30 من صـفر 1439    الموافق   Nov 19, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




رداً على مقال ( كي لا نخالف - نحن المسلمين - الطبيعة وسنة الحياة! )

 

رئيس تحرير جريدة الرأي الأردنية المحترم:

 

نرجو نشر الرد التالي على مقال " كي لا نخالف - نحن المسلمين - الطبيعة وسنة الحياة! " للكاتب أسعد عبدالرحمن الذي نشرته جريدة الرأي بتاريخ 7/7/ 2017، عملا بحق الرد.

 

بدأ الكاتب مقاله بالتساؤلات التاليه: " : لماذا تأخرنا وتقدم الغرب؟ وكيف ننهض مجددا من كبوتنا وسباتنا الحضاري الطويل بشكل يواكب التحديات العالمية الحديثة؟ وكيف يمكن التعامل مع هذه التحديات؟؟

 

ومع الاسف ينطلق في إجاباته من وصفه لواقع الغرب "المتفوق" ، وواقع العالم الاسلامي "المتخلف"، على اسس لا تمت لوصف واقع الحضارة والمدنية بصلة وهو الاستاذ الباحث المفكر كما يرد في سيرته الذاتية، فينتقي من العبارات المجتزأة هنا وهناك ثم يبني عليها ليصل للغاية التي أرادها من مقاله وهي التخلي عن ماضي الحضارة الاسلامية والانضمام إلى ركب الحضارة الغربية، وذلك كما يمكن تلخيصه من العبارات الورادة في مقاله التالية: "  ولكن أن نبقى أسرى ذاك الماضي وتلك الحضارة ومخرجاتها، فإن ذلك جزء أساس من العائق الكبير الذي يقف حائلا دون ممارستنا ومنافستنا الحضارية في «عالم اليوم»"، وقال: " لا نزال مكبلين بسلاسل الماضي السحيق "، ويتسائل الكاتب بإستنكار: " ..وإلام سنبقى أسرى لأفكار الأموات من «جهابذتنا»..؟؟ ثم يخلص الى القول " خروجنا من هذا المأزق لا يكون إلا بإحداث نوع من الإنفكاك المعرفي شبه الكامل مع ماضينا،"

 

لقد كان الاجدر بالباحث المنصف أن يبين لنا ماهي الحضارة أولا والاسس التي تقوم عليها ومقوماتها، وماهي الحضارة الصحيحة ثم يستعرض لنا الحضارات الموجودة في العالم، ثم يقنعنا لماذا يريدنا ان ننسلخ عن الحضارة الاسلامية ، وأن نقبل على الواقع الحالي الذي تسود فيه الحضارة الغربية، وليس مع " حلول الماضي " التي عفا عليها الزمن ولأنها كانت حلول رجال لأزمان قد خلت، وذلك حين يقول: " نحن لم «..نفقه..» واقع الأمة الحقيقي ولم نستطع التأقلم مع المحسوس والمشاهد " .

 

لم يكن الانحطاط في العالم الإسلامي، بسبب قصور المبدأ الإسلامي، فعقيدته هي العقيدة الصحيحة الموافقة لفطرة الإنسان ولعقله والمنطبقة على واقع الكون والحياة والإنسان، ونظامه هو النظام الصحيح الذي نزل من عند الله تعالى لمعالجة مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً في كل زمان ومكان. فكان بحق المبدأ الانساني الوحيد الذي إن أحسن تطبيقه، حقق أفضل مستويات العيش الإنساني الراقي والعادل، والسبب الحقيقي لتخلف العالم الاسلامي إنما كان بسبب تقصير المسلمين في فهم أفكار هذا المبدأ وإساءة تطبيقه في فترات من تاريخ الدولة الاسلامية، وفي نهاية حقبة الدولة العثمانية أدى هذا إلى الانحطاط الفكري وإغلاق باب الاجتهاد بسبب إهمال اللغة العربية أيضا، ثم تبع ذلك تكالب الغرب في محاولاته الحثيثة لتسميم وتشويش هذه الافكار فضعف حمل الامة للمبدأ الاسلامي عملياً، وأخيرا تم القضاء على الخلافة الاسلامية على يد مصطفى كمال، واستبدل الاسلام كنظام وأحكام بالنظام العلماني القائم على التشريع البشري وفصل الدين عن الحياة منذ ما يقارب المئة عام حتى اليوم.

 

وبرزت وغذيت القوميات والوطنيات في العالم الاسلامي كبديل عن المبدأ الاسلامي الذي كان يربط الامة الواحدة في وحدة سياسية مبدأية، فجزأ الاستعمارهذه الامة الى ما يزيد عن 57 دويلة وشرذمة، ونصب على كل بلد حاكماً يأتمر بأمره ويحكم بنظامه الغربي العلماني، الذي لا يمت الى الدين الاسلامي وأحكامه بصلة، وإنما بهويات دخيله على الناس، صنع لها تاريخ مزيف على أساس قومي أو وطني، يكون فيه الدستور على أساس فصل الدين عن الحياة وهي أساس ما يسمى بالديمقرطية الغربية، التي روج لها في العالم الاسلامي كأساس للدولة المدنية التي يكون فيها التشريع والحكم للشعب.

 

وبعد مضي مايقارب القرن على الحكم القومي الوطني من خلال الدول القطرية التي أنشأها الاستعمار ورسم حدودها سايكس وبيكو، ووضع نشيدها الوطني وراياتها الملونه، بل ووضع دستورها العلماني، مبقيا على المادة اليتيمة لذر الرماد في العيون وهي أن دين الدولة الاسلام ، ولكن عمليا يسن القوانين البرلمانات حسب ما تقتضيه مصالح الغرب وحكام المسلمين في إبقاء هذه الامة في تخلف حضاري، ونزاعات دائمة بينية جاهلية، وصراعات مسلحة بين وكلاء ذلك المستعمر او ذاك في صراعهم على خيرات المنطقة والحيلولة دون نهضة الامة بمشروعها الحي الذي نهضت به أول أمرها وهو الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.


فضياع فلسطين وكشميروجنوب السودان والمناطق الاسلامية في روسيا والصين، ودمار البلاد والعباد، ووأد الثورات المباركة للامة وتجييرها لصالح المستعمر  بما يسمى بالثورات المضادة، والدخول في التحالفات الغربية الاستعمارية في ما يسمى الحرب على الارهاب، وتدمير بلدان العالم الاسلامي ابتداءاً من العراق الى أفغانستان وليبيا واليمن وأخيراً وليس آخراً سوريا، وتدوير الحكام العملاء بحكام أسوأ منهم، لم يحصل نتيجة تطبيق الاسلام والركون الى الماضي وتطبيق الشرع الذي أنزله رب العالمين، وإنما نتيجة الحكم الجبري العلماني الاستعماري الذي ساد العالم الاسلامي، بإسم الهوية الوطنية أو القومية، التي يروج لها العلمانيون وعلماء السلاطين تحت مسمى الاسلام المعتدل، فالاسلام بريء من أن يكون سبب تخلف الامة وهو غائب عن التحكم والحكم منذ مايزيد عن قرن من الزمان حتى يتهم زوراً وظلما وبهتاناً بأنه سبب تخلف الامة ، حيث لم نشهد دولة واحدة إطلاقاً تطبق الاسلام منذ سقوط الخلافة عام 1924.

 

أما الحضارة الغربية القائمة على مبدأ فصل الدين عن الحياة، نتيجة صراع بين رجال الكنيسة من جهة والملوك والفلاسفة والمفكرين من جهة أخرى، وإنبثق عنها المبدأ الرأسمالي او مبدأ الحريات ومنه الديمقراطية، فقامت دول على أساس الحضارة الغربية، ومنذ أن تمكنت هذه الدول من السيطرة على العالم نجده عالماً مليئاً بالشقاء والتعاسة والحروب الطاحنة التي لا تبقي ولا تذر، علاوةً على ما أفرزته تلك الحضارة من نفي للقيم الروحية، وهبوط في السلوك، وذهاب للأخلاق، لأن تلك الحضارة حضارة نفعية،  وتجعل المنفعة هي المقياس للأعمال، بغض النظر عن الشعارات التي ترفع من مثل الديمقراطية، والحريات، وحقوق الإنسان، والعدالة، والمساواة.

 

تشهد أميركا، ومعها الدول الغربية، إفلاساً فكرياً وانكشافاً يعرض حضارتها للتهاوي والسقوط. وهي في حربها التي أعلنتها ضد الإسلام والمسلمين تحت دعوى محاربة الإرهاب إنما تهدف إلى ضرب حضارة الإسلام وتشويه صورته والتي يدعونا الكاتب الى التخلي عنه مساهماً من حيث يدري أو لايدري في تعتيم وتشويه صورة الحضارة الاسلامية، وتقبيح صورة المسلمين العاملين على نهضته، و يهدف الغرب أيضاً إلى اللعب بأفكار الاسلام وأحكامه لحرف المسلمين عن الفهم الصحيح الذي يؤرقها ويشكل تهديداً حقيقياً له. و لم تترك أمريكا في هذه الحرب سبيلاً، إلا سلكته، وقد حشدت من أجل ذلك كل قواها المادية والعسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية... وهي في اتباعها للأساليب اللاحضارية بحق المسلمين من قتل وتعذيب وتشويه للحقائق وإفساد وإخفاء لأهدافها الاستعمارية التي أصبحت مكشوفة إنما تمارس عملية إسقاط حضارتها بنفسها.

 

أما التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يلج منه الكاتب كذريعة لترغيب المسلمين بالتخلي عن ماضيهم الحضاري واتباع الغرب، بأسلوب تهكمي قائلاً: " طالما أن الله سخر لنا نتاجا ووسائل وأدوات نقطفها من بساتين الغرب (رغم انه «كافر»!) الذي يسبقنا " بسنوات حضارية" ضوئية، ونحن بالكاد نحبوا في أثره؟! "، فهو لايمت للحضارة بصلة، فالمدنية الناجمة عن العلم والصناعة لا يوجد ما يمنع من أخذها عن الغير. وذلك لأنها عالمية لا تختص بحضارة من الحضارات، ولكن وإذا ما حصل أن فقدت الأمة ثروتها المادية وبقيت محتفظة بثروتها الفكرية فإنها سرعان ما تستعيدها، ولكن فقدانها لحضارتها هو الذي يجعلها متخبطة لا تهتدي الى سبيل النهضة.

 

هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ. وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتفوق النهضة الإسلامية على كل ما سواها من النهضات، وليس بإقتباسات من مظاهر خادعه للحضارة الغربية في الجانب المدني والعلمي والصناعي وفساد منظومته وخطورته الماثلة، أمام كل ذي بصر وبصيرة ،على العالم أجمع، وإنتقاءات ظالمة من الواقع الحالي يحمل تبعاتها للأمة الاسلامية،  في الوقت الذي يغيب فيه تطبيق الاسلام، الذي يعمل من أجل عودته عملياً، المخلصون الواعون في دولة خلافة راشدة ثانيه على منهاج النبوة، وتتوق الامة  لتنعم للعيش فيها.

 

ولابأس أخيراً ان نقتبس من ما شهد به " العدو" ، كما أقتبس الكاتب عن الغربيين أمثال توني بلير مجرم الحرب على العراق، فقد وردت القصة التالية على لسان كارلي فيورينا المرشحة للرئاسة الامريكية الاخيرة، عندما كانت المدير التنفيذي لشركة أي بي إم ،  عام 2001 في نهاية محاضرتها لمديري الشركة من جميع أنحاء العالم، بعد هجمات سيبتمبر، عندما قالت ما نصه:

 

(سوف أختتم محاضرتي لكم برواية قصة:

لقد كان هناك حضارة من أعظم الحضارات على وجه الأرض.

فقد كانت قادرة على بناء دولة عظيمة امتدت من المحيط إلى المحيط ، ومن المناطق الشمالية الباردة إلى المناطق الاستوائية والصحاري. عاش تحت سلطانها مئات الملايين من الناس من أصول وعرقيات ومذاهب مختلفة.

 

أصبحت إحدى لغاتها لغة عالمية في معظم أرجاء المعمورة ، قربت المسافات بين سكان المئات من البلاد. وتشكلت جيوشها من شعوب من مختلف القوميات، ووفرت قوتها العسكرية الحماية و درجة من الاستقرار والازدهار لم يشهده العالم من قبل، وامتدت الحركة التجارية لهذه الحضارة من أمريكا اللاتينية وحتى الصين شاملة كل بقعة بينهما.

 

كان إبداع هذه الحضارة منقطع النظير، فمهندسوها استطاعوا تصميم مبان على أسس هندسية متفوقة ،تحدت قوة الجاذبية الأرضية، علماء الرياضيات فيها وضعوا أسس علم الجبر واللوغاريتمات والتي سهلت للأجيال بناء أجهزة الحاسب الآلي والتقنيات الحديثة التي نستخدمها الآن، أطباؤها فحصوا ودرسوا جسم الإنسان وأوجدوا علاجات شافية لأمراض لا تحصى ، علماء الفلك فيها بحثوا في الفضاء وسموا النجوم ووضعوا لنا مفاهيم الكواكب التي استطعنا من خلالها الانطلاق إلى الفضاء، أدباؤها كتبوا لنا الآلاف من القصص والروايات عن الشجاعة و الحكايات الشاعرية ، في وقت كانت هناك أمم ترتعش خوفا من مجرد التفكير في هذه الأمور.


عندما كانت الأمم الأخرى تتوجس من الفكر والأفكار، كانت هذه الحضارة تزدهر وتعيش بها وتبقيها حية، وعندما كانت الرقابة الاقصائية تهدد بمحو المعارف من الحضارات القديمة، حافظت هذه الحضارة على المعرفة وأبقتها حية  ونقلتها لبقية الأمم.

 

قد يتمتع عالمنا الغربي اليوم بكثير من هذه السمات... لكن الحضارة التي أتكلم عنها الآن كانت هي الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي من عام 800 إلى عام 1600م،  والتي كانت تشمل أيضا الدولة العثمانية، و حاضرة بغداد ودمشق ومصر وحكاما متنورين أمثال سليمان القانوني، " إنتهى الاقتباس.

 

فالحضارة الاسلامية أيها الكاتب هي التي نهضت بها الامة في الماضي، وسعدت بها البشرية ، وهي التي تسعى الامة إلى تفعيلها في دولة خلافة اسلامية على منهاج النبوة مع كافة برامجها وحلولها لكل مستجدات العصر ومخلفات ضنك وعفن الرأسمالية، وهي التي ستسود في المستقبل القريب بإذن الله ، فالغرب رغم حربه عليها، يعلم انها قادمة كما جاء على لسان بات بوكنان المستشارِ الأعلى لثلاثةٍ من رؤساءِ أمريكا السابقين: " الخلافة فكرة آن أوانها".


 

د. أحمد حسونة

نائب رئيس المكتب الاعلامي لحزب التحرير

ولاية الاردن

 

 

ملاحظة: أحجمت جريدة الرأي عن نشر هذا الرد على مقال الكاتب أسعد عبدالرحمن على صفحاتها عملا بحق الرد الصحفي ، وبدورنا نستهجن نشرها للمقالات التي تروج لإقصاء الامة عن ماضيها الاسلامي المشرف وسلخها عن حضارتها العريقة وتوجيهها العلماني لحضارة الغرب الاستعمارية، وتحجم عن نشر  المقالات التي تبرز أهمية مشروع الامة النهضوي بإتخاذ الاسلام عقيدة ومبدأ وأحكام شرعية لتطبيقها في كيانها السياسي الشرعي وهو دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة.

     
21 من شوال 1438
الموافق  2017/07/15م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد