10 من محرم 1440    الموافق   Sep 20, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

سلسلة نظرات إستراتيجية قرآنية(2)

في ظلال سورة يوسف بعنوان :

 

ثبات حملة الدعوة و دوام صدقهم  تهيئة ربانية لهم ليكونوا محل ملاذ الناس يطلبون عندهم الخلاص مهما إدلهمت بهم الخطوب

 

 

لقد كان لنزول سورة يوسف على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة للبعثة إشارة عظيمة و قصد رباني ، خاصة في ذلك التوقيت الحرج الذي أحاطت كل الظروف الصعبة بالنبي صلى  الله عليه وسلم ومن معه و إدلهمت الخطوب بهم و كاد ان يكون الاستيئاس سيد الموقف بعدما رفضت جل قبائل العرب بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على نصرة رسالة الإسلام ، و بعدما توفي أقرب الناس إليه عمه أبو طالب و زوجته خديجة رضي الله عنها، لفقده من يواسيه و يسانده و يخفف عنه .


فقد أنزل الله تعالى هذه السورة في السنة العاشرة للبعثة كما أكد المفسرون، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجوب نجد و الحجاز متقصداً قوى العرب آنذاك المتمثلة بقبائلها، طالباً منهم بيعته على الإسلام و إقامة دولته، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم واجه الصد و الرفض و الإستهزاء و التهكم علاوة على الايذاء الجسدي، وحادثة الطائف لا تكاد تغيب عن الأذهان عند الحديث عن هذا الجانب من السيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي .

 

لكن ما الذي جاء مقصودا في سورة يوسف في هذا الوقت ؟

 

إن كل من يقرأ سورة يوسف يعلم أن الظلم الذي وقع على نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام كان شديداً منذ صغره الى ان بلغ أشدّه ، و تتلخص قصة ظلمه و معاناته و إيذائه عليه السلام ما بين مؤامرة إخوته عليه و إلقائهم له في البئر، ثم بدأت معاناته بعد ذلك كغلام مملوك لسيده إلى أن أدخل لسنوات في السجن ظلماً، على جرمٍ لم يفعله من قبل الأسرة الحاكمة في مصرمع ما لاقاه من امتهان و قهر و تشهير بسمعته، و قد بلغ في ذلك الوقت أشُده و آتاه الله  النبوة والحكمة يقول الله تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) .

 

إلا أن ثبات يوسف عليه الصلاة والسلام و صدقه و صبره و دعوته لكل من جالسه الى الإيمان بالله تعالى و إنتشار خبره في صدق تعبيره للرؤيا وهو داخل السجن، كان بمثابة تهيئة ربانية له مع أنه ليس إلا مجرد  سجين مملوك مستضعف في نظر الناس، ليكون بعدها موئلا للناس و لسادتهم ، يلتفون حوله ليقينهم أنه هو من سيخلصهم من تخوفهم لشعورهم بالعجز في إيجاد الحلول لمشاكلهم، يقول الله تعالى على لسان سادة مصر : ( يوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ).

 

فجاءت اللحظة التي لم تكن في حسبان يوسف عليه السلام و لم تخطر في باله، و التي مكًنه الله تعالى فيها بعدما استيأس من نصرة أهل الحكم و القضاء له في مصر.


لقد بات  أهل مصر يعلمون أن يوسف عليه السلام غير سائر الناس وأن ما يملكه من بصيرة دون غيره جعلته محل إستنجاد أهل مصر به لحل أزماتهم من خلال سمعته التي سادت أوساط الناس و الحكم آنذاك، مع أنه المتهم و المشهر به كذبا و السجين الذي لا يملك من أمره شيئا ولا خلاصاً، إلا أنه صار في نظر الناس الوحيد الذي يملك الخلاص لهم.


فما كان من أهل الحكم في مصر إلا أن جعلوه سيداً أميناً على خزائن دولتهم  . مما جعله في حالة تمكين يبلغ الناس و يطبق عليهم دين الله لا دين ملك مصر. إذ يقول الله تعالى على لسان ملك مصر: ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ).

 

فأصبح في مكانة تمكين و عزة و نصر بعد اضطهاد و ظلم و بطش، و تجلَى هذا في أتم صوره عندما تربع يوسف عليه الصلاة والسلام على عرش مصر فقال في مشهد من العزة و التمكين لأبويه و إخوته في قوله تعالى:

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .

 

و بذلك أتم الله تعالى على نبيه يوسف عليه الصلاة والسلام النصر الذي وعده منذ أن أراه الله تعالى إياه في منامه .

 

و هذا ما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعدما استيأس من نصرة أهل القوة و المنعة من قبائل العرب وظن أنه كذب من قبلهم، حتى يسًر الله تعالى أهل قوة و منعة لم يكونوا في حسبانه في خطته التي رسمها في طلب النصرة، حيث لم يفكر أصلا في الذهاب إليهم من قبل مع أنهم كانوا أخواله، وظن أن كونهم موالي يهود فهم أبعد الناس عن نصرته او بسبب ظنه أنهم ليسوا أهلا للمنعة، هؤلاء هم الأوس والخزرج الذين ما ان علموا بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ما كان منهم الا ان استبقوا إليه لئلا تسبقهم إليه يهود، فقد رأوا في النبي صلى الله عليه خلاصهم مما هم فيه من مشاكل و حروب  و شقاء و بؤس ، فآمنوا به و اتبعوه دون أي تردد ، فبايعوه بيعة العقبة الاولى على الإيمان و الاتباع ثم الثانية على اقامة الدولة ونصرة الدعوة ، فأعلنت المدينة دارا للإسلام و مكن بذلك الله لدينه و لرسوله و للمسلمين المستضعفين في الأرض.

 

ولقد ورد في أواخر هذه السورة العظيمة قول الله تعالى : ( قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . و قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) .

 

إن في سورة يوسف لعبرة و عظة لحملة الدعوة إلى يوم القيامة ، فالذين اتخذوا طريقة النبي صلى الله عليه وسلم من بعده نهجاً وسعياً لتمكين الإسلام و إقامة دولته و إعلاء كلمة الله بتحقيق الاستخلاف في الأرض ، فسيكفيهم الله تعالى مكرعدوهم وتآمر الكافرين و المنافقين عليهم، مهما بلغ بهم الظنون ان الطرق مسدودة أمامهم و من حولهم ، الا ان الله تعالى يهيؤهم  ليكونوا محل ملاذ للناس، لا يجدون عند غيرهم ما يجدونه عندهم من صدق و ثبات، كيف لا و هم دعاة الإسلام و دستوره الذي جعله الله تعالى خلاصاً لكل البشرية ، فستأتي اللحظة السانحة و الحاسمة من حيث لا يحتسبون، و سيأتيهم الفرج في حلكة من الليل و استيئاس من الناس، فالنصر جاء ليوسف عليه السلام في لحظة من الاستيئاس و إنقطاعٍ للأسباب و بلا ترتيب لها .

 

و كذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاءته ساعة النصر في غير ما يظن و في الوقت الذي لا يكاد يرى فيه بشائر النصر ولا أسبابه .

 

يقول الله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) يوسف 110

 

إن في سورة يوسف سلوى للمؤمنين و طمأنةٌ إلهية لهم تذكرهم في كل حين ان ثباتهم و صبرهم و صدقهم هو سبيل النصر و الفرج في ساعة اختارها الله تعالى بحكمته و علمه  .


و رحم الله التابعي عطاء بن رباح إذ قال في سورة يوسف قولاً بليغاً : ( ما استمع أحد إلى سورة يوسف إلا استراح وخرج ما به من همّ ومن غمّ ) .

 

فمن هذا المنطلق الإيماني فإن على حملة الدعوة في أيامنا هذه ان يغذوا الخطى نحو إقامة الخلافة التي ترضي الرب و تخلص البشرية من كل الشرور الدولية، ثابتين صادقين مخلصين متوكلين على الله حق توكله، مستبشرين بوعد الله تعالى لهم، مطمئنين بقدوم النصر الذي سيهبه الله تعالى لهم في وقته والله أحكم الحاكمين، يقول الله تعالى : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ).

 

 

كتبه للمكتب الاعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن

الاستاذ محمد عبد العزيز

 

 

 

     
08 من شـعبان 1439
الموافق  2018/04/24م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد