2 من صـفر 1439    الموافق   Oct 22, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
منزلة آل البيت في الإسلام
اعتقادًا وعملًا، وليس نسبًا


مما لا شك فيه أن لآل البيت مكانة ومنزلة عظيمة في الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: "أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي" .. الحديث (رواه مسلم)


ولقد عرف المسلمون لهم هذه المنزلة والمكانة، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي". (رواه البخاري ومسلم) وقال فيهم أيضا: "ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته" (رواه البخاري) أي: احفظوه فيهم؛ فلا تؤذوهم، ولا تسيئوا إليهم. وقال عمر للعباس رضي الله عنهما: "والله، لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب". ومع هذه المنزلة والمكانة الكبيرة كان لا بد لنا من أن نقف عند بعض النقاط:


أولًا: قال ابن تيمية رحمه الله: "لا ريب أن لآل محمد صلى الله عليه وسلم حقًا على الأمة، لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش ... وأما ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله عز وجل للشخص المعين وكرامته عند الله تعالى، فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما يؤثر فيه الإيمان والعمل الصالح، وهو التقوى، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ويؤكد هذا المعنى قوله عز وجل: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) تقرر هذه الآيات أن الكرامة عند الله يوم القيامة ميزانها التقوى والعمل الصالح، وأن النسب الشريف لا ينفع صاحبه إذا لم يلبس لباس التقوى.


ثانيًا: جاءت الأحاديث النبوية مؤكدة لقطعي الآية دلالة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا". (رواه البخاري) يا فاطمة خذي من مال أبيك؛ لأنه يملكه، وله حق التصرف فيه أما مالا يملكه فلا حق له به، والشفاعة ليست انتقاءً ولا نسبًا، بل يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله جل جلاله قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) بل قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بموضوع النسب والعمل فالنسب لن يقدم من أبطأ به عمله قال صلى الله عليه وسلم: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه". (رواه مسلم)


ثالثًا: النسب لا يعطي شرعية سياسية لأحد، فليس معنى كون أحدهم من آل البيت أن يتقدم للحكم، ويمنع على غيره، بل الأدلة القاطعة أن السلطان للأمة تختار بمحض إرادتها من تريد، ويتقدم للحكم كل من حاز الشروط الشرعية للحكم، والنسب لم يكن شرط انعقاد في الإسلام لا في آل البيت، ولا في قريش، بل هو شرط أفضلية في قريش بعد توفر شروط الانعقاد والاختيار للأمة تختار بإرادتها من تريد؛ لذا كان العزف على وتر الشرعية السياسية والتاريخية مهزلة وجريمة وتلاعب بالشرع، وتضليل للمسلمين خاصة وأن من يدّعون هذا لا يقيمون وزنا لحكم الله وتطبيقه بين الناس، فأي شرعية تلك، ومادة الحكم هي مفاهيم الكفر وأحكامه، وليس حكم الله، ولا هدي رسوله؟؟



رابعًا: قال ابن تيمية رحمه الله: ولفظ "الأشراف" لا يتعلق به حكم شرعي، وإنما الحكم يتعلق بـ "بني هاشم"، كتحريم الصدقة، وأنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك". انتهى. وآل البيت الأطهار ليس لهم صفة القداسة، ولا هم مُعفَون من أحكام الإسلام سواء أحسنوا أم أساءوا، بل هم جزء من الأمة الإسلامية يجري عليهم ما يجري على المسلمين في العقوبات والحدود، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وبينه لنا معاشر المسلمين حتى لا يدعي مُدَّع يومًا أن لهم صفة تمنع من إقامة أحكام الله عليهم قال صلى الله عليه وسلم: "....وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، فهذه فاطمة، وهي في المكانة والمنزلة العليا في آل البيت، فكيف يكون في غيرها؟؟ قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).


خامسًا: العبرة بما يقدم الإنسان، فكيف بنا اليوم ومن يدعون وصلا بآل البيت وهم أبعد ما يكونون عن أحكام الله؟؟ وأبعد ما يكونون في كل شأن من شؤون حياتنا عن منهج محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وسبب المحبة لآل البيت الأطهار؟؟ كيف بنا اليوم والظلم والقمع والاعتقال والتعذيب يقع بسيفهم وسلطانهم على من يحملون دعوة الحق، ويسيرون وفق منهج سيدهم وأشرفهم وأعظمهم، وسبب تكريمهم سيد الخلق أجمعين محمد رسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم؟؟ كيف بنا اليوم وقد تحالفوا مع أعداء الأمة والدين من يهود وأمريكان؟؟ كيف بنا اليوم والدين يستهدف تحت سمعهم وبصرهم؟؟ فكيف يكون الحب، وعلى ماذا، ولماذا؟؟ ما لكم كيف تحكمون؟؟


 

     
15 من محرم 1439
الموافق  2017/10/05م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد