1 من ربيع الثاني 1439    الموافق   Dec 18, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
حول خطبة الجمعة (السِّلم في الإسلام)


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسار على هديهم إلى يوم الدين.
اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، إن الله عز وجل قد ارسل لنا محمدا صلى الله عليه وسلم ليخرج البشرية من الظلم وضيق العيش إلى رحمة وعدل الإسلام وسعة العيش في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فبالإسلام وحده يتحقق الخير وبالإسلام وحده ينتشر العدل والسلام.
إن مفهوم السلم الحقيقي لا يتحقق إلا بتطبيق الإسلام تطبيقا شموليا في جميع مناحي الحياة ولا تطبق أحكام الإسلام إلا من خلال دولة دستورها وقوانينها وأنظمتها منبثقة انبثاقا كليا من الإسلام ، ولنا في موضوع السلم وقفات:


اولا: إن الله يدعونا بأن نمتثل لأوامره ونتبع ماجاء به محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال في محكم التنزيل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ورد في تفسير هذه الاية عند ابن كثير يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا. فهذا المعنى الحقيقي للسلم فهو الانقياد التام والاستسلام لأوامر الله ونواهيه، فيأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويسلم المسلمون من كل مافيه ظلم وجور، فهذا من مقاصد الإسلام، ولضمان هذا المقصد أنزل الله تعالى أحكاما وتشريعات من شأنها ترسيخ السلم والأمن في المجتمع، فرسولنا الكريم جاء رحمة للبشرية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة»، فالشريعة جعلت السلم مظهراً من مظاهرها الجليلة، وشرّعت،من الأحكام الشرعية الكفيلة بتحقيقها، ولا أدَلَّ على ذلك من كثرة النصوص والأدلة على ذلك، فالدينُ الإسلامي دينُ السِّلْمِ والسلام.
وقد لمس المسلمون الأوائل هذا الأمر وعاشوه بعد أن أقام رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام في المدينة وحافظ عليها من بعد خلفاؤه حيث أرسوا السّلم والعدل ونشروه في البلاد حتى أصبحت دولة الإسلام منارة للعدل والرحمة والسلام. وفي ظل غياب دولة الإسلام كما هو الان سنبقى نعيش في عالم الظلم والإستعباد والجور ونهب الأموال وإضاعة البلاد والمقدسات وهتك الأعراض، والأمثلة على ذلك كثيرة ماثلة للعيان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من قتل وتشريد واغتصاب للمقدسات من تركستان الشرقية إلى ميانمار إلى الافغانستان والعراق وسوريا وفلسطين و اليمن ومصر وليبيا وغيرهم من بلاد المسلمين بل أي شقاء حل بالبشرية جمعاء بعد غياب الاسلام .


ثانيا: إن الأنظمة الوضعية الحاكمة في بلاد المسلمين لاتنتج سلما ولا أمنا بل كرست تقسيم بلاد المسلمين بتعددها وتفرقها وخدمة مصالح الغرب واستندت في دساتيرها وأنظمتها قوانين من وضع البشر فزادت الظلم ظلمات والضنك شدة لعدم تطبيق الإسلام والإستسلام لأعداء الأمة والتقرب لهم بمحاربة دين الله ودعاة تطبيق شرعه بزجهم في السجون وهتك حرماتهم وإخافة أهلهم وأبنائهم ونسائهم بل وصل الأمر بهذه الأنظمة أن تصنع العداء بين أبناءالبلد الواحد حتى تبقى على كرسي حكمٍ معْوجة قوائمه.


ثالثا: إن السلم العالمي المطروح حاليا إنما هو اضحوكة وتضليل وتثبيت للقوى الغربية ويراد به سلم المجتمعات الغربية المستعمرة لبلادنا وتثبيت علو شأنهم على حساب المسلمين و عقيدتهم و بلادهم فنراهم قد حشدوا حشودهم في بلادنا فأقاموا قواعدهم العسكرية فيها حفاظا على مصالحهم وتثبيتا للأنظمة العميلة التي تزهق أرواح المسلمين خدمة لهم ومما يدل على عدائهم مايصدر عنهم من تصريحات سابقة ولاحقة في حق المسلمين ودينهم حيث قال مايكل فلين، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، إن الإسلام سرطان خبيث خبيث في جسد 1.7 مليار شخص يجب استئصاله، هذا هو مفهومهم للسلام قد بدا واضحا منهم ونرى حكام الأمة يسارعون فيهم ويتذللون لهم ويدفعوا ثمن حروبهم العبثية علينا من أموالنا قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)، إن السلم العالمي لايمكن أن يتحقق طالما أن المبدأ الرأسمالي يحكم العالم، هذا المبدأ الفساد والجشع قائم على مص خيرات الشعوب ونهب خيراتها حتى أصبح لاينتج إلا ظلما وتكريسا لبقائه ، فها هي مجتمعات الغرب تعاني من جور الرأسمالية فهو مبدأ لايصلح للحيوانات فكيف يصلح لإدارة شؤون البشر قال تعالى ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )
إن السلم العالمي والمجتمعي لايتحقق إلا من خلال دولة الإسلام المبدئية التي تطبق فيها أحكام خالق البشر فتقود العالم نحو العدل والرخاء -بعيدا عن الحروب العبثية الإجرامية كما هو شأن الغرب اليوم - كما كانت سابقا وتُخرج الناس من جور الرأسمالية وظلمها إلى عدل الإسلام وسعته.


رابعا: إن السلم لايكون مع الأعداء المغتصبين لبلادنا ككيان يهود المغتصب لأولى القبلتين ولا مع أمريكا وروسيا ومن لف لفهم من دول العالم الغربي، فالسلم لايكون إلا بضوابط وضعها الإسلام وشروطا تضمن عدم التفريط بأي شبر من بلاد المسلمين أو اهدار أموال الناس والتفريط بدمائهم، ولايكون هذا السلم إلا بضمان حقوق الناس وحفظ أعراضهم ومقدساتهم وهذا الأمر لا ينطبق على كيان يهود فالسلم بمعنى السلام مع العدو واستغلاله في إقرار العلاقة مع يهود جريمة قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(192) ..إلى قوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)) فالسلم لا يقف في وجه نشر الدعوة و الجهاد ونشره.


فبتطبيق الإسلام في جميع مناحي الحياة ضمن دولة مبدئية تحمله للعالم وتحرص على ترسيخ السلم بين أفراد رعيتها وتكرس العدالة في المجتمع حتى مع غير المسلمين امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وتطبيق سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وتنفيذ ما جاء به كقوله: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ، وقوله ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ).


هذا هو الإسلام وهذه شريعته فبغيرها سنبقى نعيش في ظلمات بعضها فوق بعض ولن ينجلي الظلام إلا بعودة الإسلام حاكما لشؤون حياتنا في دولة تطبقه وفق أوامر الله فنفوز في الدنيا والآخرة، لذلك أيها الإخوة إن الأمر جلل وإن أعداء الأمة يبذلوا الغالي والنفيس كي لا يعود حكم الله في الأرض فيزيل ظلمهم ويمحي جورهم، فلذلك فاعملوا إن الله يحب المحسنين.

والحمد لله رب العالمين.

 

     
23 من محرم 1439
الموافق  2017/10/12م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد