18 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 15, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




سلسلة نساء حملن الدعوة

السيدة خديجة أم المؤمنين

الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد سيكون لنا سلسلة مقالات تحت عنوان نساء حملن الدعوة ونبدأ بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن جميعا وأولهن: السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها.


نشأت السيدة خديجة في بيت عريق، ونسب شريف، وبيت جود وكرم، ذات حسب ونسب، فبيت أهلها من أعرق بيوت قريش، ومن أعلاهم نسبًا، وثراء ووجاهة. ولدت السيدة خديجة رضي الله عنها قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة. أبوها خويلد بن أسد بن عبد العزى، وأمها فاطمة بنت زائدة، وأم فاطمة هي هالة بنت عبد مناف الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم.


تزوجت برسول الله وهي ابنة أربعين سنة، بينما كان هو في الخامسة والعشرين، ولما نزل عليه الوحي كانت أول من آمنت به وصدقته، وقفت معه، وتحملت في سبيل الدعوة الأذى والآلام والحرمان والمصاعب كل ذلك في سبيل الله ابتغاء مرضاته.
ولقد ذكرت كتب التاريخ والسير مواقف عظيمة لأم المؤمنين خديجة سأذكر بعضها:-


أولا: لقد قامت خديجة بمواقف عظيمة دلت على رجاحة عقلها، وجرأتها في مواجهة المواقف، والمستجدات حتى رأيناها، وهي تدثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزمله، وتقف معه مؤيدة له، فلم تلطم خدها، أو تصيح وتصرخ في وجهه مع إدراكها لثقل الحمل، وتبعات الرسالة، ولما جاءها يحدثها بما حدث معه قالت تلك العبارات التي خلدها التاريخ: "كلا والله لن يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِبُ المعدوم، وتُعينُ على نوائب الحق، أبشر يا ابن عم، واثبت فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة".
لم تقل له دعك من هذا الأمر وما الذي يحملك على هلاك نفسك، وهلاكي وأبنائك ومخالفتك قومك، وتعريض نفسك للهلاك، ومطاردة قريش، والقتل، وقد أدركت هذا، ثم جاء كلام ورقة ليؤكد لهما تبعات هذه الرسالة بقوله "يا ليتني فيها جذعا! يا ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك ...!!".
أو أنها طلبت الفراق والطلاق، أو وقفت في وجهه، حاشا وكلا. أنها مواقف التصديق الجازم، وقوة الإيمان بالرسالة الجديدة .


ثانيًا: نأتي للموقف العظيم الآخر، وهو عندما كانت تذهب إليه في الغار وهو يتحنث، فكانت تمشي من بيتها تحمل إليه الطعام والشراب، وتقطع المسافة بين بيتها وجبل النور، وهي تقدر بخمسة كيلومترات وأربعمائة متر تقطعها ذهابًا وإيابًا، لا تكل ولا تمل، ثم تصعد إلى الجبل الذي يبلغ ارتفاعه ثمانمائة وستة وستين مترًا فوق سطح البحر. كل ذلك لتطمئن عليه، وتعينه على ما هو فيه، فإذا ما وجدته منشغلًا في عبادته وتحنثه عادت وتركت الطعام من دون أن تزعجه تقديرًا منها لمقام النبوة والرسالة، تفعل ذلك إيمانًا واحتسابًا، تغمرها الفرحة بما هي عليه برغم التعب خاصة أنها قد بلغت من العمر ما بلغت. أي موقف هذا الذي تقفه مع زوجها حامل الرسالة والدعوة.


ثالثًا: وموقف أخير، والحديث يطول في بيان مواقفها رضي الله عنها لقد تنادت قريش لحصار النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله بني هاشم وبني المطلب، والتضييق عليهم في شعب أبي طالب، ومنع الطعام في قرار لزعماء قريش، وأسلوب قذر للتضييق على المسلمين، فما كان موقف خديجة وقد كان لها في عشيرتها بني أسد قوة ومنعة، ولكنها آثرت أن تلحق برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ومن آمن معه لم يمنعها سنها وهي تخطو نحو الثالثة والستين، وما بلغت أن تجد لها عذرًا لتعيش براحة فتعتذر، كيف لا وهي ذات مال وثروة وعشيرة؟ لقد كان لموقفها أبلغ الأثر في رجال عشيرتها، وكيف يرضون أن تجوع وتحاصر، وتحرم تلك المرأة العظيمة التي كانت تغدق على أسر بيوت عشيرتها من البر والخير ما لم يكن يفعله كبار أغنيائهم؟ فاندفع بعضهم يحمل إليها الطعام سرًا مخاطرًا بنفسه، وما قد يلحقه من تعرض لنقمة زعماء السقيفة، وقد حدث أن ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد يحمل إليها القمح، فيلقاه أبو جهل محاولًا منعه، ويتماسك الرجلان، ويراهما أبو البختري بن هشام. وهو ابن عم خديجة. فيتصدى لأبي جهل، ويضربه بعنف ويشجه، ويلقيه إلى الأرض ثم يطؤه وطئًا شديدًا، ثم بعد هذا هل كانت تستأثر بالطعام الذي يرسل لها لوحدها دون المسلمين؟ لا، بل كانت توزعه على جميع من في الشعب، ولا تنال منه إلا أقل من أي فرد من أفراد المسلمين المحاصرين في شعب أبي طالب. أي موقف بل أي مواقف تلك يا أم المؤمنين؟ لله دررك! ما أعظم إيمانك وتضحيتك! ومواقفك وحري بنا معاشر النساء أن نقلد تلك المواقف الخالدة، وصدق الشاعر حين قال:

 

فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم ......إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ


كتبته للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية الأردن
راية الإسلام

 

     
22 من ذي الحجة 1438
الموافق  2017/09/13م