال أحياناً في اختيار المنطقة التي سيدرس فيها أبناءهم، لكسب بعض الامتيازات التي توفرها تلك المنطقة الطرفية حسب تعليمات وزارة التربية والتعليم.


غير أن فرحة المجتمع  في الإقبال على العام الدراسي، والتحاق الطلاب بمدارسهم، تكون ممزوجة بالمرارة والألم والإحباط المتعاظم بين الحالة الاقتصادية المتردية والبطالة والضروريات الأساسية في الإنفاق على التعليم، حيث أنفق الناس ما يقارب 25 مليون دينار في يومين سبقا العام الدراسي الجديد، على الألبسة والحقائب المدرسية  فقط، ناهيك عن الإنفاق الهائل على الرسوم التعليمية من رياض الأطفال إلى المدارس والجامعات في الداخل والخارج، الذي قصم ظهور الناس في محاولاتهم لتوفير تعليم يحقق الحد الأدنى من الجودة  التعليمية في ظل تردي المنظومة التعليمية  للدولة على كافة المستويات الإلزامية والثانوية والتعليم العالي، وتعثر المخرجات التعليمية التي تُواجَه بالإحباط الشديد والبطالة عند التخرج بحيث زادت عن 18% من عدد السكان وتزيد حسب الشرائح المجتمعية المختلفة.


ولا يحتاج المرء إلى عناء  لمعرفة المدى الذي وصلت إليه مستويات التعليم من سوء، حيث يبذل الآباء والأمهات الجهد الأكبر في المتابعة المنزلية لتدريس أطفالهم، لشعورهم أن التحصيل المعرفي والتعليمي للمناهج والأسلوب التعليمي لا يحقق إلا النذر اليسير الذي يحتاجه الطالب من معرفة وثقافة وعلوم حتى في سياق مناهج منسلخة عن ثقافة الأمة وعقيدتها ولغة دينها، فقد جاء في تصريح لوزير التربية والتعليم الأسبق أن "ما يقارب 100 ألف أي 22% من إجمالي عدد الطلاب وفي الصفوف الثلاثة الأولى لا يستطيعون قراءة الحروف العربية أو الإنجليزية"! والذي أشار في نفس السياق قبل ثلاثة أعوام أن 342 مدرسة تقدم طلبتها لامتحان التوجيهي في دورته الصيفية، ولم ينجح منهم أحد! أما عن التعليم العالي فقد أشارت أمين عام المجلس الأعلى للسكان إلى "إنه يواجه ضعفاً في مدخلاته وانخفاض جودة التعليم بكافة مراحله ومستوياته"، وهكذا كلما تولى مسؤول تربوي أو وزير جديد مهامه، شهد ببطلان وفساد العملية التعليمية بكل فروعها ومراحلها، ويدعو رواده إلى وجوب إصلاح المنظومة التربوية التعليمية من جديد.


في خضم هذه المعاناة الاقتصادية  للتعليم على المستوى المجتمعي الفردي، وتحت ظل التنافس الأممي لما يسمى باقتصاد المعرفة، يغيب عن الأذهان القضية الأهم وهي المنظومة الفكرية السلوكية للسياسة التعليمية والغاية منها، والتي يكرسها النظام في الاردن عبر ارتجالات طَفرية من وقت لآخر للقائمين على هذه المنظومة من حكومة ومؤسسات ولجان، متغيرة سنوياً تقريباً، فلا تكاد ترسى خطة ما إلا وسرعان ما تتغير وتتبدل وتعدل إما بتغيير أصحاب الصلاحية أو بتجديد الإملاءات الخارجية، حسب الوضع السياسي كما حصل مؤخراً في تفريغ المناهج من قيم الإسلام وما يتعلق بعقيدة الامة، ولكن تبقى الغاية من السياسة التعليمية والأساس الذي يقوم عليه التعليم المنهجي واللامنهجي للدولة عند الجميع غامضاً وبعيداً عن الشخصية التي يراد إيجادها في مجتمعاتنا الاسلامية. ونظراً لغياب هذا المفهوم عن قصد وتضليل، فإن مجموعة المعارف التي تُعطى للطالب في هذه الفترة من حياته، لم تكن لتضع من عملية بناء الشخصية هدفاً يحسب له حساب، ولذلك لم توضع البرامج المناسبة لتحقيق هذه الغاية، ولغياب هذا المفهوم، يكاد ينعدم من يحاسب الدولة عن هذا الأمر.


لقد كان الغزو الفكري الثقافي أشد أثراً على الأمة من الغزو العسكري، فبعد أن أوهم الغرب الكافر المستعمر المسلمين أنهم خرجوا من بلادهم عسكرياً، غزوا الأمة بغزو فكري شرس، وكان التعليم على رأس القائمة، فتسلم وضع المناهج أنظمة حاكمة جبرية طاغوتية تعمل لصالح أعداء الامة، وكانت تلك المناهج وسياسة التعليم قائمة على أساس المبدأ الرأسمالي الخبيث، وهو فصل الدين عن الحياة وسلخ العقيدة الاسلامية كأساس للدولة وثقافة الأمة، فكان من أهم أسباب فشل السياسة التعليمية، هو التناقض بين الثقافة المرجوة والأهداف المتماهية مع الدولة القُطرية الوطنية الناشئة حديثاً، كما في الأردن وكل البلاد الإسلامية التي أُقيمت بعد القضاء على دولة الخلافة، والثقافة التي عملت سياسة الاستعمارعلى سلخها من مناهج التعليم الذي يُعنى بالشخصية الحقيقية للمبدأ الذي تعتنقه الأمة دون الدولة وهي الثقافة الإسلامية.


إن ثقافة أي أمة هي العمود الفقري لوجودها وبقائها؛ فعلى هذه الثقافة تبنى حضارة الأمة وتتحدد أهدافها وغايتها ويتميز نمط عيشها، وبهذه الثقافة ينصهر أفرادها في بوتقة واحدة، لأن هذه الثقافة هي عقيدتها وما ينبثق عن هذه العقيدة من أحكام ومعالجات وأنظمة للحياة، وما يبنى عليها من معارف وعلوم، وثقافة الأمة هي الصانع لشخصيات أفرادها، فهي التي تصوغ عقلية الفرد وطريقة حكمه على الأشياء والأقوال والأفعال كما تصوغ ميوله، وبالتالي تؤثر في عقليته ونفسيته وسلوكه، والتعليم هوالطريق لحفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها وفي سطور كتبها، سواء أكان التعليم منهجياً أم غير منهجي. والتعليم المنهجي هوالتعليم المنضبط بأنظمة وقوانين تتبناها الدولة، وتكون الدولة مسؤولة عن تنفيذه.


إن النظرة العلمانية والرأسمالية لأنظمة التعليم، شكّلت منظومة تعليمية تهدف وبكل بساطة لتهيئة الطلاب للوظائف وقياس نجاحاتهم اعتماداً على قيمتهم في سوق العمل بدل بناء شخصيتهم الإسلامية، وتعليمهم المهارات الحياتية، وتوجيه طلبهم للمعرفة لخدمة احتياجات مجتمعاتهم وتطويرها. هذا إلى جانب التنظيم السيئ والتمويل الزهيد للتعليم من قبل الدولة على رعاياها والمقيد بالمنح والمساعدات الخارجية، التي تؤدي إلى فرض نماذج التعليم المأخوذة على أسس استعمارية رجعية، وما مدارس وأكاديميات القطاع التعليمي الخاص بكافة أطيافها وتكاليفها الباهظة، إلا شاهد من شواهد البديل الوهمي للسياسة التعليمية المتدهورة، والتي هدفت بكل بساطة إلى استعباد عقول أجيال مستقبلنا الإسلامية لتَتبَع الثقافة الغربية العلمانية الهابطة، والتي هي أساس أزمة التعليم.


إن ما نحتاجه لبناء نظام تعليمي من المستوى الأول هو نظام سياسي من الطراز الأول: الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة على أسس الإسلام، فدولة الخلافة ستتبنى نظرة مستقلة للتعليم تهدف إلى بناء شخصيات إسلامية متميزة وإلى التميز في فهم الدين والعلوم التجريبية، مما يؤدي إلى تخريج أعداد كبيرة من الباحثين والخبراء في كل المجالات العلمية والأكاديمية، ما من شأنه أن يبني علاقة قوية بين نظام التعليم والاحتياجات والاهتمامات الأساسية للمجتمع في الصناعة، والزراعة، والاقتصاد، والجيش، والعلوم والتكنولوجيا ومختلف القطاعات، بتسخير أفضل العقول والمهارات في الأمة للقيام بذلك.


وقد فصّل حزب التحرير هذه السياسة التعليمية في دولة الخلافة في إصداراته المختلفة، مثل "أسس التعليم المنهجي في دولة الخلافة"، و الحزب بما يملكه من وعي وحرص لاستئناف الحياة الإسلامية بالعمل مع الأمة وبها، قد وضع سياسة للتعليم في مشروع دستور دولة الخلافة الراشدة والتي يعمل من أجل إقامتها ورفعة هذه الأمة ومكانتها على رأس كل الأمم، وسيتبع إن شاء الله في مقالات أخرى، المرور على أهم تفاصيل بنود هذه السياسة، وتصور تطبيقها عملياً، لتحقيق الغايات والأهداف المرجوة، وعلى رأسها إيجاد الشخصية الإسلامية وتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة.


 

د. عبدالله شاكر

كتبه للمكتب الاعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن

 

 

     
25 من ذي الحجة 1439
الموافق  2018/09/05م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد