8 من جمادى الثانية 1439    الموافق   Feb 24, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات حول خطبة الجمعة 02/02/2018
علاقة المسلمين بغيرهم


الحمد لله الذي من على الناس بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

بعث الله سبحانه وتعالى الإسلام خاتمًا للرسالات السماوية، وأراد الله للإسلام إنزاله عن منزلته الحقيقية، وهو أنه الدين الصحيح، ولا يشاركه في ذلك أي دين، وهو الدين الذي خاطب الله فيه البشر منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يقبل الله من البشر غيره، وقد طلب الله من جميع البشر ترك أديانهم، واعتناق الإسلام، وقد نسخ الله فيه جميع الأديان، وأصبحت كلها باطلة، وأصبحت كلها كفرًا. قال الله تبارك وتعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، وقال تبارك وتعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، وأصبح جميع معتنقيها كفارًا، لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا، ومن بقي منهم على دينه المنسوخ فهو مخلد في النار، قال الله تبارك وتعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية). يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) أي الشرع المقبول عند الله هو الإسلام ولا دين يرضاه الله سوى الإسلام، (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي وما اختلف اليهود والنصارى في أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلَّا من بعد أن علموا بالحجج النيرة، فلم يكن كفرهم عن شبهة وخفاء، وإنما عن استكبار وعناد، فكانوا ممن ضل عن علم، (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن) أي إن جادلوك يا محمد بشأن الدين فقل لهم: أنا عبد الله فقد استسلمت بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده لا شريك له، وما محاولات المساواة بين الأديان، وتفسير الآيات بأن الإسلام يحترم الأديان السماوية تحت مسمى الإيمان برسل الله إلا تدليس لتمرير القبول بأتباع الديانات الأخرى، والله تبارك وتعالى يقول: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) أي عاليًا عليه ومرتفعًا وناسخًا فرسالَةُ الإِسلامِ نَسَخَتْ جَمِيعَ الرسائل السابقة، ولن يقبل الله من أحد بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه غير دين الإسلام.


وأما الاستدلال بالآية (لا إكراه في الدين) إنما هو في ظل حكم الإسلام، لا يكره أهل الكتاب على ترك دينهم واعتناق الإسلام، ولهم أن يبقوا على دينهم يمارسون شعائرهم مع خضوعهم التام لقوانين الدولة (أحكام الإسلام) كحاملي تابعية الدولة الإسلامية، وهذا ما سار عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم عندما افتتحوا البلدان ونشروا فيها الهدي، وطبقوا على الناس أحكام الإسلام، لم يكرهوا أحدًا على ترك دينه وإنما اعتنقَ أغلب الناس دين الإسلام طوعًا، بعد أن رأوا عدله واقتنعوا بصحته.

 

أما واقع الحوار المطلوب شرعًا مع غير المسلمين فيتمثل بقوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دُونِ اللهِ فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) وروى القرطبي: الخطاب لليهود والنصارى جميعا. وفي كتاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ... ) لفظ مسلم.

 

فالمعنى استجيبوا إلى ما دعيتم إليه وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق وقد فسرها بقوله تعالى: (ألا نعبد إلا الله، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله)، أي أن لا نطيع أحدًا في التحليل والتحريم غير الله سبحانه وتعالى، ولذلك فإن الحوار بيننا وبين أهل الكتاب لا بد أن ينحصر في حمل الدعوة لهم أي دعوتهم إلى الإسلام، وإلا كيف تكون الدعوة للإسلام عالمية وهي توافق الفطرة، وتملأ القلب طمأنينة، والعقل قناعة، ونستأثر بهذه النعمة ولا نعمل على دعوة كافة البشر إليها، كما أمرنا الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟؟

 

إن الحوار مع غير المسلمين يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، ببيان زيف وضلال عقائدهم بالحجة والبرهان، وبيان أن العقيدة الإسلامية عقيدة التوحيد، وما انبثق عنها من أحكام هي الدين الحق الذي أراضيها الله لبني البشر، ويتوج الحوار مع غير المسلمين بدعوتهم لترك ما هم عليه من عقائد وأديان، واعتناق الإسلام، الدين الحق الذي ما عداه باطل، فلا منزلة بين المنزلتين، أما العيش مع من يحمل التابعية من غير المسلمين فقد حدده الشرع بالعدل والتعامل بالحسنى، وقد ضرب المسلمون أروع الأمثال في التعامل مع أهل الذمة الذين ما كانوا ليصلوا للمكانة التي هم عليها الآن لولا المعاملة الحسنة للمسلمين في دولة الخلافة، التي يدعوا العقلاء منهم لعودتها؛ لينعموا بعدل الإسلام ورحمته من جديد. فالعلاقة بيننا وبين أصحاب الأديان الأخرى، لا بد أن تكون مبنية على أساس واحد وهو أن الإسلام هو الحق، وهو دين الله، وأن الأديان الأخرى كفر وباطل، ومحاورتنا لهم إنما تنحصر بإظهار حقيقة الإسلام، ودعوتهم لاعتناقه، وترك ما هم عليه دون أي تنازل عن أي حكم من أحكام الله، وهم لن يرضوا عنا حتى لو تنازلنا عن بعض الأمور، وقد أخبرنا بذلك رب العالمين حين قال وقوله الصدق والحق (ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم)، وليحذر المسلمون من هذه الدعوات، أي دعوات الحوار التي يقصد منها التنازل عن أحكام الإسلام وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من ذلك حيث يقول: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)، وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) أي يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب أن يطفئوا نور الإسلام وشرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأفواههم بمجرد جدالهم وافترائهم وهو النور الذي جعله الله لخلقه ضياء، فمن الضلال أن تتحدث خطبة الأوقاف عن الوئام العالمي بين الأديان إرضاءً للكافر المستعمر، وتسليط الضوء على حسن تعامل المسلمين مع غيرهم من الناس، في الوقت الذي تعمل فيه الآلة الحربية الاستعمارية النصرانية واليهودية بل وكافة أتباع الديانات على سفك دماء المسلمين، ونهب ثرواتهم، وتشريدهم في عرض البحر، واحتلال بلادهم ومقدساتهم وعلى رأسها الأقصى الأسير، وإذلالهم بضنك العيش في معظم بقاع الدنيا من الروهينغا والهند، إلى سوريا واليمن وليبيا وغيرها تحت مسمى الإرهاب الذي هو صناعتهم، وحقيقته حرب على الإسلام ومحاولة لإقصائه عن عودته قويًا عزيزًا يقود العالم بعدله، ودولته التي سادت العالم علمًا وتنويرًا ورحمةً.

 

فالقرآن وآياته توضح تمامًا للمسلمين كيف يتعاملوا مع غيرهم، وخصوصًا في هذه الظروف التي تمر بالأمة الإسلامية، والتي تغافلت عن بيانها خطبة الأوقاف، وهي تحدد بوضوح ما عليهم اتخاذه حيالهم، فيقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ) ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ). ويقول: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ). ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ). ويقول: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) فقتال يهود، واتخاذ حالة الحرب معهم، وليس الوئام والتطبيع، هو حكم الشرع فيهم لأنهم مغتصبون لأراضي المسلمين، كما لا يجوز للمسلمين أن يؤووا القواعد العسكرية، والبعثات الدبلوماسية للمستعمرين الكفار كأمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، فهم الذين يقتلون المسلمين، ويتجسسون عليهم، ويحاربون الإسلام، ويعملون ضد عودة دولة الإسلام، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وكما لا يجوز للمسلمين الانضمام إلى المنظمات الدولية كهيئة الأمم، ولا الامتثال لما يسمى بالقانون الدولي؛ لأنها منظمات طاغوتية تتآمر على المسلمين، وشرعتها شرعة الكفر والخداع والضلال. فهلا استجبنا لشرع الله ونبذنا كل شرعة بدعة غيرها؟ قال تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ).

 

     
15 من جمادى الأولى 1439
الموافق  2018/02/01م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد