3 من شوال 1439    الموافق   Jun 18, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




نساء حملن الدعوة
(أم سلمة هند بنت أبي أمية)

 

يصعب على المسلمة أن تكتب عن قامة عظيمة وشخصية إيمانية راقية أمثال أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن، فأية كلمات أو تعبيرات توفيهن حقهن وأية تعبيرات ترتقي لقممهن؟ وأي وصف بليغ يليق بمواقفهن؟ وأي لفظ يحمل معاني تضحياتهن ومواقفهن؟ وأي مشاعر تلك التي تمتلكنا ونحن نسطر بعض تلك السيرة العطرة، وخاصة ونحن نعيش في ضنك العيش في ظل تحكّم مفاهيم الغرب الفاسدة الكاسدة عن المرأة، وما يريده الغرب من المرأة المسلمة من دور وموقف ومفاهيم عفنة؟؟ فجدير بالمرأة المسلمة اليوم أن تقرأ عن تلك السير العطرة، والمواقف البطولية والإيمانية لعلنا نقتفي آثارهن علمًا وعملًا، ومواقف إيمانية، وكيف لا نفعل، وهن قد اختارهن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل منهن أمهات ليس فقط لمن ولدنه، بل لجميع المؤمنين والمؤمنات. إنها والله من أكبر النعم، ومن أحلاها وأعلاها، وأرقاها أن تكون زوجة لرسول الله وإمًّا للمؤمنين.


واليوم لنا موقف وقصة مع زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم مدرسة بيت النبوة مع أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها لنقف على ماذا قدمت لهذه الدعوة وكيف ضحت بكل ما لديها وكيف صبرت على الأذى في سبيل الله تعالى ثم هاجرت إلى الحبشة ثم إلى المدينة ...... الله الله في أمهات المؤمنين الله الله في تلك السيرة العطرة ما أجمل أن نقتفي آثارهن، ونلتمس طريقهن، والله إنها السعادة الحقيقية في الدارين.
(أم سلمة الزوجة والأم - مواقف خالدة)


أم سلمة، وما أدراك ما أم سلمة؟ اسما، ونسبا، وعشيرة، وزوجة، وعلمًا وعملًا، وأمّا للمؤمنين، ورجاحة عقل، جمعت من الصفات ما تعجز عنه المؤلفات فضلًا عن مقال، فمن حيث النسب فأبوها سيد من سادات بني مخزوم، وجواد من أجواد العرب وأكرمهم، وأما زوجها فعبد الله بن عبد الأسد أحد العشرة السابقين إلى الإسلام.


أسلمت هند (أم سلمة) مع زوجها فكانت هي الأخرى من السابقات الأوائل إلى الإسلام، وما أن شاع نبأ إسلامها وزوجها حتى ضجت قريش بهذا الخبر، وجعلت تصب عليهما من الأذى والضيق الكثير، لكن هذه المضايقات تكسرت أمام صخرة الإيمان الراسخ، وسبق الإعداد لمرحلة التحدي، ودخول المجتمع والصدع بالدعوة وطرق الباب المجتمع في مرحلة التثقيف لهذه الدعوة (المرحلة السرية). أسلمت واشتهر أمرها وزوجها، وضاقت مكة ذرعًا بالفئة المؤمنة بعد الصدع بالدعوة فهاجرت إلى الحبشة مع زوجها - عائلة مؤمنة طيبة مباركة وانسجام بين الزوجين فكرًا وسلوكًا ومواقف- كما هاجر بعض المسلمين طلبًا للأمن بعيدًا عن سلطة قريش الآثمة المجرمة التي وقفت في وجه الدعوة، وحملتها إلى الحبشة بعد التعذيب والاضطهاد، وعدم مقدرة المسلمين على حماية أنفسهم. فأشار عليهم الرسول صلى الله وعليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة قائلا لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه".


دعونا نسمع منها ما روت، وبين ثنايا السطور تحكي لنا الرواية عن حجم الآلام والتضحيات ومقارنة بين جوار مكة التي وقفت في وجه الدعوة بالقتل والتعذيب والمطاردة حتى لمن هاجر بعيدًا. ذهبت قريش تطلب إعادتهم وتسليمهم لسلطة القهر والتعذيب وجوار الحبشة التي تركت لهم بفرديتهم إيمانهم، ورفضت تسليمهم، ولم تكرههم، فعادت قريش تجر أذيال الخزي. دعوها تحدثنا هي بما روي عنها عن تلك الحادثة، فعن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جوار، وأَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله لا نُؤذى، فلمَّا بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا، فجمعوا أدمًا كثيرًا ...". هذا الانتقال الأول فرارًا بدينهم وطلبًا للأمن. أما الهجرة الثانية فهجرة إلى الكيان والدولة وتطبيق الإسلام، ولن تقف قريش عند الممارسات القديمة، بل تجاوز الأمر أبعد من هذا تنكيلا، وقتلًا، ومحاولات الاغتيال لرأس الدعوة؛ لأنها هجرة لبناء الكيان السياسي للمسلمين، وليس مجرد الفرار بالدين.


أدركت هذا أم سلمة، كما كانت تدرك قريش خطورة الهجرة، وتدرك أن تضحيات الهجرة الثانية أعظم وأكبر، فتحملت في سبيل إقامة دولة الإسلام ما تنوء بحمله الجبال، فلقد جلست في بطحاء مكّة ترفع يديها بضراعةٍ وابتهال، تدعو ربّ السماء، وهو وحده المجيب، ومن يعلم حالها، تأتي أم سلمة إلى هذا المكان تعتكف فيه من الصباح وحتى المساء، لا تبالي بحر الشمس، ولا لهيب الرمال، تبكي، وتبكي وتشكو بثّها، وحزنها إلى الله، ترفع يديها وتقول بصوتٍ مرتجف: "يا الله، يا غياث المستغيثين، يا مجير المستجيرين، يا أمان الخائفين، فرّج كربتي يا رب، واجعل لي مع العسر يسرًا يا أرحم الراحمين.

 

يا ترى ما قصة هذا الدعاء الذي يخفي الألم والالتزام، وأي تضحية تلك؟ والله إن العيون لتبكي دما وهي تقرأ تلك الكلمات، وهذا الدعاء من قلب أم مؤمنة صابرة محتسبة أمرها لله!! وبرغم ما أصابها لم تضعف، ولم تتنازل، ولم تتخاذل، ولم تقف في وجه الدعوة، أو في وجه زوجها، ركبت مهاجرة لولا عشيرتها التي وقفت في وجه هجرتها، برغم هجرة زوجها، وأخذ ولدها منها، حيث تركت وحيدة ترفع يد الضراعة إلى وتبكي، لكنها لم تكن وحيدة بل كان الله معها فخلّد لنا اسمها، ومواقفها، وتضحيتها، دعونا نسمع قصتها مما روي لنا:


لـمَّا عزم أبو سلمة على الخروج إلى المدينة جهز لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلمَّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها، إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده (يا لله)، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم (أي بلاء فوق ابتلاءات)، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني (لله أمرك ما أعظم مصيبتك!!). قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي، حتى أمسى سنة أو قريبًا منها (طال الابتلاء) حتى مرَّ بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تُخرِجون هذه المسكينة، فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها. قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني. لله الأمر من قبل ومن بعد، فقد رفع الحبس، وعاد إليها ولدها تحتضنه بين ذراعيها، وتلحق بزوجها فيلتم شمل العائلة من جديد، بل وتلحق بالكيان السياسي والدولة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعيش فرحة التطبيق والانتصار من هجرات ومطاردات وتعذيب، إلى الأمن الحقيقي، أي فرحة تلك بعد صبر وتمحيص وابتلاء. ونعود للرواية: قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذتُ ابني فوضعته في حجري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة. أي عائلة تلك زوجًا وزوجةً؟ وأي مواقف تلك التي وقفتها؟ وأي مثال يحتذى يا نساء المسلمين اليوم بعد هذا؟ هذه أمهاتكم أمهات المؤمنين، فمن تحذو حذوها؟ ومن تصبر صبرها؟ ومن تقف موقفها هجرة بعد هجرة؟ وتركًا للأهل ثم التفريق بينها وبين زوجها وولدها؟ الله أكبر!! يا لها من قصة وتضحية عظيمة!! لكنها ليست غريبة على من حمل الإسلام حملًا حقيقيًا، وجعل من حمل الدعوة قضية مصيرية دونها الموت.

 

جعلني الله وإياكنَّ منهنَّ تضحيةً وصبرًا، وقبولًا لعل الله يكحل أعيننا قريبًا برفع راية الإسلام قريبًا. إلى موقف آخر مع أم سلمة في مقال آخر بإذن الله!!

 

كتبته للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية الأردن
راية الإسلام

 

     
28 من محرم 1439
الموافق  2017/10/18م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد