2 من صـفر 1439    الموافق   Oct 22, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




ذكرى يوم عاشوراء فيه عظة للمتكبرين والجبابرة
بأن الله مهلك من يحارب دينه وأولياءه

 

الحمد لله المعز المذل، الرافع الخافض، الحمد لله مالك الملك، الحمد لله قاصم الجبابرة والأكاسرة.
إن الله خص هذه الأمة وحباها بنعمة الإسلام، وجعل هذه العقيدة نور هدىً ورحمةٍ، لقد أنعم الله على هذه الأمة بأيام فضيلة تتنزل فيها رحماته، ويتضاعف فيها الأجر، فمن هذه الأيام يوم العاشر من محرم (عاشوراء) هذا اليوم العظيم الذي هو يومٌ من أيام الله عز وجل، يوم نجى الله فيه نبيه موسى عليه السلام، ومن معه من المستضعفين، المؤمنين الموحدين من بطش وجبروت فرعون، هذا اليوم هو ذكرى للبشرية جمعاء بأن الله ناصر عباده المخلصين المؤمنين، وأن أولياء الله لا خوف عليهم، وأنهم لا يحزنون (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).

 

فيه عظة للمتكبرين والجبابرة بأن الله مهلك من يحارب دينه وأولياءه فمصيرهم الهلاك قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). فهذا الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون، ومن تبعهم إلى يوم الدين من حكام وأقوام، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا عباد الله، في دينهم ودنياهم، ولهذا قال عز وجل: (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) وهو العمل بالكفر وأنظمته وقوانينه، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله، وتطبيق شرعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم، أرسل الله عليهم عذابه فأهلكهم بذنوبهم (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) لمن عصاه يمهله قليلًا، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

 

فهذا اليوم يوم عظة لمن تكبر وتجبر، عظة لهم بأن لا يقفوا ضد دعوة الله وضد حملة دعوته فلا يزجوا في السجون، ولا تنتهك حرماتهم، ولا يروع أطفالهم، ولا يقتلون، وهذا للأسف هو عكس ما نراه في بلاد المسلمين، فدعاة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، ودعاة وحدة الأمة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر يزج بهم في السجون، ويفرق بينهم وبين أهليهم، ويروع أهلهم، وتنتهك حرمات بيوتهم، لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ففُعل بهم كما فَعل فرعونُ وغيرُه من قبل، فأهلكه الله بفعله قال تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ‏).


هذا يوم عظة للحكام والمسئولين وغيرهم ممن له سلطة على الناس كالقضاة، والأجهزة الأمنية، بأن لا يحاربوا أولياء الله، ودعاة تطبيق دينه، وأن ينحازوا لصف أمتهم، ولا يكونوا سيفًا مسلَطًا على رقاب المسلمين، إضافة لسيف الكافر المستعمر الذي قسم بلادنا، وقتل أبناء الأمة، ونهب خيراتها، هذا يوم عظة لهم بأن لا يحاربوا أحكام ربهم، وأن لا ينشروا الفساد، وأن يتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)). وقول الحق سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ). وقال: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ*) يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: ولقد جاء أتباع فرعون وقومه إنذارنا بالعقوبة بكفرهم بنا وبرسولنا موسى فكذب آل فرعون بأدلتنا التي جاءتهم من عندنا، وحججنا التي أتتهم بأنه لا إله إلا الله وحده كلها (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ) أي فعاقبناهم بكفرهم بالله عقوبة شديد لا يغلب، مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف.


هذا يوم عظة لكل من ولي من أمر المسلمين شيئًا بأن لا يكون كفرعون، وهامان، وأبي جهل، وغيرهم من الطغاة الذين حاربوا من صدع بالحق ونادى بالخير، ونهى عن الفحشاء، فهل من متعظ فينال رضا الله، وينحاز للحق وأهله، فينجوا من عذاب الله في الدنيا والآخرة؟؟


ونقول لمن يستقوون بمراكزهم ومواقعهم: "لن يُقبل منكم عذر أمام الله في الآخرة التي بعتموها لكبرائكم، وسادتكم بعَرَضٍ من الدنيا قليل، قال تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)، فاتقوا الله، وتوبوا إليه، واحذروا عذابه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا*).


إن يوم عاشوراء يوم عظيم فكما أنه يوم فيه عظة للظالمين، كذلك فيه بشرى للمخلصين بأن الله ناصرهم، وأنه وليهم قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وهو يدافع عنهم قال جل في علاه: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ). فالنصر جزاء مَنْ أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، ودعا إلى الله على بصيرة، واتبع طريق رسولنا الكريم قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فالله يدافع عمن اتبع سبيل رسوله، وقاصمُ من يظلمهم سواءً أكان حاكمًا أم شرطيًا أم قاضيًا، أم غيرهم ممن يؤذون حملة الدعوة من شباب حزب التحرير وغيرهم من المسلمين المخلصين، الذين يدعون للحق قال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب..)) الحديث. فالله سبحانه لا يترك عباده المؤمنين حتى وإن لاقوا ما لاقوه من عذاب، ونصب، وحزن، واستضعاف، فكل ذلك خير لهم؛ ليرفعهم في درجات الجنة، ويمكِّن لهم في الدنيا قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).


فللعمل الجاد ندعوكم أيها المسلمون، فخذوا على يد الظالمين وأطُروهم على الحق أطراً، وائمروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر حتى لا يشملنا الله بعقابه، روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي بكر الصديق أنه قال: ((يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب منه)). وكونوا عونا لإخوانكم الذين يعملون لإقامة شرع الله واستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة.

 

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية الأردن
محمد زلوم

 

     
10 من محرم 1439
الموافق  2017/09/30م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد