5 من جمادى الأولى 1439    الموافق   Jan 22, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات حول خطبة الجمعة
الوقف واشكاله في الاسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إن من أعظم نعم الله علينا أن أنزل إلينا شريعة كاملة تنظم جميع شؤون حياتنا و جعل فيها من الأحكام ما فيه صلاح الفرد والمجتمع والدولة، ومن هذه الأحكام، أحكام الصدقات ووضع لها ضوابط وحث الأفراد عليها، ووعد بالأجر العظيم لمن يعمل بها قال تعالى (َمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقوله تعالى: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وحث النبي عليه الصلاة والسلام الأفراد على البذل والعطاء وأن يبقى هذا العطاء مستمرا حتى بعد وفاة الشخص قال عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) فهذه الأدلة وغيرها الكثير تحث أفراد المسلمين على الانفاق في سبيل الله ليترابط المجتمع ويزيل الطبقية بين الأفراد ويعزز من الوحدة بينهم.


هذا من ناحية حث الأفراد على الانفاق في سبيل الله أما من ناحية الدولة كراعية للمسلمين فقد فرض الإسلام على الدولة - او الحاكم- أن ترعى المسلمين حق الرعاية وأن تعمل على تأمين الحاجات الأساسية للرعية من مأكل ومشرب ومسكن وتطبيب وتعليم فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ...) بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أيضا عظم جرم التقصير في رعاية المسلمين حيث قال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) قال النووي رحمه الله: " قال القاضي عياض: معناه بيِّن في التحذير من غش المسلمين، لمن قلّده الله تعالى شيئاً من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصّبه لمصلحتهم، في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما أُؤتمن عليه، فلم ينصح فيما قلده، إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل متعد لإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم، ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم، فقد غشهم. قال القاضي: وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة (انظر شرح النووي لمسلم 2 / 345).


فيجب على الدولة أن تعمل على تأمين الحاجات الأساسية للناس دون مقابل وأن لاتسطو على جيبوبهم بفرض الضرائب تلو الضرائب حتى تنفقها على أبواب الفساد وتجعل من هذه الضرائب سيفا مسلطا على رقاب الرعية فهذا غش وخداع للأمة ويدخل في دائرة من يحرم الله عليهم الجنة. وإنه لمن الاجرام و الاستخفاف بالناس أن تطلب الدولة من رعيتها أن تنفق في سبيل الله وهي قد افرغت جيوبهم وجعلت السواد الأعظم منهم يعيشون العوز و تحت خط الفقر، و لا توفر لهم سبل العيش الكريم، بل وتفرغ جيوبهم بقوانين جباية لاترقب في مؤمن إلا ولا ذمة وتحمي بهذه القوانين أبواب الفساد وترعاه بأموال الناس.


وكما قال الإمام النووي في شرح الحديث آنفا عن أن مِن غُشْ الرعية ترك حماية المسلمين وعدم محاربة أعدائهم ومن يحتل أراضيهم فكيف بمن يحتل أولى القبلتين ويدنسها صباح مساء دون حسيب أو رقيب، إن الحفاظ على المقدسات التي هي وقف عام للمسلمين كالقدس وكل فلسطين لا يكون بالتصريحات والبيانات والمؤتمرات ولا بتحشيد الناس بالشوارع والميادين ولا يكون ببث الاغاني الحماسية والوطنية ولا بتكثيف البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن القدس والأقصى ولا بشعارات والقاب رنانة في الوقت الذي يدنسه اليهود قتلة الأنبياء ويعلنوا جهارا نهارا ضمهم لكل القدس، بل إن رعايته كوقف اسلامي لا يكون إلا بتحريك الجيوش لتحريره واعادته إلى أحضان المسلمين ولو كلف ذلك ملايين الشهداء من شباب المسلمين.
والحمد لله رب العالمين

 

     
17 من ربيع الثاني 1439
الموافق  2018/01/04م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد