7 من شوال 1439    الموافق   Jun 21, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

"غزوة بدر دروس وعبر"

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد


فقد حددت وزارة الأوقاف موضوع الخطبة  الموحدة الجمعة للسادس عشر من رمضان لعام 1439 هجرية الموافق  للأول من حزيران لعام 2018 ميلادية تحت عنوان: "غزوة بدر دروس وعبر".


تكلمت الخطبة الموحدة في غزوة بدر الكبرى بسرد تاريخي للوقائع والأحداث، وهذا السرد التاريخي بقصد أو بدون قصد أفقد يوم الفرقان معناه ومضمونه، وهذه السمة التاريخية القصصية التي طغت على فهم وقائع السيرة النبوية ومراحل الدعوة بشقيها المكي والمدني حرف للبوصلة الإسلامية اليوم عن الفهم الحقيقي لمراحل هذه الدعوة، وفصل لأفكار الإسلام عن طريقته في التطبيق، وإضعاف للربط بينهما، فترى واقع المسلمين اليوم يندى له جبين كل حر، والأمة تحاول وصولا إلى عزة بدر الكبرى ولكنها لم تمسك زمام المبادرة بعد، فلعلنا - وربي على كل شيء قدير- نقف على بعض من تلك الجوانب المضيئة في هدي الدعوة وسيرها بطريقة عملية ملتزمة بشرع الله يكون فيها سبيل الرشاد.


جاءت غزوة بدر الكبرى تتويجا لخمسة عشر سنة من الدعوة فلا ريب أنها كانت الفرقان، فرقانا بين عقائد البشر الباطلة الزائفة المنحرفة عن منهج الله العظيم، وبدءا لمعركة التحرير معركة تحرير البشر من تشريعات البشر إلى منظومة إلهية تشريعية متكاملة الجوانب ترعى شؤون الإنسان بوصفه إنسانا، وإيذانا ببدء نشر المبدأ الإسلامي عقيدة تعتنقها الجماعات والأفراد والدول في فتوحات تخرج العباد من سلطان العباد إلى سلطان رب العباد، من التيه و الضلال في تشريعات البشر الظالمة إلى أنوار العدل والهداية في تشريع رب البشر ومنظم علاقاتهم.


غزوة بدر الكبرى جاءت إيذانا بمرحلة استمرت بعد ذلك أربعة عشر قرنا، مرحلة إزالة العقبات المادية التي تقف في وجه مبدأ الإسلام وتشريعاته من أن يصل لكل إنسان مخاطبا عقله لإخراجه من دياجير الظلام إلى عدالة الإسلام، جاءت غزوة بدر لنشر هذا المبدأ العظيم بعد سنتين فقط من البدء بتطبيق هذا المبدأ العظيم في دولة الإسلام دولة المدينة الفتية.


غزوة بدر الكبرى فيها من التوجيه الرباني وإعداد الكتلة المؤمنة ما فيها، فالله عز وجل بين للمسلمين أنه هو المسير للأمور. فالمسلمون لم يكونوا قد خرجوا ابتغاء الحرب وإنما قد خرجوا ابتغاء القافلة ينفلونها ولكن تدبير الله ومشيئته هي الماضية على كل البشر و حملة الدعوة من بينهم، فتتغير الأمور وتنقلب مجريات الأحداث ويخرجون للحرب ليهزموا قريشا شرّ هزيمة في أول موقعة بينهم،  قريشا التي وقفت في وجه الدعوة ونكّلت وعذّبت وأصابت من المؤمنين أذىً كثيراً، (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).



هذا تدبير الله للدعوة، عندما هاجر الرسول والمسلمون إلى المدينة شرعوا في بناء  دولة الإسلام، وسط مخاطر كثيرة وتهديدات متواصلة من قوى الكفر والطغيان خاصة  قريش التي أَلَّبَت العرب كلهم على المسلمين في المدينة، وفي هذه الظروف الخطيرة أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين لإعلان البدء بإزالة  الباطل وإقامة شعائر الإسلام وامتداده ونشر الدعوة الإسلامية وإزالة الحواجز المادية التي تحول دون نشر الإسلام.


لقد اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم سياسة حكيمة في القتال كيف لا وهو قائد الدولة، هذه السياسة تقوم أساسًا على إضعاف قريش بضرب  القوة الاقتصادية لها لانها عماد قوة قريش، وإعلان البدء بالتحرش بها ورسالة سياسية للعالم أجمع ولقريش خاصة أن دولة الإسلام قوة قادمة وليست حدودا في عمق الصحراء وإمارة فردية بل كيان سياسي عالمي لعالمية الفكرة والدعوة، وإعلان مرحلة جديدة بدأت بالإغارة على القوافل التجارية المتجهة للشام، وقد انطلقت شرارة السرايا بسرية سيف البحر في رمضان 1هـ بقيادة حمزة بن عبد المطلب،  وتوالت السرايا التي اشترك في بعضها الرسول بنفسه، مثل: الأبواء وبواط، حتى كانت غزوة ذي العشيرة عندما جاءت الأخبار للرسول صلى الله عليه وسلم بأن عيرًا لقريش يقودها أبو سفيان بن حرب قد خرجت إلى الشام فخرج يطلبها ففاتته إلى الشام فرجع المدينة وهو ينتظر عودتها من الشام ليأخذها..


وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتمد على سياسة بث العيون وسلاح الاستخبارات لنقل الأخبار بحركة القوافل التجارية وقد نقلت له العيون بأن القافلة راجعة من الشام محملة بثروات هائلة تقدر بألف بعير فندب الرسول الناس للخروج لأخذ هذه القافلة فتكون ضربة قاصمة لقريش.


لم يكن يظن المسلمون أن سير الحرب سيتحول من إغارة على قافلة بحراسة صغيرة إلى صدام مع جيش كبير مسلح يقدر بثلاثة أضعاف جيشهم، بعد إدراك  ابي سفيان للخطر قام  بالالتفاف بالقافلة  حيث  حول  خط سير القافلة نحو الساحل غربًا تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة وهنا تدرك قريش مراد رسول الله وخطته  وتدرك الرسالة السياسية التي أرادها وهي من الذكاء والحنكة المشهود لها فقد حرّض أبو جهل عمرو بن هشام قريشا على القتال واستغلال الفرصة لتوجيه ضربة قاصمة للمسلمين، وفرض هيبة قريش على القبائل العربية، أما رسالة دولة الإسلام ورسول الله لم تكن مجرد سلب قافلة بل غايته تتعلق بأمر كبير وخطير لعل بعض المسلمين لم يدركوه حيث  قال تعالى:{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُون}


وقال تعالى: { وإِذْ يَعِدُكُمُ اللّه إِحْدىَ الطَّائِفَتَيْن أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ الله أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرين} فالمعركة باتت واضحة لكلا الطرفين كيان قريش كيان الباطل ومحاولة فرض هيبته ومكانته ، وكيان دولة الإسلام القوة القادمة، فكان حتما لا بد من اللقاء والخروج، وهنا واجهت رسول الله صلى الله عليه وسلم مشكلة تتعلق بشرط البيعة من قبل الأنصار الذين تعهدوا الحماية والنصر في المدينة وليس  خارجها فوقف  عليه الصلاة والسلام يخاطبهم قائلا: "أشيرواعليّ أيها الناس".


وكان يريد بذلك الأنصار ليعرف استعدادهم لذلك، فقال سعد بن معاذ: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله!" قال: "أجل"،قال: "فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة؛ فامض يا رسول الله لما أردت؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًّا غدًا، وإنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك مناما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله"، فسُرّ الرسول صلى الله عليه وسلم بما قاله المهاجرين والأنصار، وقال: "سيروا وأبشروا؛ فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين".


أي إيمان ملأ قلوبهم وأي تضحية تلك لكنها ليست غريبة؛ أنها رسالة الإسلام التي غرست في قلوب المؤمنين بها أنهم محل الإيمان والتصديق والتضحية وفداء رسالة الإسلام ودولته وقائده صلى الله عليه وسلم. ما أعظم الأنصار وما أعظم مواقفهم التي  تتوق الأمة اليوم وتحتاج لمثلهم من أهل نصرة ، ينصرون الإسلام وأهله يكررون قول سلفهم من الانصار لنصرة  لحملة الدعوة اليوم الذين يعملون لاستئناف الحياة الإسلامية،  بإعادة الحكم بما أنزل الله.


ومن المواقف الخالدة في تلك المعركة بعد أن قام الرسول صلى الله عليه وسلم يحرض المسلمين على القتال، فقال لهم: "والذي نفسي بيده لا يقاتلنهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، فقال عمير بن الحمام: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة"، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل رحمه الله.


وسأل عوف بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟"، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "غمسه يده في العدو حاسرًا"،فنزع عوف درعًا كانت عليه، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل.


وجاء غلامان صغيران هما معاذ بن عمرو ومعوذ بن عفراء، وظلا طوال القتال يبحثان عن أبي جهل لأنهما أقسما أن يقتلاه؛ لأنه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالفعل وصلا إليه حتى قتلاه، وقام ابن مسعود بحز رأسه وحملها للنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال عندما رآها: "الله أكبر والحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، هذا فرعون هذه الأمة"


أيها المسلمون وانتم اليوم تعيشون شهر رمضان شهر العزة والجهاد والمعارك الكبرى، شهر بدر الفرقان ...ألا تشتاق نفوسكم ليوم كيوم الفرقان، ألا تشتاق نفوسكم للعيش كما عاش رسولكم صلى الله عليه وسلم حياة الإسلام والبطولة والفداء، والله انها دولة الإسلام التي أقامها رسولكم -بطريقة الوحي -هي الوحيدة القادرة على عودتكم كما كنتم وهو وعد من الله لقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)


وبشرى رسوله صلى الله عليه وسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.


فاعملوا لها لعل الله يكحل أعيننا بالنصر القريب وما ذلك على الله ببعيد.

 


المكتب الاعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن

 

 

 

     
15 من رمــضان 1439
الموافق  2018/05/31م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد