4 من ذي الحجة 1439    الموافق   Aug 16, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات حول خطبة الجمعة
لو كان الفقر رجلا لقتلته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد خاتم النبيين وقائد الغر الميامين. الحمد لله القائل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) هذا الدين العظيم الذي جاء موافقًا لفطرة الإنسان، ومقنعًا لعقله؛ ليملأ قلوب البشر طمأنينة، هذا الدين العظيم لم يترك شاردة ولا واردة، وما سيجد من أمور في حياة البشر إلا ووضع لها من الأحكام ما إن طبقت في واقع حياة الناس فستؤدي حتمًا إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.

ومن الأمور والمشاكل التي جاء الإسلام بحلها ووضع لها من الأحكام ما يزيلها، ويقلل من آثارها مشكلة الفقر. هذه المشكلة التي توجد في جميع المجتمعات، ولكن الإسلام هو المبدأ الوحيد الذي شرع لهذه المشكلة من الأحكام ما يؤدي لإنهائها، ومن أدلة ذلك:

حث الإسلام على العمل لمنع وصول الناس لمرحلة الفقر ومد أيديهم يطلبون فيها الصدقة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ. قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا. قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي به، وقال: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ، وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ. فَقَالَ: اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...".

فواجب الدولة أن توفر العمل للرعية حتى يتمكنوا من القيام بما عليهم من حقوق والتزامات، وتقضى على الفقر والبطالة في المجتمع.
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الله تعالى الغنى فقال: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"، وقرن في الاستعاذة بين الكفر والفقر فكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر". فقال رجلان: ويعدلان؟! فقال رسول الله (نعم). فقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفقر والكفر لخطورته بل قد يؤدي للكفر والعياذ بالله.

أيها المسلمون: إن معاناتكم التي تتفاقم، وضنك عيشكم الذي يتعاظم، وتفشي الفقر ما هي إلا نتيجة حتمية لغياب الإسلام عن معترك حياتكم، وقطعًا ليس لها حل إلا بنظام الإسلام الذي ارتضاه الله لكم منهجًا للحياة وطريقةً للعيش، بتطبيق أحكامه في كل مناحي حياتكم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)، وإلا فستزداد معاناتكم وتتفاقم وأنتم تنظرون، فكل الحلول من غير الإسلام هي حلول عبثية وعقيمة تسرّع في الغرق والضياع!!

وأما حال الأردن فهو أزمة سياسية، وأزمة نشأة وبقاء ووظيفة قبل أن تكون اقتصادية فضلًا عن فساد منهج، وفساد نظام وأدوات حكم وسياسيات إجرامية بزيادة فرض الضرائب، ورفع الأسعار مع انعدام وقلة العمل نتيجة السياسيات المتعبة مما أدى إلى إغلاق الكثير من الشركات، وهروب بعضها فضلا عن جريمة بيع الملكية العامة للغرب مما نتج عنه حتمًا الفقر والعوز والبطالة وانتشار الجريمة، فالأنظمة والحكومات المتعاقبة لا يتخذون نظام الإسلام منهجًا للحياة، وهم حريصون على استمرار إقصاء أحكامه عن واقع حياة الناس، ويتخذون من العقيدة العلمانية - فصل الدين عن الحياة - والنظام الرأسمالي منهجًا للحياة، وطريقة عيش وعقيدة في الحكم والاقتصاد والاجتماع، فكانت التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للكافر المستعمر حيث التآمر على الأمة، وثرواتها، وقضاياها، وحاضرها، ومستقبلها، وتسلطوا على رقاب الناس مستقوين عليهم، وتفننوا في إذلالهم وفي صناعة الرذيلة، والفساد، والظلم، والفقر، والشقاء، والضنك، وما نظام الاقتصاد الرأسمالي العفن الذي تطبقه علينا الأنظمة الحاكمة إلا نتاج لهذه العقيدة العلمانية الكافرة التي أفسدت، وتفسد كل مناحي حياتنا عن سبق إصرار وتخطيط، فكان الفساد السياسي، والإداري، والمالي حيث استحكم بكل مفاصل الدولة، وكانت منظومة الإجرام والفساد من المتنفذين والسياسيين الذين نهبوا الأموال العامة والخاصة هي المتحكمة في مصير البلاد والعباد، وأثقلوا كاهل الناس في الأردن بمديونية وصلت إلى أرقام فلكية صادمة تعدت الـ 35 مليار دولار، وأذعنوا لتوصيات البنك الدولي - الراعي الدولي لمنظومة الإجرام والفساد - وفرضوا الضرائب، ورفعوا الأسعار، وأوجدوا البطالة التي يزيد معدلها عن 20 بالمائة، فتفاقم الفقر، وارتفع عدد الفقراء والمعوزين، وارتفع معدل الجريمة، وظهرت جرائم جديدة كالانتحار، والسطو المسلح على أموال الناس، وعصابات البلطجية المنظمة التي تفرض الإتاوات على التجار والمستثمرين.

إن هذه الأنظمة هي من صنعت الفقر في بلادنا بتطبيقهم للمبدأ الرأسمالي العفن وإعراضهم عن مبدأ الإسلام. كيف لا وبلاد المسلمين أغنى بلاد العالم بما حباها الله من الثروات الطبيعية، والخيرات وأبناء الأمة أفقر شعوب العالم. فبيع ثروات الأمة من خلال الخصخصة، وقوانين منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي بثمن بخس وإهدار ثروات الأمة، وجعلها بيد شركات الاستعمار أكبر دليل على إفقار الناس وازدياد البطالة بين أبناء الأمة.

وهذه نظرة سريعة لبعض الأرقام التي تبين مدى الفقر في بلاد المسلمين رغم ما يمتلك من ثروات هائلة، فالأرقام التي صدرت منذ أعوام قليلة تؤكد أن عدد سكان العالم ما يقرب 5 .6 مليار نسمة منهم 6 .2 مليار نسمة تحت خط الفقر العادي (أقل من 2 دولار أمريكي للفرد في اليوم) وبنسبة حوالي 40% من السكان، أما من يعيشون فقرًا مدقعًا (أقل من 25 .1 دولار للفرد في اليوم) فيبلغ عددهم 4 .2 مليار نسمة وبنسبة 22% من سكان العالم.
أما عن الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ فهي متسعة إلى حد كبير، فأعلى دخل للفرد في العالم حوالي 65000 دولار في السنة بينما أقل دخل 560 دولارًا، ومن منظور آخر فإن 20% من دول العالم تستحوذ على 80% من الاقتصاد العالمي ولا يتبقى ل80% من دول العالم سوى 20%، وفي طرح ثالث فإن ثروة 3 من أغنى أغنياء العالم تبلغ ما يعادل الناتج المحلي لأفقر 48 دولة.
وتزداد مشكلة الفقر في العالم الإسلامي، فإذا كان عدد دول العالم الإسلامي 58 دولة يعيش فيها مليار ونصف المليار نسمة، فإن 26 دولة منها تصنف عالميًا بأنها دول ذات دخل منخفض أي فقيرة، وأن 871 مليون نسمة من السكان فقراء وأن 43% من الفقراء المدقعين في العالم كله يعيشون في 31 دولة إسلامية. كما إن متوسط الدخل للفرد في العالم الإسلامي 2082 دولارًا في السنة بينما المتوسط العالمي 7439 دولارًا.

هذا هو التشخيص الصحيح لواقع البلاد المرير، وهذا ما يؤدي حتمًا لما نحن فيه، بل وسيزداد الأمر سوءًا إذا بقينا ساكتين راضين بهذا الأمر، فالله لا يغير ما بنا للخير إلا إذا عملنا على تغيير ما بأنفسنا، ورفضنا تطبيق النظام الاقتصادي العفن علينا، وعملنا لتغيير واقع حياتنا بأن نعمل لتطبيق الإسلام كاملًا بأنظمته الحاكمة والاقتصادية والاجتماعية، فننعتق من تسلط الغرب الكافر المستعمر على بلادنا، ونزيل كل أشكال الفساد من بلادنا، فالإسلام كل لا يتجزأ، ومن يدعو لتطبيق بعض أحكامه لعلاج بعض مشاكل النظام الرأسمالي - كالزكاة والصدقات وأعمال الخير وإن كانت الأمة مأمورة بها - إنما هو يعمل لإطالة عمر هذا النظام في التسلط على العباد والبلاد، بل إن أحكام الإسلام تتعارض كليًا مع عقيدة هذا النظام ولن تفلح هذه المعالجات الجزئية من إزالة الظلم عن جميع الناس، وإن خففت عنهم بعض الشيء من آثار هذه المشاكل؛ لأن أثرها محدود في ظل عدم وجود أحكام الإسلام في جميع مناحي حياتنا.

أيها المسلمون: لقد نظم الإسلام الملكيات تنظيما راعى فيه الفرد والمجتمع والدولة، فجعل الملكية الخاصة للأفراد ونظمها بأحكام شرعية تبين للناس كيفية التملك من تجارة أو إرث أو هبة، وجعل ملكية خاصة بالدولة وهي المنشآت والدوائر التي ترعى من خلالها شؤون حياة الرعية كالمستشفيات والمحاكم وغيرها، وحدد الملكية العامة والتي يعود نفعها لجميع المسلمين من ماء ومراعي وثروات كالنفط والغاز والمعادن، فهذه يعود نفعها جميع الناس في ظل دولة الإسلام، وتوزع هذه الثروات على الناس حتى لا يبقى فقير ولا محتاج، ونحقق قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو كان الفقر رجلا لقتلته".
فبذلك لا يكون هنالك عوز ولا فقر في بلاد المسلمين، فإذا ما كان الإسلام مطبقًا فسنعيد سيرة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - حين طافوا بالأموال في زمنه، ولم يجدوا من يحتاج لها!

أيها المسلمون: إن تطبيق الإسلام كفيل بإزالة مشاكل الفقر والبطالة، ومظاهر الفساد، ورحم الله عمر بن الخطاب حين قال فيمن أتى بأموال كسرى: إن الذين أدوا هذا لأمناء، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت. ثم قسّم عمر الأموال على المسلمين. لذلك يجب أن نغير واقعنا بالعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وتطبيق الإسلام في واقع حياتنا من خلال دولة تحفظ أموال الأمة، وترعى أبناءها حق الرعاية، وتنشر العدل والرحمة في أرجاء المعمورة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). (الأنفال24)


 

     
22 من جمادى الأولى 1439
الموافق  2018/02/08م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد