7 من شوال 1439    الموافق   Jun 21, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات حول خطبة الجمعة
حرمة أكل أموال الناس بالباطل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين قائدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ولايزيغ عن منهجه إلا هالك.


إن من عظم شريعة الله سبحانه وتعالى أن جاءت لتحمي وتحافظ على النفس البشرية فحرم قتل النفس إلا بحق وحرمت انتهاك الأعراض حفاظا عليها وحرمت أكل المال بالباطل حفاظا على أموال الناس قال صلى الله عليه وسلم (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) مسند الإمام أحمد, فهذا دليل واضح لا لبس فيه على حرمة التعدي على دماء وأعراض وأموال المسلمين. وبما أن الحديث هنا حول أكل أموال الناس بغير حق فقد حددت الشريعة الغراء كيفية كسب المال بالطرق الشرعية التي تراعي الفرد والمجتمع والدولة لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم في الحقوق والواجبات ، فضمن لهم الحفاظ الكامل على الحقوق الأساسية - الدين والنفس والعقل والمال والعرض - فيما بينهم، وشرعت من الأحكام -والأوامر والنواهي- ما يبين للناس كيفية كسب المال دون تعد او اعتداء، فجعلت من طرق كسب المال الإرث والأجرة والتجارة وغيرها وحددت أحكاما تبين ذلك، ومنعت الغش والتطفيف والسرقة والحرابة وقطع الطرق قال صلى الله عليه وسلم ( من غش فليس منا) وقال تعالى (ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)، وقال عز وجل: ( السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ...) وغيرها من الأدلة من الكتاب والسنة واجماع الصحابة مما لا يتسع المجال لذكرها هنا.


إن الإسلام لم يأت لحفظ أموال الناس من أكلها بالباطل بينهم فقط بل أيضا لحفظها من قبل الأنظمة الحاكمة، بل أوجب على الحكام أو الحكومات رعاية شؤون الناس حق الرعاية فلا يتعدوا على أموال الناس بسن قوانين تفرغ جيوب الناس خدمة للفساد وخدمة للدول الاستعمارية، فما نراه اليوم من تغول وتسلط على جيوب الناس دليل على أن هذه الحكومات لا تعمل على رعاية الناس بل تمعن في جباية أموالهم فتفرض الضرائب تلو الضرائب وتفرض المكوس وتضيق على الناس عيشها غير آبهين بأحكام الاسلام وغير آبهين بالناس وأموالهم فهم يطبقون نظاما رأسماليا بشعا - شقي أصحابه الغربيين به- على المسلمين، فأباحوا الربا والاحتكار وعمدوا لببع مقدارات الأمة من الثروات العامة للأمة - كالفوسفات والبوتاس والمعادن- بثمن بخس، مما أدى بهم للجوء للاستدانة من صندوق النقد الدولي الذي هو أداة استعمارية فأصبحوا لايستطيعون تسديد ما يترتب على هذه الديون من ربا فكيف بأصل الدين معلنين الحرب على الله ورسوله قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ)، لابل أصبحت قرارات الدولة السياسية والإقتصادية تبعا لما يريده صندوق النقد ومن خلفه دول الاستعمار. وما رأيناه في الأيام الماضية دليل صارخ على هذا التدخل وما نتج عنها من رفع للأسعار بشكل جنوني.


أيها المسلمون: إن واضعي السياسات الإقتصادية في بلادنا إنما يعتمدون على ما أنتجه النظام الرأسمالي من قوانين وتشريعات فهم يعملون على حل مشكلاتنا -حسب تصورهم- من وجهة نظر الرأسمالية القائمة على مبدأ من يملك المال يستطيع العيش ومن لا يملك فلا لوزم لوجوده في الحياة ضاربين عرض الحائط تشريعات خالق البشر التي بتطبيقها تطبيقا شاملا لن تعيش فيه الأمة بضنك عيش قال تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، ونذكركم بعهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه الذي طاف عماله بالأموال فلم يجدوا فقيرا واحدا على قلة الموارد في زمنهم، فما بالكم في زماننا هذا وقد تقدمت العلوم وأصبح استخراج الثروات ميسورا.


أيها المسلمون: لقد جعل الله في هذه الأرض من الثروات ومن المواد كي يستعملها الناس فيما ينفعهم وجعل أحكاما تنظم ملكياتها،
فجعل الملكية الخاصة - ما يمتلكه الفرد جراء أجرة أو تجارة أو ورثة أو هبة،
وجعل ملكية للدولة - وهي المقرات والدوائر التي ترعى فيها مصالح الناس،
وجعل الملكية العامة - وهي ما يعود نفعها لجميع الناس، فحرم التفريط بها وبيعها وخصخصتها بأي حال من الأحوال.
أيها المسلمون: إنه لمن الإجرام في حق الأمة أن تطالبها الحكومات بدفع فواتير الفساد من جيوبها وأن ترهق النفوس في سبيل تأمين مصالح الدول الاستعمارية دون حسيب أورقيب ودون أي اعتبار لهذه الأمة الكريمة.


أيها المسلمون: إن الحل الآني هو أن تأخذوا على يد حكامكم وتأطرونهم على الحق أطرا ليخلعوا تسلط الدول الاستعمارية وايقاف وسد أبواب الفساد وإعادة ما نهب من أموالنا فما نهب من أموال كفيل بأن يزيل كل مظاهر البؤس والشقاء والحاجة التي ترونها وتعيشونها كل يوم، وأن تعملوا على قصرهم على الحق فيرفعوا المكوس والضرائب التي اهلكت الحرث والنسل منذرينهم بعذاب الله ووعيده فعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « لا يدخل الجنة صاحب مكس ».رواه أحمد وأبو داود (2937) والطحاوي ، وابن الجارود ، وصحيح الحاكم على شرط مسلم.


أيها المسلمون: إن الحل الوحيد لدرء و إزالة هذا الظلم الذي يخيم علينا بأن نعمل جاهدين وجادين لتطبيق شرع الله في جميع مناحي الحياة من خلال دولة توحد بلادنا وتحرر مقدساتنا وتجمعنا وتحفظ دماءنا وأعراضنا وأموالنا، فنظام الإسلام كل لايتجزأ ولا تصلح الحلول الترقيعية فلايكتمل تطبيق النظام الإقتصادي دون النظام الإجتماعي ودون نظام التعليم والرعاية الصحية ودون السياسة الخارجية والداخلية، يجب أن نعمل لاعادة الإسلام في واقع الحياة ونصوغ حياتنا وفق ما أمر الله ورسوله لا أن نلوي أعناق النصوص لتوافق الواقع الفاسد ولإضفاء الشرعية عليه، فنظام الإسلام لايقبل أن يكون معه شريك في تنظيم حياة الناس وقد أعلنها رسول الله صلى اللم عليه وس منذ أن كان في مكة قال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)...) بل أمرنا أن نعيش حياتنا وفق شرع الله فننعم بخيري الدنيا والآخرة قال تعالى في سورة النحل (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)).

 

     
24 من ربيع الثاني 1439
الموافق  2018/01/11م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد